603
السيرة النبوية:عرض وقائع وتحليل أحداث ج 2
الفصل العاشر: أهم الأحداث ما بين أحد والخندق
المبحث السادس : غــــزوة بني المصطلــــق
سابعًا: فوائد وأحكام ودروس من حادثة الإفك وغزوة بني المصطلق:
1- بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم:
جاءت محنة الإفك منطوية على حكمة إلهية استهدفت إبراز شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وإظهارها صافية مميزة عن كل ما قد يلتبس بها، فلو كان الوحي أمرًا ذاتيًّا غير منفصل عن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم, لما عاش الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المحنة بكل أبعادها شهرًا كاملاً، ولكن الحقيقة التي تجلت للناس بهذه المحنة أن ظهرت بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم ونبوته، فعندما حسم الوحي اللغط الذي دار حول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- عادت المياه إلى مجاريها بينها وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وفرح الجميع بهذه النتيجة بعد تلك المعاناة القاسية، فدل ذلك على حقيقة الوحي، وأن الأمر لو لم يكن من عند الله تعالى لبقيت رواسب المحنة في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفة خاصة, ولانعكس ذلك على تصرفاته مع زوجته عائشة رضي الله عنها، وهكذا شاء الله أن تكون هذه المحنة دليلاً كبيرًا على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم( ).
2- حد القذف وأهميته في المحافظة على أعراض المسلمين:
كان المجتمع الإسلامي يتربى من خلال الأحداث، فعندما وقعت حادثة الإفك أراد المولى -عز وجل- أن يشرع بعض الأحكام التي تساهم في المحافظة على أعراض المؤمنين, ولذلك نزلت سورة النور، التي تحدثت عن حكم الزاني والزانية وعن قبح فاحشة الزنا، وعما يجب على الحاكم أن يفعله إذا ما رمى أحد الزوجين صاحبه، وعن العقوبة التي أوجبها الله على الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء إلى غير ذلك من الأحكام( ).
إن الإسلام حرم الزنا، وأوجب العقوبة على فاعله، فقد حرم أيضًا كل الأسباب المسببة له، وكل الطرق الموصلة إليه، ومنها إشاعة الفاحشة والقذف بها لتنزيه المجتمع من أن تسري فيه ألفاظ الفاحشة والحديث عنها؛ لأن كثرة الحديث عن فاحشة الزنا وسهولة قولها في كل وقت يهون أمرها لدى سامعيها، ويجرئ ضعفاء النفوس على ارتكابها، لهذا حرمت الشريعة الإسلامية القذف بالزنا، وأوجبت على من قذف عفيفًا أو عفيفة, طاهرًا أو طاهرة, بريئًا أو بريئة من الزنا حد القذف وهو الجلد ثمانين جلدة وعدم قبول شهادته إلا بعد توبته توبة صادقة نصوحًا( ).
هذا وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حد القذف على مسطح وحسان وحمنة، وروى محمد بن إسحاق وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الإفك رجلين وامرأة: مسطحا وحسانًا وحمنة، وذكره الترمذي( ) قال القرطبي: والمشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أن الذي حُدَّ حسان ومسطح وحمنة، ولم يسمع بحد عبد الله بن أبي( ). وقد وردت آثار ضعيفة تدل على أن عبد الله بن أبي أقيم عليه الحد، ولكنها كلها ضعيفة لا تقوم بها حجة( ).
وقد ذكر ابن القيم وجه الحكمة في عدم حد عبد الله بن أبي فقال:
أ- قيل: لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة، والخبيث ليس أهلاً لذلك, وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة ويكفيه عن الحد.
ب- وقيل: كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه.
ج- وقيل: الحد لا يثبت إلا ببينة أو إقرار وهو لم يقر بالقذف ولا شهد به عليه أحد, فإنه كان يذكره بين أصحابه ولم يشهدوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين.
د- وقيل: بل ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته عليه، كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه بما يوجب قتله مرارًا, وهي تأليف قومه وعدم تنفيرهم من الإسلام.
ثم قال في ختام كلامه ولعله تُرك لهذه الوجوه كلها( ).
3- اعتذار حسان للسيدة عائشة رضي الله عنها:
قد بينت الروايات أن مَنْ خاض في الإفك قد تاب ما عدا ابن أبي، وقد اعتذر حسان ? عما كان منه، وقال يمدح عائشة بما هي أهل له( ):
من المحصنات غير ذات غوائل
رأيتك وليغفر لك الله حرة
وتصبح غرثي من لحوم الغوافل
حصان رزان ما تزن بريبة
بك الدهر بل قيل امرئ متناحل
وإن الذي قد قيل ليس بلائق
فلا رفعت سوطي إلي أناملي
فإن كنت أهجوكم كما بلغوكم
لآل رسول الله زين المحافل
فكيف وودي ما حييت ونصرتي
قصارًا، وطال العز كل التطاول( )
وإن لهم عزًا يرى الناس دونه
4- من الأحكام المستنبطة من غزوة بني المصطلق:
جواز الإغارة على من بلغتهم دعوة الإسلام دون إنذار، ومنها صحة جعل العتق صداقًا كما فعل صلى الله عليه وسلم مع جويرية بنت الحارث في هذه الغزوة، ومنها مشروعية القرعة بين النساء عند إرادة السفر ببعضهن، ومنها جواز استرقاق العرب كما حدث في الغزوة وهو قول جمهور العلماء( )، وقد أجمع العلماء قاطبة على أن من سب عائشة رضي الله عنها بعد براءتها براءة قطعية بنص القرآن ورماها بما اتهمت به فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن( ). ومن الأحكام التي عرفت في هذه الغزوة حكم العزل عن النساء حيث سأل الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم عنه فأذن به وقال: «ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة»( ). فذهب الجمهور إلى جواز العزل عن الزوجة الحرة بإذنها( ), ونزلت آية التيمم في هذه الغزوة، تنويهًا بشأن الصلاة، وتنبيهًا على عظيم شأنها، وأنه لا يحول دون أدائها فقد الماء، وهو وسيلة الطهارة التي هي أعظم شروطها، كما لا يحول الخوف وفقد الأمن من إقامتها( ).
* * *
انتهى الفصل العاشر من الكتاب وان شاء الله سنتواصل مع الفصل الحادى عشر ان اطال الله فى عمرى
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق