497
السيرة النبوية:عرض وقائع وتحليل أحداث ج 2
الفصل الثامن:غزوة بــــــــدر الكبرى
المبحث الثامن:أهم الأحداث التي وقعت بين غزوتي بدر وأحد
ثالثًا:تصفية المحرضين على الدولة الإسلامية، مقتل كعب بن الأشرف:
دروس وعبر:
إن في مقتل كعب بن الأشرف دروسًا وعبرًا وفوائد في فقه النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع خصوم الإسلام والدولة الإسلامية، فقد اتضح أن عقوبة الناقض للعهد القتل, وهذا ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم, وعقوبة المعاهد الذي يشتم الرسول صلى الله عليه وسلم ويؤذيه بهجاء أو غيره هي القتل, وهذا ما كان لابن الأشرف، ويؤخذ من هذا أن شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم سواء كان معاهدًا أو غيره تضرب عنقه عقوبة له، وقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيمية في تفصيل هذه الأحكام في كتابه القيم الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم.
* يؤخذ من طريقة تنفيذ حكم الرسول صلى الله عليه وسلم باليهودي ابن الأشرف, أن الحكم قد تقتضي المصلحة العامة للمسلمين أن ينفذ سرًّا، ويتأكد هذا إن كان يترتب على تنفيذه بغير هذه الصورة السرية فتنة أو خطر قد يكلف المسلمين ثمنًا باهظًا( ). وقد بينت هذه الصورة على أن مواجهة الكفار أعداء الإسلام ومحاربي الدولة الإسلامية لا تقتصر على مواجهتهم في ميدان المعارك، وإنما تتعدى ذلك إلى كل عمل تحصل به النكاية بالأعداء، ما لم يكن إثمًا، وقد يوفر القضاء على رجل له دوره البارز في حرب المسلمين جهودا كبيرة وخسائر فادحة يتكبدها المسلمون.
وهذا مشروط بالأمن من الفتنة، وذلك بأن يكون للمسلمين شوكة، وقوة ودولة، بحيث لا يترتب على نوعية هذا العمل فتك بالمسلمين، واجتثاث الدعاة من بلدانهم، وإفساد في مجتمعاتهم( ). وقد أخطأ بعض المسلمين في العالم الإسلامي، وتعجل الصدام المسلح واستدلوا على ما ذهبوا إليه بمثل هذه الحادثة ولا حجة لهم فيها؛ لأن ذلك كان بالمدينة وللمسلمين شوكة ودولة، أما هم فليس لهم دولة ولا شوكة، ثم كان ذلك إعزازًا للدين وإرهابًا للكافرين، وكانت كلها مصالح لا مفسدة معها، أما ما يحدث في فترات الاستضعاف من هذه الحوادث فإنها يعقبها من الشر والفساد واستباحة دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم ما لا يخفى على بصير( ).
إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم بمحاولة تصفية لأي أحد من المشركين في مكة مع القدرة على قتل زعماء الشرك كأبي جهل، وأمية بن خلف، وعتبة، ولو أشار إلى حمزة أو عمر بذلك أو غيرهما من الصحابة، لقاموا بتنفيذ ذلك، ولكن الهدي النبوي الكريم يعلمنا أن فقه قتل زعماء الكفر يحتاج إلى شوكة وقوة، كما أن هذا الفقه يحتاج إلى فتوى صحيحة من أهلها، واستيعاب فقه المصالح والمفاسد, وهذا يحتاج إلى علماء راسخين، حيث تتشابك المصالح في عصرنا، وحيث للرأي العام دوره الكبير في قرارات الدول، وحيث احتمالات توسع الأضرار( ).
* نلحظ قيمة الكلمة عند الصحابة رضي الله عنهم في موقف محمد بن مسلمة ? بعد أن أعطى كلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتعهد فيها بقتل اليهودي ابن الأشرف, ثم إبطاؤه في ذلك, أعيته الحيلة بقيام صعوبات في سبيل تحقيق ما وعد, حيث امتنع عن الطعام والشراب وأصابه الغم والحزن؛ لأنه قال قولاً يخشى أن لا يستطيع الوفاء به، ونلاحظ في مجتمعاتنا المعاصرة أن كثيرًا من الناس يعطون عهودًا ومواثيق ولا يقدرون قيمتها ويخفرون ذمتهم ويتراجعون عن عهودهم ومواثيقهم وتبقى حبرًا على ورق، فهؤلاء ليسوا أصحاب مبادئ ومواقف يبتغي بها وجه الله، بل هم أصحاب مصالح ومنافع يخشى عليهم أن يعبدوها من دون الله.
إن أصحاب الدعوات يؤثرون أن تندق أعناقهم وأن تضوى أجسامهم وتزهق أرواحهم على أن يتراجعوا عن كلماتهم وعهودهم ومواثيقهم، يستعذبون الموت والعذاب في سبيل عقائدهم وإسلامهم( ).
* في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما عليك الجهد» ( ) فيه توجيه نبوي كريم أن النصر لا يأتي إلا بعد بذل الجهد والصبر عند الابتلاء, قال تعالى: ( تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) [هود: 49]. وعلى المسلم أن يفرغ كل ما في وسعه من جهد فكري وطاقة جسمية في سبيل تحقيق ما وعد، ثم يتوكل على الله بعد ذلك في النتائج( ).
* وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «قولوا ما بدا لكم» ( ) فقه نبوي كريم، فقد قالوا كلامًا هو في الأحوال العادية كفر، ومن هنا تعرف أنه من أجل تحقيق المهام العسكرية فلا حدود، للكلام الذي يقال، ولكن تأتي هنا مسألة أخرى وهي ما إذا كان النجاح في المهام العسكرية يقتضي أفعالا لا تجوز أو يقتضي ترك فرائض, فما العمل؟ المعروف أنه ليس هناك من الذنوب أعظم من الكفر والشرك، فإذا جاز التظاهر بالكفر لذلك فمن باب أولى جواز غيره، على أن يتأكد طريقًا للوصول إلى الهدف أو يغلب الظن على ذلك، وعلى أن يقتصر فيه على الحد الذي لا بد منه، سواء كانت الوسيلة تأخير فريضة أو ارتكاب محظور، على أن هذا وهذا مقيدان بالفتوى, فهناك محظورات لا يصح فعلها بحال كالزنا واللواط( ).
* هناك بعض القضايا تحتاج لأهل الفتوى المؤهلين لأن يفتوا فيها، خصوصًا في الظروف الاستثنائية والحالات الاضطرارية, وفي المحاكمات السياسية والعسكرية لأنها تحتاج إلى الموازنات والفتاوى الاستثنائية التي لا يستطيعها كل إنسان، فالأحكام الأصلية ليست مجهولة، وإنما الأحكام الاستثنائية التي تقتضيها الظروف الاستثنائية تحتاج إلى علماء ربانيين، وفقهاء راسخين لهم القدرة على فهم مقاصد الشريعة، وواقعهم الذي يعيشون فيه( ).
* وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «قولوا ما بدا لكم» فقه عظيم يوضحه قوله صلى الله عليه وسلم: «الحرب خدعة»( ).
* قوله صلى الله عليه وسلم: «انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم»( ) كان لهذا التذكير بالإخلاص في الجهاد، انطلقوا على اسم الله والدعاء لهم بالتوفيق والعون, كل ذلك كان حافزًا على الثبات ورافعًا للمعنويات, فلم يعبأوا بقوة ابن الأشرف ومن حوله من الناس؛ لأنهم استشعروا معية الله لهم ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ربه بإعانتهم وتحقيق مسعاهم، ونلحظ في الهدي النبوي الأخذ بكل الأسباب المادية، والتخطيط السديد، ولا ينسى جانب الدعاء النبوي الكريم، فإنهم لم يغفلوا الأسباب الموصلة بهم إلى نجاح مقصودهم؛ لأن المسلم مأمور بالجمع بين التوكل على الله تعالى والأخذ بالأسباب التي شرعها الله سبحانه( ). ولذلك كانت خطة محمد بن مسلمة مع إخوانه محكمة وأتقنوا فقه سنة الأخذ بالأسباب، فقد كانت الأسباب التي ساعدت على نجاح الخطة كالتالي:
- أن أبا نائلة كان أخاه من الرضاعة وهو يطمئن إليه ولا يتوجس منه خيفة.
- وفي بعض الروايات طمأن أبو نائلة كعب بن الأشرف، وأدخل الأنس إلى قلبه بمناشدته في الشعر قبل أن يحدثه عن حاجته.
- ولم يحدثه عن حاجته إلى كعب حتى أخرج كعب الذي عنده كان من سبل التوفيق، ولو بقي أولئك النفر لربما قد كشفوا حقيقة الأمر، وحذروا كعبًا من عاقبته، فحديثهم معه على انفراد كان في غاية التوفيق.
- تظاهرهم بالنيل والتبرم والتظلم من الرسول صلى الله عليه وسلم طمأن كعب بن الأشرف.
- فكرة رهن السلاح كانت في غاية التوفيق حتى يكون اصطحابهم للسلاح غير مريب، ولا يبعث على الريبة ذلك, لأنهم أحضروا ما سيرهنونه إلى كعب، وفي نفس الوقت يستطيعون أن يستخدموا هذا السلاح في أي وقت التقوا به.
- أخذ الموعد من كعب بن الأشرف كان إحكامًا في الخطة بحيث يتسنى لهم في أي وقت من الليل أن يأتوه ويطرقوا عليه الباب دون أن يشك فيهم وفي نيتهم.
- اطمئنان ابن الأشرف إلى أبي نائلة ومحمد بن مسلمة جعله يخرج في وقت لا يخرج فيه الإنسان من بيته عادة تحسبًا لقتال عدو على حين غرة وغفلة( ).
- إن خطة إبعاد ابن الأشرف عن بيته إلى مكان يخلو به دون رقيب أو نصير
كانت موفقة.
- استدراج أبي نائلة لابن الأشرف وشمه طيب رأسه وإمساكه بشعره ليشمه كان موفقـًا وتقدمة ليمسك بهذا الرأس الخبيث ويتمكن منه لتكون الفرصة سانحة لتنفيذ حكم الله في هذا اليهودي اللعين( ).
- وتظهر قدرة الصحابة الفائقة على الحفاظ على السرية، وذلك من كتمان هذه الخطة مع كثرة من في المدينة من اليهود والمنافقين, ومع تأخر تنفيذها, وكون النبي صلى الله عليه وسلم عرض هذا الأمر في مشهد من الصحابة وجرت فيه مشورة، وهذا دليل على قوة إيمان هؤلاء الصحابة وإخلاصهم لدينهم( ).
وقام هؤلاء المغاوير بتنفيذ أدوار الخطة المحكمة التي اتفقوا عليها وأدركوا مقصودهم الأسمى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم بإحساسه الكبير ومشاعره الفياضة، فقد كانوا يقومون بتنفيذ العملية بعقولهم وأجسامهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتولى قيادتهم العليا بالاتصال بالله تعالى ودعائه لهم بالنصر والإعانة( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق