إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 28 مارس 2014

660 السيرة النبوية:عرض وقائع وتحليل أحداث ج 2 الفصل الثالث عشر: الفتح المبين (صلح الحديبية) المبحث الثاني :صلح الحديبية وما ترتب عليه من أحداث خامسًا: العودة إلى المدينة ونزول سورة الفتح:


660

السيرة النبوية:عرض وقائع وتحليل أحداث ج 2

الفصل الثالث عشر: الفتح المبين (صلح الحديبية)

المبحث الثاني :صلح الحديبية وما ترتب عليه من أحداث

خامسًا: العودة إلى المدينة ونزول سورة الفتح:


ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية قاصدًا المدينة حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح قال تعالى: ( سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) [الفتح: 11].
وقد عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عظيم فرحته بنزولها وقال: أنزلت عليَّ الليلة سورة لهي أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس( ) ثم قرأ: ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ) [الفتح: 1]، فقال أصحاب رسول الله: هنيئًا مريئًا, فما لنا؟ فأنزل الله: ( لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) [الفتح: 5] ( ).
وقد أسرع الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف على راحلته بكراع الغميم فقرأ عليهم ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ). فقال رجل: يا رسول الله, أفتح هو؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده إنه لفتح( ), فانقلبت كآبة المسلمين وحزنهم إلى فرح غامر، وأدركوا أنهم لا يمكن أن يحيطوا بالأسباب والنتائج، وأن التسليم لأمر الله ورسوله فيه كل الخير لهم ولدعوة الإسلام( ).
كان حديث القرآن الكريم عن هذا الحدث العظيم في سورة الفتح، وكان القرآن الكريم له منهجه الخاص في عرضه لغزوة الحديبية, فنجد في حديثه عن هذه الغزوة أنه سمى الصلح الذي وقع بين الفريقين مع عدم وقوع القتال فتحًا مبينًا.
إننا بالتأمل في أسباب النزول نجد أن سورة الفتح نزلت بعد انتهاء النبي صلى الله عليه وسلم من الصلح وهو عائد إلى المدينة النبوية، وبعد أن خاض النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون تلك التجارب العظيمة من الأمل في العمرة، إلى مواجهة المشركين، إلى بيعة الرضوان, إلى الصلح الذي لم يكن بعض الصحابة راضين عنه ودارت في أنفسهم أشياء كثيرة حول هذه الأحداث الجسام.
ينزل القرآن الكريم ويبين للمسلمين بأن هذا الصلح هو فتح مبين، ويؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على صواب في قبول الصلح، بل لتزداد ثقة المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم حين يبشره الله على الملأ من الدنيا بأن الله تعالى فتح بالصلح ليغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كرامة منه سبحانه لرسوله؛ ليزداد المسلمون ثقة واطمئنانًا بأنهم على الصواب، وأن ما فعلوه هو الحق ومآله السعادة، ثم بين سبحانه أن توفيق الله كان مع المؤمنين فهو الذي وفقهم للصبر مع رسوله, وموافقتهم أخيرًا على ما جنح له من أمر الصلح، وأن ذلك كان بسبب إنزال السكينة على قلوبهم حتى على قلوب من أنكر بعض شروط الصلح، واستسلم للأمر على مضض, فلم يحصل رفض لهذا الصلح بل كلهم نزلوا على أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بفضل السكينة التي أنزلها عليهم, قال تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) [الفتح: 4].
فالقرآن الكريم يبين أن الله هو الذي أنزل السكينة عليهم ليتذكروا فضله، ويداوموا على شكره، وهذا الإعلام بإنزال السكينة مما يتميز به حديث القرآن الكريم عن هذه الغزوة، إذ السكينة أمر معنوي لا يعلم نزوله إلا الله، وأشار القرآن الكريم إلى بيعة الرضوان وهي مبايعة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم على الموت, فأثنى الله سبحانه وتعالى على هذه البيعة، وكتب لها الخلود في القرآن، وقرر أنها مبايعة لله عز وجل, فقال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) [الفتح: 10].
وبهذا نرى ما يتميز به القرآن الكريم في حديثه عن الغزوات فهو يبين الحقائق ويصحح العقائد، ويربي النفوس، ويفضح المنافقين، ويبشر المسلمين بغنائم قريبة تحققت في خيبر، وبين أصحاب الأعذار, فليس كل من تخلف عن الجهاد يعاتب وإنما هناك استثناء، وهذا من كمال رحمته الإلهية، ثم لما تم صلح الحديبية وعاد المسلمون إلى المدينة ولم يتحقق ما قصدوه من دخول مكة أشار سبحانه وتعالى إلى الرؤيا التي سبقت أن رآها النبي صلى الله عليه وسلم وبشر بها أصحابه وبين أنها رؤيا صدق، وأنها ستتحقق, قال تعالى: ( لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ) [الفتح: 27].
ثم اختتمت السورة الجليلة بصفات مدح للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الكرام.
قال تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا ? مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) [الفتح: 28، 29].
لقد أيقن الصحابة الكرام أن الدعوة قد دخلت في طور جديد وفتح أكيد، وآفاق أوسع، وامتداد أرحب، وأن من طبيعة هذا الدين أن ينمو ويعيش في أجواء السلم والأمن أكثر منه وقت الحرب, ولمسوا مع الأيام نتائج صلح الحديبية التي كان من أهمها:

1- اعترفت قريش في هذه المعاهدة بكيان الدولة المسلمة، فالمعاهدة دائمًا لا تكون إلا بين ندين، وكان لهذا الاعتراف أثره في نفوس القبائل المتأثرة بموقف قريش الجحودي، حيث كانوا يرون أنها الإمام والقدوة.
2- دخلت المهابة في قلوب المشركين والمنافقين، وتيقن الكثير منهم بغلبة الإسلام، وقد تجلت بعض مظاهر ذلك في مبادرة كثير من صناديد قريش إلى الإسلام, مثل: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، كما تجلت في مسارعة الأعراب المجاورين للمدينة إلى الاعتذار عن تخلفهم.
3- أعطت الهدنة فرصة لنشر الإسلام وتعريف الناس به؛ مما أدى إلى دخول كثير من القبائل فيه، يقول الإمام الزهري: (فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب وأمن الناس بعضهم بعضًا, والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة, فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر)( ).
وعقب عليه ابن هشام بقوله: والدليل على قول الزهري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف( ).
4- أمن المسلمون جانب قريش فحولوا ثقلهم على اليهود, ومن كان يناوئهم من القبائل الأخرى، فكانت غزوة خيبر بعد صلح الحديبية.
5- مفاوضات الصلح جعلت حلفاء قريش يفقهون موقف المسلمين ويميلون إليه، فهذا الحلس بن علقمة عندما رأى المسلمين يلبون رجع إلى أصحابه, قال: لقد رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت.
6- مكن صلح الحديبية النبي صلى الله عليه وسلم من تجهيز غزوة مؤتة, فكانت خطوة جديدة لنقل الدعوة الإسلامية بأسلوب آخر خارج الجزيرة العربية.
7- ساعد صلح الحديبية النبي صلى الله عليه وسلم على إرسال رسائل إلى ملوك الفرس والروم والقبط يدعوهم إلى الإسلام.
8- كان صلح الحديبية سببًا ومقدمة لفتح مكة: يقول ابن القيم: كانت الهدنة مقدمة بين يدي الفتح الأعظم، الذي أعز الله به رسوله وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، فكانت هذه الهدنة بابًا له ومفتاحًا ومؤذنًا بين يديه، وهذه عادة الله في الأمور العظام التي يقضيها قدرًا وشرعًا أن يوطئ لها بين يديها بمقدمات وتوطئات تؤذن لها وتدل عليها( ).


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق