648
السيرة النبوية:عرض وقائع وتحليل أحداث ج 2
الفصل الثالث عشر: الفتح المبين (صلح الحديبية)
المبحث الأول: تاريخه وأسبابه ومخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة
رابعًا: ما خلأت القصواء, وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل:
وعندما اقترب الرسول صلى الله عليه وسلم من الحديبية، بركت ناقته القصواء، فقال الصحابة رضي الله عنهم: خلأت القصواء( ), فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل»، ثم قال: «والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها»( ) ثم زجرها فوثبت ثم عدل عن دخول مكة، وسار حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد –بئر- قليل الماء، ما لبثوا أن نزحوه ثم اشتكوا إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيها، فجاش لهم بالري فارتووا جميعا( )، وفي رواية أنه جلس على شفة البئر فدعا بماء فمضمض ومج في البئر( ). ويمكن الجمع بأن يكون الأمران معا وقعا، كما ذكر ابن حجر( ), ويؤيده ما ذكره الواقدي( ), وعروة( ) من أن الرسول صلى الله عليه وسلم تمضمض في دلو وصبه في البئر، ونزع سهمًا من كنانته فألقاه فيها ودعا ففارت( ).
وفي بروك ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسمه بعد ذلك دروس وعبرمنها:
1- كل شيء في هذا الكون يسير بأمر الله ومشيئته، ولا يخرج في سيره عن مشيئته وإرادته, فتأمل في ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أين بركت، وكيف كره الصحابة بروكها وحاولوا إنهاضها لتستمر في سيرها فيستمروا في سيرهم إلى البيت العتيق مهما كانت النتائج، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد غير ذلك( ).
2- وقد استنبط ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- فائدة جليلة من قوله صلى الله عليه وسلم: «حبسها حابس الفيل»( ) فقال: وفي هذه القصة جواز التشبيه من الجهة العامة وإن اختلفت الجهة الخاصة؛ لأن أصحاب الفيل كانوا على باطل محض، وأصحاب هذه الناقة كانوا على حق محض، لكن جاء التشبيه من جهة إرادة الله منع الحرم مطلقًا, أما من أهل الباطل فواضح، وأما من أهل الحق فللمعنى الذي تقدم ذكره( ).
3- ومن الفوائد أن المشركين وأهل البدع والفجور، والبغاة والظلمة إذا طلبوا أمرًا يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى، أجيبوا إليه وأعطوه، وأعينوا عليه، وإن منعوا غيره، فيعانون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم وبغيهم، ويمنعون مما سوى ذلك, فكل من التمس المعاونة على محبوبٍ لله تعالى مُرْضٍ له، أجيب إلى ذلك كائنًا من كان، ما لا يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضيع وأصعبها، وأشقها على النفوس( ).
4- إن الله سبحانه وتعالى، جلت قدرته، وعزت عظمته, قضى ألا يكون قتال بين المسلمين والمشركين من أهل مكة في هذه الغزوة بالذات؛ لحكم ظهرت فيما بعد منها:
أ- دخول المسلمين بالقوة يعني أن تحدث مذابح، وتزهق أرواح كثيرة، وتسفك دماء غزيرة من الطرفين، وهذا أمر لم يرده الباري سبحانه، وكان لمصلحة الفريقين المؤمنين والمشركين.
ب- إن من المحتمل أن ينال الأذى والقتل والتشريد على أيدي المؤمنين بعض المستضعفين من إخوانهم من المسلمين في مكة، وهذا فيه ما فيه من المعرة التي لا يليق بمسلم أن يقع فيها، قال سبحانه: ( هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) [الفتح: 25].
ج- لقد سبق في علم الله عز وجل أن هؤلاء الذين يقفون اليوم صادين رسول
الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم عن المسجد الحرام، هم الذين سيفتح قلوبهم إلى الإسلام, ويستفتح الله على أيديهم بلادًا كثيرة، حين يحملون هذه الرسالة للناس، وينيرون ظلمة الطريق للمدلجين( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق