إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 28 مارس 2014

639 السيرة النبوية:عرض وقائع وتحليل أحداث ج 2 الفصل الثاني عشر: ما بين غزوة الأحزاب والحديبية من أحداث مهمة المبحث الثاني :الآن نغـــــــزوهم ولا يغزوننا( ) ثانيًا: سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر:


639

السيرة النبوية:عرض وقائع وتحليل أحداث ج 2

الفصل الثاني عشر: ما بين غزوة الأحزاب والحديبية من أحداث مهمة

المبحث الثاني :الآن نغـــــــزوهم ولا يغزوننا( )

ثانيًا: سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر:

تعتبر سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر، استمرارًا لسياسية النبي صلى الله عليه وسلم العسكرية لإضعاف قريش ومحاصرتهم اقتصاديًّا على المدى الطويل، فقد بعث صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة راكب قبل الساحل, ليرصدوا عيرًا لقريش، وعندما كانوا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمع, فكان قدر مزود تمر، يقوتهم منه كل يوم قليلاً قليلاً، حتى كان أخيرًا نصيب الواحد منهم تمرة واحدة، وقد أدرك الجنود صعوبة الموقف فتقبلوا هذا الإجراء بصدور رحبة دون تذمر أو ضجر، بل إنهم ساهموا في خطة قائدهم التقشفية, فصاروا يحاولون الإبقاء على التمرة أكبر وقت ممكن( ). يقول جابر ? أحد أفراد
هذه السرية: (كنا نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل)( ) وقد سأل وهب بن كيسان جابرًا ?: ما تغني عنكم تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت( ).
وقد اضطر ذلك الجيش إلى أكل ورق الشجر، قال جابر ?: وكنا نضرب بعصينا الخبط( ), ثم نبله بالماء فنأكله( ) (فسمى ذلك الجيش جيش الخبط)( )، وقد أثر هذا الموقف في قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما أحد جنود هذه السرية الشجاعة, وهو رجل من أهل بيت اشتهر بالكرم، فنحر للجيش ثلاث جزائر( ), ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه( ).
فبينما هم كذلك من الجوع والجهد الشديدين إذ زفر البحر زفرة أخرج الله فيها حوتًا ضخمًا، فألقاه على الشاطئ، ويصف لنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مقدار ضخامة هذا الحوت العجيب فيقول: وانطلقنا على ساحل البحر، فرُفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم( ), فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر( )، قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليها شهرًا، ونحن ثلاثمائة حتى سمَّنا، قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب( ) عينيه بالقلال( ) الدهن، ونقتطع منه الفدر( ) كالثور، أو قدر الثور، فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها( ), وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم( ) فقال: «ما حبسكم؟» قلنا: كنا نتبع عيرات قريش، وذكرنا له من أمر الدابة( )، فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا» قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله( ). كانت هذه السرية على الأرجح قبل صلح الحديبية، وليس في رجب سنة ثمانٍ كما ذكر ابن سعد( ), وذلك لسببين: السبب الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يغز ولم يبعث سرية في الشهر الحرام، والثاني: أن رجب سنة ثمان هو ضمن فترة سريان صلح الحديبية( ).
وذكر ابن سعد والواقدي( ) أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثهم إلى حي من جهينة، وقال ابن حجر( ): إن هذا لا يغاير ظاهره ما في الصحيح؛ لأنه يمكن الجمع بين كونهم يتلقون عيرًا لقريش ويقصدون حيًا من جهينة، ويحتمل أن يكون تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم من جهينة، ويقوي هذا الجمع ما عند مسلم( ) أن البعث كان إلى أرض جهينة( ).
وفي هذه القصة دروس وعبر منها:
1- حكمة أبي عبيدة ? حيث جمع الأزواد، وسوى بين المجاهدين في التوزيع ليستطيع تجاوز الأزمة بهم، وذلك درس تعلمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم عمليًا أكثر من مرة.
2- كرم قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما، في وقت عصيب، ليس بيده يومها ما يخفف عن الناس، ففي رواية الواقدي: «أن قيس بن سعد ? استدان هذه النوق من رجل جهني، وأن أبا عبيدة ? نهاه قائلاً: تريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك( ), فأراد أبو عبيدة الرفق به( ).
وقد بدأ سعد ينحر وينحر حتى نهاه أبو عبيدة, فقال له سعد: يا أبا عبيدة أترى أن أبا ثابت يقضي ديون الناس، ويحمل الكل، ويطعم في المجاعة، لا يقضي عني تمرًا لقوم مجاهدين في سبيل الله( )، وقال ذلك قيس لأبي عبيدة؛ لأنه قد اتفق مع رجل من جهينة على أن يشتري منه نوقًا ينحرها للجيش على أن يعطيه بدل ذلك تمرًا بالمدينة وقد وافق الجهني على تلك الصفقة.
وعندما علم سعد بن عبادة بنهي أبي عبيدة لقيس بحجة أنه لا مال له، وإنما المال لأبيه، وهب ابنه أربع حوائط أدناها يُجذ منه خمسون وسقًا( ).
3- الحلال والحرام: إن المسلمين في هذه السرية بلغ بهم الجوع غايته، فكانت التمرة الواحدة طعام الرجل طوال يوم كامل في سفر ومشقة، ويمرون وهم على تلك الحال من فقد التمر وأكل الخبط على الجهني الذي اشترى منه قيس أو على قومه، فما يخطر بفكرهم أن يغيروا عليهم لينتزعوا منهم طعامهم، كما كانت الحال في الجاهلية؛ لأنهم اليوم ينطلقون بدين الله الذي جاء ليحفظ على الناس أموالهم في جملة ما حفظ وهم اليوم يفرقون بين الحلال والحرام الذي تعلموه من منهج رب العالمين( ).
4- جواز أكل ميتة البحر: وتدل القصة على جواز أكل ميتة البحر، وأنها لم تدخل في قوله عز وجل: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) [المائدة: 3], وقد قال تعالى: ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ) [المائدة: 96]، وقد صح عن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس وجماعة من الصحابة (أن صيد البحر ما صيد منه، وطعامه ما مات فيه) وفي السنن عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا: (أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال) حديث حسن. كما أن في أكل الرسول صلى الله عليه وسلم من لحم الحوت الذي تغذى منه المسلمون مدة دليل على مشروعية أكل ميتة البحر( ).
5- بعض الأحكام التي ذكرها الإمام النووي: قال النووي: في هذا الحديث جواز صد أهل الحرب واغتيالهم والخروج لأخذ مالهم واغتنامه، وأن الجيوش لا بد لها من أمير يضبطها، وينقادون لأمره ونهيه، وأنه ينبغي أن يكون الأمير أفضلهم، أو من أفضلهم، قالوا: ويستحب للرفقة من الناس وإن قلوا أن يؤمروا بعضهم عليهم، وينقادوا له، قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستحب للرفقة من المسافرين خلط أزوادهم ليكون أبرك، وأحسن في العشرة، وألا يختص بعضهم بأكل دون بعض، والله أعلم( ).


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق