613
السيرة النبوية:عرض وقائع وتحليل أحداث ج 2
الفصل الحادي عشر:غـــــــزوة الأحـــــــزاب 5هـ
المبحث الثالث :مجيء نصر الله والوصف القرآني لغزوة الأحزاب
ثانيًا: تحري انصراف الأحزاب:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتابع أمر الأحزاب, وأحب أن يتحرى عما حدث عن قرب فقال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم, جعله الله معي يوم القيامة ( ). فاستعمل صلى الله عليه وسلم أسلوب الترغيب، وكرره ثلاث مرات، وعندما لم يُجْدِ هذا الأسلوب لجأ إلى أسلوب الجزم والحزم في الأمر، فعين واحدًا بنفسه فقال: «قم يا حذيفة فائتنا بخبر القوم، ولا تذعرهم عليَّ» ( ).
وفي هذا معنى تربوي وهو أن القيادة الناجحة هي التي توجه جنودها إلى أهدافها عن طريق الترغيب والتشجيع، ولا تلجأ إلى الأمر والحزم إلا عند الضرورة.
قال حذيفة ?: فمضيت كأنما أمشي في حمام, فإذا أبو سفيان يصلى ظهره بالنار, فوضعت سهمًا في كبد القوس، وأردت أن أرميه ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تذعرهم عليَّ, ولو رميته لأصبته فرجعت كأنما أمشي في حمام، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصابني البرد حين رجعت وقررت، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وألبسني فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أبرح نائمًا حتى الصبح فلما أن أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قم يا نومان»( ).
ويؤخذ من قصة حذيفة دروس وعبر منها:
1- معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعادن الرجال، حيث اختار حذيفة ليقوم بمهمة التجسس على الأحزاب، وأن معدن حذيفة معدن ثمين فهو شجاع، ولا يقوم بهذه الأعمال إلا من كان ذا شجاعة نادرة, وهو بالإضافة إلى ذلك لبق ذكي خفيف الحركة، سريع التخلص من المآزق الحرجة.
2- الانضباط العسكري الذي يتحلى به حذيفة: لقد مرت فرصة سانحة يقتل فيها قائد الأحزاب وهمَّ بذلك، ولكنه ذكر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يذعرهم، وأن مهمته الإتيان بخبرهم، فنزع سهمه من قوسه( ).
3- كرامات الأولياء: إن ما حدث لحذيفة بن اليمان عندما سار لمعرفة خبر الأحزاب في جو بارد ماطر شديد الريح، وإذا به لا يشعر بهذا الجو البارد، ويمشي وكأنما يمشي في حمام، وتلازمه هذه الحالة مدة بقائه بين الأحزاب وحتى عاد إلى معسكر المسلمين؛ لا شك هذه كرامة يمنُّ الله بها على عباده المؤمنين( ).
4- لطف النبي صلى الله عليه وسلم مع حذيفة عند رجوعه, فقد كان صلى الله عليه وسلم يترفق بأصحابه، ولم تمنعه صلاة الليل وحلاوة المناجاة من التلطف بحذيفة الذي جاء بأحسن الأنباء وأصدق الأخبار وأهمها، فشمله بكسائه الذي يصلي فيه، ليدفئه، وتركه ملفوفًا به حتى أتم صلاته، بل حتى بعد أن أفضى إليه بالمهمة، فلما وجبت المكتوبة أيقظه بلطف وخفة ودعابة قائلا: «قم يا نومان»، دعابة تقطر حلاوة, وتفيض بالحنان، وتسيل رقة، إنها صورة نموذجية للرأفة والرحمة اللتين تحلى بهما فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم, وتطبيق فريد رفيع لهما في أصحابه الكرام( )، وصدق الله العظيم في قوله: ( بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) [التوبة: 128].
5- وتستوقفنا سرعة البديهة لدى الصحابي الكريم، وقد دخل في القوم، كما في رواية الزرقاني، وقال أبو سفيان: ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه، قال حذيفة: فضربت بيدي على يد الذي على يميني فقلت: من أنت؟ قال: معاوية بن أبي سفيان، ثم ضربت بيدي على يد الذي عن شمالي، فقلت: من أنت؟ قال: عمرو بن العاص( ). وهكذا بدرهم بالمسألة حتى لا يتيح لهم فرصة ليسألوه، وبهذا تخلص من هذا المأزق الحرج الذي ربما كان أودى بحياته( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق