458
السيرة النبوية:عرض وقائع وتحليل أحداث ج 2
الفصل الثامن:غزوة بــــــــدر الكبرى
المبحث الخامس:الخلاف في الأنفال والأسرى
يقول الأستاذ محمد الأمين المصري:
لم تذكر الآيات شيئًا من أعمال المؤمنين في بدر، ولكن ذكرت عتابًا أليمًا موجعًا يحمل المؤمنين على الرجوع إلى أنفسهم والاستحياء من ربهم، وهناك نقاط أرسلت الآيات النقاط عليها وبينت نواحي الضعف فيها بيانًا جليًا قويًّا، بتصوير ما في النفوس وصفًا دقيقًا رائعًا تشاهد العين فيه الحركات والخلجات، وكل ذلك من شأنه أن ينبه ضمير المؤمن ليلمس المسافة بينه وبين درجات الإيمان التي يهفو قلبه للوصول إليها. ولقد كانت الآيات من تربية الحكيم العليم, ويشعر الذوق السليم هاهنا روعة الأسلوب في عرض العتاب بغير عتاب، ولكنه تصوير ما في النفوس تصويرًا يوقن معه العادي من الناس، أنه ما كان لمؤمن صحيح الإيمان أن يتصف بها؛ ولذلك اقترنت الآيات بتقديم خصائص الإيمان العالية وميزاته الرفيعة التي تصور الفجوة البعيدة بين المؤمن وبين أي إسفاف: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ? الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ? أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) [الأنفال: 2-4]. ما ذكرت الآيات عتابًا، ولكنها ذكرت واقعًا وكان ذكر الواقع أبلغ من كل عتاب.
لقد استجاب الصحابة الكرام لهذا التوجيه الرباني ونزلت الآيات تبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يتصرف في الأنفال.
بعد أن أصحبت الغنائم لله ورسوله بيَّن المولى عز وجل كيف توزع هذه الغنائم, قال تعالى: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [الأنفال: 41].
وهذا بعد ما طهرت قلوبهم من الأخلاط، وأخلصت إلى علام الغيوب في الطاعة، وتمثلت الآيات، فتحققت بمعنى العبودية الخالصة لله, وهذا الحكم صريح في أن أربعة أخماس ما غنموه مقسوم بينهم، والخمس لله ورسوله، وهذا الخمس نفسه مردود فيهم أيضا، وموزع على الجهات المذكورة كما ثبت بالسنة.
إن التوجيه التربوي، في إرجاء إنزال جواب السؤال عن الغنائم، يشير إلى أن الأحكام الشرعية ينبغي أن يهيأ لها الجو النفسي الروحي المناسب، لتحتل مكانها اللائق في العقل والضمير، فتثبت وتتمكن، وتؤتي أطيب النتائج، إذ يتجلى فيها أكمل الحلول، وهكذا صرف المولى -جل شأنه- عبادة المسلمين عن التعلق بالغير، أولا، وبالغنائم ثانيا، ليكونوا له من المخلصين الجديرين بنصره، وإتمام نعمته، فلما تفرغوا للخالق وأخلصوا في الجهاد، أكرمهم بالنصر من لدنه، وأسبغ عليهم من فضله بأكثر مما كانوا يودون( ), فعن عبد الله بن عمرو قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر رجلاً من أصحابه فلما انتهى إليها قال: «اللهم إنهم جياع فأشبعهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم» ففتح الله له يوم بدر، فانقلبوا حين انقلبوا وما منهم رجل إلا وقد رجع بحمل أو حملين، واكتسوا وشبعوا)( ).
ومن عدل النبي صلى الله عليه وسلم في تقسيم الغنائم إعطاؤه من هذه الغنيمة من تخلف بأمر رسول الله لمهام أوكلها إليهم, فضرب لهم بسهمهم من الغنيمة وبأجرهم فكانوا كمن حضرها( ). فكان صلى الله عليه وسلم يراعي ظروف الجنود التي تمنعهم من المشاركة في القتال، لأن الله تعالى لم يكلف عباده شيئًا فوق طاقتهم, قال تعالى: ( لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا )[البقرة: 286].
ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكلف المسلمين فوق طاقتهم سواء كان ذلك في السلم أو الحرب، وفي غزوة بدر أعفى النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة؛ لأن ظروفهم الأسرية تتطلب منهم القيام عليها ورعايتها، فقد أعفى عثمان بن عفان ? من الخروج يوم بدر؛ لأن زوجته رقية كانت مريضة وبحاجة إلى من يرعى شؤونها، روى البخاري في صحيحه أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبر عن سبب تغيب عثمان ? في غزوة بدر فقال ?: (... وأما تغيبه عن بدر, فإنه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه...»( ).
وأمر صلى الله عليه وسلم أبا أمامة بالبقاء عند أمه حيث كانت مريضة وهي بحاجة إليه، فعن أبي أمامة بن ثعلبة ? أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرهم بالخروج إلى بدر وأجمع الخروج معه, فقال له خاله أبو بردة بن نيار: أقم على أمك، يا ابن أختي. فقال له أبو أمامة: بل أنت فأقم على أختك، فذكرا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمر أبا أمامة بالمقام على أمه وخرج بأبي بردة، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقد توفيت فصلى عليها( ). إن هذه الأخلاق الرفيعة ومراعاة شعور الجنود وأحوالهم العائلية تولد قوة ترابط بين القيادة والجنود، وتدخل تحت مفهوم فقه التمكين، وقد مارسه الرسول صلى الله عليه وسلم في أعلى صوره.
ومن الصحابة الذين كانت لهم مهمات خاصة أو أصيبوا أثناء الطريق فردهم الرسول صلى الله عليه وسلم:
1- أبو لبابة: استخلفه على المدينة.
2- عاصم بن عدي: أرسله صلى الله عليه وسلم في مهمة لأهل العالية في المدينة.
3- الحارث بن حاطب: أرسله صلى الله عليه وسلم في مهمة إلى بني عمرو بن عوف.
4- الحارث بن الصمة: وقع أثناء الطريق فكسر فرُد.
5- خوَّات بن جبير: أصابه في الطريق حجر في ساقه فرده من الصفراء( ).
وكذلك أعطى لورثة الشهداء وذويهم نصيبهم من الغنائم؛ وبذلك كان للإسلام السبق في تكريم الشهداء ورعاية أبنائهم وأسرهم من قرابة أربعة عشر قرنًا( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق