296
الدولة الأموية
عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار
الفصل التاسع
عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز:
المبحث الخامس : حياته الاجتماعية والعلمية والدعوية:
رابعاً : منهج التابعين في تفسير القرآن الكريم:
سلك التابعون منهاجاً واضحاً في تفسير القرآن الكريم، فكانوا يفسرون القرآن بالقرآن، والقرآن بالسنة، والقرآن بأقوال الصحابة، واللغة العربية، والاجتهاد وقوة الاستنباط
1 ـ تفسير القرآن بالقرآن:
تعددت طرق التابعين في تفسير القرآن بالقرآن ومن هذه الطرق:
أ ـ نظائر القرآن الكريم: كتفسير الآية بآية أخرى تحمل الموضوع نفسه وإن اختلف اللفظ وقد أكثر التابعون من ذلك ومن ذلك ما ورد عن مجاهد في تفسير الكلمات في قوله تعالى: ((فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ)) (البقرة، الآية:37). قال: قوله((قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا)) (الأعراف، الآية23). حتى فرغ منها . وجاء عن عكرمة، والحسن في تفسير قوله تعالى: ((وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا)) (الإسراء، الآية:110). قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى يجهر بصلاته، فآذى ذلك المشركين بمكة حتى أخفى صلاته هو وأصحابه، فلذلك قال: ((وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا)). وقال في الأعراف: ((وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ)) (الأعراف، الآية:205). وفي تفسير قوله تعالى: ((قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ))(البقرة، الآية:94) .قال قتادة: وذلك أنهم قالوا: ((لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى)) (البقرة، الآية:111). وقالوا: ((نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)) (المائدة، الآية:18). فقيل لهم((فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) (البقرة ، الآية : 94).
ب ـ الأشباه: والمراد بالأشباه تفسير الآية بما يشبهها من الآيات كتفسير الآية بالآيات التي تحمل بعض معناها مع تقارب اللفظ ، فمن ذلك ما ورد عن مجاهد في تفسير النفس بالغير، فإنه قال في تفسير قوله تعالى: ((لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا)) (النور، الآية:12). قال لهم خيراً، ألا ترى أنه يقول((وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)) (النساء، الآية:29). يقول: بعضكم بعضا و((فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ)) (النور، الآية:61). قال يسلم بعضكم على بعض . ففسر مجاهد هنا النفس بالغير واستدل بورود ذلك في آيات متشابهة في القرآن تدل على هذا الجزء من المعنى .
ج ـ الدلالة على التفسير بالسياق: وفي هذا النوع يلحظ المفسّر منهم سياق الآية فيربطها بما قبلها، أو بما بعدها سواء كان ذلك في الآية نفسها، أو في مجموعة من الآيات ، مثل تفسير قوله تعالى: ((وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ)) (الأنعام ، الآية : 83). قال مجاهد في تفسيرها: هي ((الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ )) (الأنعام ، الآية : 82).
ح ـ بيان المجمل: وفي هذا الطريق يقوم المفسر بالنظر في آيات القرآن التي فيها إجمال، وينظر في الآيات الأخرى التي يمكن أن تكون بياناً لهذا الإجمال، كحمل المجمل على المبين ومن ذلك ما ورد عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ((خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا)) (نوح ، الآية : 14): قال : من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم ما ذكر حتى يتم خلقه . فأشار بقوله إلى الآيات التي فيها ذكر ذلك مثل قوله تعالى: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)) (المؤمنون ، الآيات 12 ، 14).
خ ـ تفسير العام بالخاص: وفي هذا يعمد المفسر منهم إلى آية ظاهرها العموم فيحملها على معنى آخر ذكرت فرداً من أفراد العموم ، كقوله تعالى : ((مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)) (النساء ، الآية : 123). قال الحسن البصري: الكافر ثم قرأ: ((وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ)) قال: من الكفار . وفي رواية عنه قال: (وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ)) يعني الكفار، لا يعني بذلك أهل الصلاة . فالآية الأولى جاء فيها العموم في لفظة ((من)) ليعم المؤمن والكافر، فجاء الحسن فبين أنها خاصة بالكافر مستدلاً بأسلوب الحصر في الآية الثانية . وأصرح من ذلك ما جاء عنه في تفسير الآية نفسها أنه قال: ((مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)) (النساء ، الآية : 123) إنما ذلك لمن أراد الله هوانه، فأما من أراد كرامته، فإنه من أهل الجنة ((وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ)) (الأحقاف ، الآية : 16 ).
ر ـ التفسير باللازم: المراد بالتفسير باللازم أن المفسر لا يذكر صراحة تفسيراً للآية التي هو بصددها، بل يذكر شيئاً من لوازم ذلك، ويربطه بآية أخرى، فمن ذلك ما جاء عن سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى: ((إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)) (البقرة ، الآية 156)، فقد قال: لو أعطيها أحد لأعطيها يعقوب، ألم تسمع: ((يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ )) (يوسف ، الآية : 84). أنه لم يكن يعرف ((إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ))، وإلا لقالها، بدلاً من تأسفه على ذهاب يوسف .
ز ـ توضيح المبهم: ومن طرق التفسير التي اتبعها التابعون ـ أيضاً ـ إيضاح مبهم آية بآية أخرى لإزالة الإبهام ، ومن ذلك ما قام به عكرمة من رفع الإبهام الواقع في لفظه ((الحين)) استدل بالآية التي تبين أن المراد منه سنة فعنه أنه قال: أرسل إليّ عمر بن عبد العزيز فقال: يا مولى ابن عباس: إني حلفت أن لا أفعل كذا وكذا حيناً، فما الحين الذي تعرف به؟ قلت: إن من الحين حيناً لا يدرك، ومن الحين حين يدرك، وأما الحين الذي لا يدرك فقول الله: ((هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا)) (الإنسان ، الآية : 1). والله ما يدري كم أتى له إلى أن خلق، وأما الذي يدرك فقوله: ((تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا)) (إبراهيم ، الآية : 25). فهو ما بين العام إلى العام المقبل، فقال: أصبت يا مولى ابن عباس، ما أحسن ما قلت .
س ـ بيان معنى (لفظ)، أو إيضاح مشكلة: وقد كثر هذا النوع في تفسير التابعين فصاروا يتناولون آيات القرآن بالتفسير بآيات أخرى تبين هذا المعنى، وتلكم الألفاظ ، ومثال ذلك كتفسير الحسن البصري ((يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ)) (النازعات ، الآية : 6). قال: النفختان، أما الأولى فتميت الأحياء، وأما الثانية فتحي الموتى ثم تلا الحسن: ((وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ )) (الزمر ، الآية : 68). والأمثلة كثيرة على تفسير التابعين للقرآن بالقرآن، ومن أراد المزيد فليراجع تفسير التابعين .
2 ـ تفسير القرآن بالسنة:
لا شك أن السنة مبينة للقرآن موضحة له قال الشاطبي: وهي راجعة في معناها إلى الكتاب، فهي تفصيل مجمله وبيان مشكله، وبسط مختصره ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو أعلم بكلام الله وأكثر قدرة على فهم نصوص الآيات من غيره مع ما أوحاه الله تعالى من المعاني، فهو صلى الله عليه وسلم: ((وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)) (النجم ، الآية : 3)، وقال صلى الله عليه وسلم: ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه . يقول ابن تيمية: فإن قال قائل، فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن... إلى أن يقول ـ فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن، قال تعالى: ((إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)) (النساء ، الآية : 105) . وقال تعالى : ((وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) (النحل ، الآية : 44). وقال تعالى: ((وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) (النحل ، الآية : 64 ). وقد اتفق العلماء على أن الأخذ بالسنة واجب والعمل بها حتم وتحكيمها فرض بل جاء عن مكحول التابعي أنه قال: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن . وقد كثر عن التابعين النقول التي تدل على شدة متابعتهم للسنة، قال ربيعة للزهري: إذا سُئلت عن مسألة فكيف تضع؟ قال: أحدث فيها بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم فعن أصحابه، فإن لم يكن عن أصحابه اجتهدت رأيي ، ومما يدل على عظيم احتفائهم وعنايتهم بالمروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قل أن نجدهم يخالفون ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من تفسيره وفيما يلي بعض الأمثلة الدالة على ذلك:
أ ـ فمن هذا ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله((غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)) (الفاتحة، آية:6). قال صلى الله عليه وسلم: اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضلال . وبذلك فسرها: مجاهدٍ ، وسعيد بن جبير وغيرهما. قال ابن حاتم: لا أعلم خلافاً بين المفسرين في تفسير((الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)) باليهود، و((الضَّالِّينَ)) بالنصارى .
ب ـ ومنه أيضاً ما صح عنه صلى الله عليه وسلم في بيان قوله: ((وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)) (البقرة ، الآية 187). قال صلى الله عليه وسلم: هو سواد الليل وبياض النهار ، ولم يخالف في ذلك أحد من التابعين وبه قال الحسن ، وقتادة .
جـ ـ من ذلك ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام في تفسير معنى الظلم الذي ورد في قوله تعالى: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)) (الأنعام ، الآية : 82). قال صلى الله عليه وسلم حين شق ذلك على أصحابه فقالوا: أيُّنا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: ليس بذلك ألم تسمعوا قول لقمان: ((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم )). وهذا هو المنقول عن التابعين قال به: إبراهيم النخعي، وقتادة، ومجاهد، وسعيد بن جبير .
س ـ ومنه ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في تفسير للسبع المثاني في قوله تعالى: ((وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)) (الحجر ، الآية : 87). قال صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد بن المعلى: ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرته، فقال: الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته . وهذا التفسير هو المروي عن سعيد بن جبير والحسن، ومجاهد، وقتادة .
ش ـ ومن ذلك بيانه صلى الله عليه وسلم لمعنى: الأمة الوسط، التي وردت في قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)) (البقرة، آية: 143). ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:(( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)) قال((عَدُولاً)) وبهذا التفسير قال: مجاهد، وعطاء وقتادة . هذه بعض الأمثلة التي اعتمدها التابعون في تفسير القرآن الكريم بالسنة النبوية.
3 ـ تفسير القرآن بأقوال الصحابة:
إن التابعين ما علموا كيفية التلقي من الكتاب والسنة وكذلك الاجتهاد، ونحو ذلك إلا بسبب تربيتهم على أيد الصحابة وخبرتهم بمناهجهم الاستدلالية، وتعلمهم لطرق الاستنباط وتلقيهم الرواية النبوية، ورؤيتهم التطبيق العملي لذلك كله ولقد استوعب التابعون رسالة الصحابة وعرفوا فضلهم، فها هو مجاهد يقول: العلماء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان التابعون يقدمون قول الصحابي على قولهم يقول الشعبي: إذا اختلف الناس في شيء فانظر كيف صنع عمر؟ فإن عمر لم يكن يصنع شيئاً حتى يشاور، فقال أشعث ـ راوي الأثر ـ فذكرت ذلك لابن سيرين فقال: إذا رأيت الرجل يخبرك أنه أعلم من عمر فأحذره ، وكان منهج التابعين في الأخذ عن الصحابة يدور حول:
أ ـ إذا كان تفسير الصحابي يرفعه للنبي صلى الله عليه وسلم، فهذا هو المطلب الرئيس، والغاية القصوى، وليس بعده قول، وكذلك ما كان من تفسير الصحابي، وهو وارد في سبب النزول بالصيغة الصريحة ، وكذلك فيما لا مجال للرأي فيه، فهذا يقف عنده لا يجاوزونه، لأن الصحابي شاهد التنزيل، ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ((حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ)) (الأنعام، آية: 61). فقد قال فيها ابن عباس رضي الله عنهما: إن لملك الموت أعواناً من الملائكة رواه عنه إبراهيم . ولذ جاءت الرواية من تفسير إبراهيم نفسه بالاقتصار على قول ابن عباس ولم يزد عليه شيئاً فقال: أعوان ملك الموت ، وكذا جاء عن قتادة، ومجاهد والربيع .
ب ـ وإذا كان التفسير الوارد عن الصحابي من باب الاجتهاد، وجار على مقتضى اللغة، فإنهم في الغالب لا يخالفونه، فإن الصحابة أهل اللسان والبيان والفهم، ولأجل ذلك اعتمد مجاهد تفسير ابن عباس دون غيره عندما تعرض لتفسير قوله تعالى: ((فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ)) (الأنعام، آية: 98). فقد قال ابن عباس: المستقر بالأرض والمستودع عند الرحمن . وجاءت رواية عن ابن عباس: أن المستقر في الرحم، والمستودع في الصلب ، موافقة للرواية الثانية لشخصية، وهكذا كان حال ابن جبير في تفسير الآية .
ج ـ إذا تعارضت الأقوال المنقولة في الصحابة، فإن التابعين يسلكون مسلك الترجيح بينها، والترجيح قد يكون باللغة، أو بالحديث أو بقول صحابي آخر يجمع بين الأقوال، فمن الأول ما جاء في تفسير قوله تعالى: ((أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)) (الإسراء، آية: 78). جاء عن ابن عباس في تفسيرها أن دلوكها غروبهاً ، وجاء عنه أن دلوكها: زيغها بعد نصف النهار ، وجاء عن ابن مسعود أن دلوكها غروبها ، وجاء عنه أيضاً أن دلوكها ميلها يعني: الزوال . فاختار قتادة أن دلوكها زوالها، ففسرها به ، مع أنه نقل القول بغروبها عن ابن مسعود ، ولعل سبب هذا الاختيار هو أن اللغة تدل على أن الدلوك هو الميل، فيكون المراد صلاة الظهر، ورجحه ابن جرير، وناقش الأول ، وقد يكون الترجيح لأثر مرفوع، ومنه ما جاء عن قتادة وهو يحدث عن سعيد بن المسيب، قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى، وشبك بين أصابعه ، فرجح الحسن أنها صلاة العصر ، متابعاً في ذلك عدداً من الصحابة رضي الله عنهم، والمرجح هنا هو الأثر المرفوع الذي رواه الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر . وقد يكون الترجيح بقول صحابي آخر يقدِّم به عموم الآية على ما. ما ورد في خصوصها، ويجمع به بين الأقوال، فمن ذلك تفسيرهم لقوله تعالى: ((إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)) (الكوثر ، الآية : 1). فقد جاء تفسير الكوثر عن جمع من الصحابة أنه نهر في الجنة ، وعن ابن عباس أنه الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه ، وتابعه على ذلك سعيد بن جبير، فقال أبو بشر لسعيد: إنا كنا نسمع أنه نهر في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه فهنا رجح ابن جبير العموم في الآية مستنداً لقول ابن عباس، ولم يذهب إلى الخصوص الأثر الوارد في ذلك، أما إذا لم يكن ثمة مروي عن الصحابة في ذلك، فعندئذ يدخل منهم من يدخل في باب الاجتهاد . وقد أدت الرواية عن الصحابة والاعتماد عليها في التفسير إلى ظهور نتائج وآثار ترتبت على ذلك منها، حفظ أخبار الصحابة ومعرفة دقيق أحوالهم والتمييز بينهم، والالتزام بمناهجهم والإفادة منها، وتبني أقوالهم .
4 ـ اللغة العربية: لقد تنوعت مشارب التابعين في اعتمادهم على اللغة وجعلها مصدراً من مصادر التفسير وذلك لعدة أسباب منها معرفة لغة العرب ومعرفة عادات العرب وأخبارهم، والإلمام بأشعار العرب، ومعرفة فقه اللغة من الاشتقاق، والإيجاز والحذف، والتقديم والتأخير، وغير ذلك من الأسباب .
5 ـ الاجتهاد: ظهرت اجتهادات التابعين في التفسير، حتى إبان عهد الصحابة، وشملت إجتهاداتهم مواطن كثيرة، غالبها مما سكت عنه الصحابة ومن أهمها:
أ ـ بيان المراد من النص، وذلك، إذا كان النص خفي الدلالة بسبب إجمال في اللفظ أو التركيب.
ب ـ استنباط بعض الأحكام من النصوص القرآنية.
ج ـ بيان الفروق بين ما تشابه من الكلمات، والمعاني، والتفسير بين النظائر.
س ـ العناية الفائقة بدقائق من علم الكتاب العزيز، كمباحث عد الآيات، والكلمات في القرآن الكريم وغيرها، وقد كان لاجتهاد التابعين في تفسير الآيات مميزات منها:
ـ تنوع عبارات الاجتهاد وتعددها.
ـ الإيجاز غير المخل.
ـ عمق التأمل ودقة التفسير.
ـ قوة الاستنباط.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق