295
الدولة الأموية
عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار
الفصل التاسع
عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز:
المبحث الخامس : حياته الاجتماعية والعلمية والدعوية:
ثالثاً : المدارس العلمية في عهد عمر بن عبد العزيز والدولة الأموية:
تحدثت في كتابي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن المدارس العلمية واتخاذه من عاصمة الدولة مدرسة يتخرج منها العلماء والدعاة والولاة والقضاة فنشطت المدارس العلمية في مكة والمدينة والبصرة والكوفة والشام ومصر وغيرها وأشرف الصحابة الكرام على تعليم وتربية الناس فيها، واستطاعت تلك المدارس أن تخرج كوادر علمية وفقهية ودعوية متميزة ساندت المؤسسة العسكرية التي قامت بفتح العراق وإيران والشام ومصر وبلاد المغرب، واستطاع علماء الصحابة الذين تفرغوا لدعوة الناس وتربيتهم أن ينشئوا جيلاً من العارفين للدين الإسلامي من أبناء المناطق المفتوحة، وقد استطاعوا أن يتغلبوا على مشكلة إعاقة الحاجز اللغوي، بل تعلم الكثير من الأعاجم لغة الإسلام، وأصبح كثير من رواد حركة العلم بعد عصر الصحابة من العجم، لقد أثرت المدارس العلمية والفقهية في المناطق المفتوحة، وشكلت جيلاً من التابعين نقلوا إلى الأمة علم الصحابة وأصبحوا من ضمن سلسلة السند التي نقلت للأمة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويرجع الفضل ـ بعد الله ـ في نقل ما تلقاه الصحابة من علم من الرسول بالدرجة الأولى بعد الله إلى مؤسسي المدارس العلمية بمكة والمدينة والبصرة والكوفة وغيرها من الأقطار . وقد استمرت مدارس التابعين في النشاط العلمي في عهد الدولة الأموية وكثير من العلماء الذين تخرجوا من تلك المدارس أعانوا عمر بن عبد العزيز على مشروعه الإصلاحي التجديدي الراشدي المنضبط بمنهاج النبوة، ومن أهم تلك المدارس:
1 ـ مدرسة الشام:
تأسست في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأشهر مؤسسيها من الصحابة، معاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وعباد بن الصامت رضي الله عنهم وحمل التابعون الراية العلمية والتربوية والدعوية بعد الصحابة ومن أشهرهم:
أ ـ الإمام الفقيه أبو إدريس الخولاني ، عائذ بن عبد الله:
قاضي دمشق وعالمها، روى عن أبي الدرداء، وأبي هريرة وابن عباس وخلق غيرهم، كان أبو إدريس عالم الشام بعد أبي الدرداء قال: أدركت أبي الدرداء ووعيت عنه، وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس ووعيت عنهما . كان أبو إدريس ثقة من أهل الفقه في الدين وعلم الحلال والحرام، وكان من أحسن الناس تلاوة للقرآن، فعن يزيد بن عبيدة أنه رأى أبا إدريس في زمن عبد الملك ابن مروان، وأن حلق المسجد بدمشق يقرؤون القرآن، يدرسون جميعاً، وأبو إدريس جالس إلى بعض العمد، فكلما مرت حلقة بآية سجدة بعثوا إليه يقرأ بها، وانصتوا له وسجد بهم جميعاً... حتى إذا فرغوا من قراءتهم قام أبو إدريس يقصُ . وعن يزيد بن أبي مالك، قال: كنا نجلس إلى أبي إدريس الخولاني فيحدثنا، فحدث يوماً عن بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استوعب الغزاة، فقال له رجل من ناحية المجلس: أحضرت هذه الغزوة؟ فقال: لا وقال الرجل: قد حضرتها مع رسول الله، ولأنت أحفظ لها مني ، وقد عزل عبد الملك بن مروان بلال بن أبي الدرداء عن القضاء ـ وولى أبا إدريس . ثم أن عبد الملك عزل أبا إدريس عن القصص، وأقره على القضاء، فقال أبو إدريس: عزلتموني عن رغبتي وتركتموني في رهبتي . توفي عام 80هـ .
ب ـ الفقيه قبيصة بن ذؤويب الدمشقي:
روي عن عمر بن الخطاب، وأبي الدرداء وعبد الرحمن بن عوف وخلق غيرهم. كان قبيصة من علماء التابعين ثقة مأموناً كثير الحديث، قال الشعبي: كان أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت ، قال عنه مكحول: ما رأيت أحداً أعلم من قبيصة ، وعن ابن شهاب، قال: كان قبيصة بن ذؤويب من علماء هذه الأمة ، توفي سنة 86هـ وقيل 87هـ، وقيل88هـ . وقد توسعت في ترجمته عند حديثي عن عبد الملك.
ج ـ رجاء بن حيوة الفلسطيني:
من أجلة التابعين وشيخ أهل الشام حدث عن معاذ بن جبل وأبي الدرداء وعباد بن الصامت وطائفة ، كان شامياً ثقة فاضلاً كثير العلم ، ويروى عن رجاء بن حيوة أنه قال: من لم يؤاخ إلا من لا عيب فيه قلَّ صديقه، ومن لم يرضى من صديقه بالإخلاص له دام سخطه ومن عاتب إخوانه على كل ذنب كثر عدوُّه . كان رجاء كبير المنزلة عند سليمان بن عبد الملك وعند عمر بن عبد العزيز وأجرى الله على يديه الخيرات، ثم أنَّه بعد ذلك أُخِّر، فأقبل على شأنه ، توفي سنة 112 .
س ـ مكحول الشامي الدمشقي:
عالم أهل الشام عداده في أواسط التابعين من أقران الزهري سمع من واثلة بن الأسقع وواثله آخر من مات من الصحابة بدمشق ، وتوفي عام 85هـ وله ثمان وتسعون سنة ، قال عنه الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة والشعبي بالكوفة، والحسن بالبصرة، ومكحول بالشام . وكان مكحول أفقه أهل الشام، ولم يكن في زمنه أبصر بالفتيا منه توفي 112هـ وقيل 113هـ وقيل غير ذلك .
ع ـ عمر بن عبد العزيز: ومن علماء المدرسة الشامية والمدينة وذلك بعد انتقاله إلى الشام وقيامه بأعباء الخلافة، وكان معروفاً بالفقه بصير بالسنة، يرجع إليه القضاة في الأمور التي يختلفون فيها . وقد بدأت بالمدرسة الشامية لأنها ترعرعت في عاصمة الخلافة الأموية.
س ـ بلال بن سعد السكوني: الإمام الرباني الواعظ أبو عمرو الدمشقي شيخ أهل دمشق كان لأبيه صحبة، كان بليغ الموعظة، حسن القصص نافعاً للعامة وكان لأهل الشام كالحسن البصري بالعراق وكان قارئ أهل الشام جهير الصوت يقول الأوزاعي: لم أسمع واعظاً قط أبلغ من بلال بن سعد ، ومن مواعظه العميقة: يا أهل التُقى إنكم لم تُخلقوا للفناء وإنما تُنقلون من دار إلى دار، كما نُقلتم من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبور، ومن القبور إلى الموقف، ومن الموقف إلى الخلود في جنة أو نار . ومن أقواله: لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن أنظر من عصيت . وقال الأوزاعي سمعته يقول: والله لكفى به ذنباً أن الله يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها . وقد توفي سنة نيف وعشرة ومائة.
2 ـ المدرسة المدنية:
لما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى كانت المدينة عاصمة الدولة الإسلامية وموطن الخلافة، وفيها تفتق عقل الصحابة في استخراج أحكام إسلامية، تصلح لما جد من شئون في المجتمعات الإسلامية، بعد الفتوح التي كثرت وفي عهد عمر بن الخطاب بلغ فقهاء الصحابة المفتون 130 مائة وثلاثين صحابياً وكان المكثرون منهم سبعة: عمر وعلي وعبد الله بن مسعود، وعائشة، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر ، وورث علماء التابعين الفقه والعلم والتربية والدعوة، وأما أشهر علماء التابعين: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصارية، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وسليمان بن يسار، ونافع مولى ابن عمر ، وقد تحدثت عن دور فقهاء وعلماء التابعين بالمدينة في نشأة عمر بن عبد العزيز.
3 ـ المدرسة المكية:
احتلت هذه المدرسة المكانة في قلوب المؤمنين، الساكنين والثائبين على بلد الله الحرام، الحجاج والعمار والزوار، بل أخذت مكة بألباب كل مؤمن رآها أو تمنى أن يراها، ولقد كان العلم بمكة يسير زمن الصحابة، ثم كثر في أواخر عصرهم وكذلك في أيام التابعين، وزمن أصحابهم، كابن أبي نجيح، وابن جريج ، إلا أن مكة اختصت زمن التابعين بحبر الأمة وترجمات القران ابن عباس رضي الله عنهما الذي صرف جل همه، وغاية وسعه إلى علم التفسير، وربى أصحابه على ذلك، فنبع منهم أئمة كان لهم قصب السبق بين تلاميذ المدارس في التفسير، وقد ذكر العلماء مجموعة من الأسباب أدت إلى تفوق المدرسة المكية في هذا العلم وأهم هذه الأسباب والأساس فيها إمامة ابن عباس رضي الله عنهما وأستاذيته لها ، ومن أشهر علماء التابعين في المدرسة المكية.
أ ـ مجاهد بن جبر المكي:
أخذ الفقه والتفسير عن ابن عباس وغيره من الصحابة، كان فقيهاً عالماً ثقة من أوعية العلم ، وعن مجاهد قال: عرضت القرآن ثلاث عرضات على ابن عباس، أَقِفُه عند كل آية، اسأله فيم نزلت، وكيف كانت ، وقال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد ، وقال مجاهد: صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني ، وقدم مجاهد على سليمان بن عبد الملك ثم على عمر بن عبد العزيز، وشهد وفاته وعن مجاهد قال. قال لي عمر بن عبد العزيز في مرض وفاته: يا مجاهد ما يقول الناس فيّ قلت: يقولون مسحور، قال: ما أنا بمسحور، ثم دعا غلاماً له فقال: ويحك، ما حملك على أن سقيتني السُّمُّ؟ قال: ألف دينار أُعطيتها وأن أُعتق، قال: هاتها، فجاء بها، فألقاها في بيت المال وقال: اذهب حيث لا يراك أحد ، وقال مجاهد: ما أدري أي النعمتين أعظم، أن هداني للإسلام، أو عافاني من هذه الأهواء . قال الذهبي معلقاً على قول مجاهد: مثل الرّفض والقدر والتجهّم . وعن عبد الوهاب بن مجاهد، قال: كنت عند أبي فجاء ولده يعقوب فقال: يا أبتاه، إن لنا أصحاب يزعمون أن إيمان أهل السماء وأهل الأرض واحد. فقال: يا بني ما هؤلاء بأصحابي، لا يجعل الله من هو منغمس في الخطايا كمن لا ذنب له ، ومات مجاهد سنة اثنتين ومائة وهو ساجد ، وكان عمره ثلاث وثمانين سنة .
ب ـ عكرمة مولى ابن عباس:
كان مكياً تابعياً ثقة من أعلم التابعين، روى عن ابن عباس، وعائشة وأبي هريرة وابن عمر، وابن عمرو، وعقبة بن عامر، وعلي بن أبي طالب ، قال: طلبت العلم أربعين سنة، وكنت أفتي بالباب وابن عباس بالدار وعن عكرمة أن ابن عباس رضي الله عنه قال له: انطلق فأفت الناس وأنا لك عون، قلت: لو أن هذا الناس ومثلهم مرتين لأفتيتهم. قال ابن عباس: انطلق فأفتهم فمن جاءك يسألك عما يعنيه فأفته ومن سألك عما لا يعنيه فلا تُفته، فإنك تطرح عنك ثلثي مؤونة الناس ، وكان عكرمة كثير الأسفار ونزل على عبد الرحمن الحسّاس الغافقي، وصار إلى إفريقية ، وقد اتهم عكرمة بالصفرية فرقة من فرق الخوارج ولم تثبت هذه التهمة بسند صحيح وإنما بصيغة يقال ، وقد دافع علماء الجرح والتعديل عن عكرمة، كابي حاتم الرازي، وابن حبان، والعجلي، وابن منده وابن عبد البر ونقل ذلك ابن حجر في مقدمة الفتح وقال: لا تثبت عنه بدعة . وقال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا هو يحتج بعكرمة ، توفي سنة 105هـ .
ج ـ عطاء بن أبي رباح:
مفتي الحرم وأحد الفقهاء الأئمة روى عن ابن عباس وأبي هريرة وأم سلمة وعائشة ورافع بن خديج وزيد بن أرقم وابن الزبير، وابن عمرو وابن عمر وجابر ومعاوية وأبي سعيد وعدة من الصحابة . وكان ثقة فقيهاً عالماً كثير الحديث انتهت إليه فتوى أهل مكة. قال عنه ابن عباس: يا أهل مكة تجتمعون علي وعنكم عطاء، ولسعة علمه وجلالة قدره كانوا في عهد بني أمية يأمرون في الحج منادياً يصيح لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح توفي سنة 115 هـ . هؤلاء بعض علماء التابعين من المدرسة المكية الذين نهضوا بعبء الدعوة والتعليم وإتمام البناء العلمي .
4 ـ المدرسة البصرية:
وهي منافسة للكوفة في كل الفنون، وقد نزلها من الصحابة جمع كثير، منهم أبو موسى الأشعري، وعمران بن حصين وأنس بن مالك وغيرهم، ويعتبر أنس بن مالك رضي الله عنه شيخ السادة من علماء التابعين أمثال الحسن البصري، وسليمان التيمي، وثابت البناني، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وإبراهيم بن أبي ميسرة، ومحمد بن سيرين، وقتادة وغيرهم . ومن أشهر علماء المدرسة البصرية:
أ ـ محمد بن سيرين البصري:
كان مولى أنس بن مالك، سمع من ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة وخلق سواهم ، وعن حبيب بن الشهيد قال: كنت عند عمرو بن دينار فقال: والله ما رأيت مثل طاووس، فقال أيوب السختياني وكان جالساً: والله لو رأى محمد بن سيرين لم يقله ، وقال عثمان البتي: لم يكن بالبصرة أعلم بالقضاء من ابن سيرين . وكان الحسن البصري يقدمه على غيره، فعن ثابت البُناني، قال: كان الحسن متوارياً من الحجّاج فماتت بنت له، فبادرت إليه رجاء أن يقول لي صلّ عليها، فبكى حتى ارتفع نحيبه، ثم قال لي: اذهب إلى محمد بن سيرين، فقل له ليُصل عليها، فعرف حين جاء الحقائق، أنه لا يعدل بابن سيرين أحداً . وكان محمد بن سيرين يصوم يوماً ويفطر يوماً ، وكان قد أشتهر بتفسير الأحلام وهو اشهر من أن يعرف في هذا الباب قال عنه الذهبي: قد جاء عن ابن سيرين في التعبير عجائب، وكان له في ذلك تأييد الهي . وكان يلبس الثياب الثمينة والطيالس والعمائم ، وكان صاحب ضحك ومزاح وكان باراً بأمه قالت حفصة بنت سيرين: كانت والدة محمد حجازية وكان يعجبها الصبغ، وكان محمد إذا أشترى لها ثوباً أشترى ألين ما يجد، فإذا كان عيد، صبغ لها ثياباً وما رأيته رافعاً صوته عليها، كان إذا كلمها كالمصغي إليها ، وعن ابن عون، أن محمداً كان إذا كان عند أمه لو رآه رجل لا يعرفه ظن أن به مرضاً من خفض كلامه عندها . وقال ابن عون: كانوا إذا ذكروا عند محمد رجلاً بسيئة ذكره هو بأحسن ما يعلم. وجاءه ناس فقالوا: إنا نلنا منك فاجعلنا في حلّ، قال: لا أُحلّ لكم شيئاً حرّمه الله . توفي ابن سيرين بعد الحسن البصري بمئة يوم، سنة عشر ومئة .
ب ـ قتادة بن دعامة السدوسي:
كان من أوعية العلم، روى عن بعض الصحابة وكبار التابعين وكان ثقة حجة في الحديث ، قال عنه أحمد بن حنبل: كان قتادة عالماً بالتفسير وباختلاف العلماء ثم وصفه بالفقه والحفظ وقال: قلما تجد من يتقدمه . وقال: كان قتادة أحفظ أهل البصرة لا يسمع شيئاً إلا حفظه قرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها . قال سلام بن مطيع: كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث . قال عنه الذهبي: حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين ، كان رأساً في العربية والغريب وأيام العرب وأنسابها ، وكان من تلاميذ الحسن البصري، وجالسه اثنتي عشرة سنة وصلى معه الصبح ثلاث سنين ، توفي سنة ثماني عشرة ومائة .
5 ـ المدرسة الكوفية:
نزل الكوفة ثلاثمائة من أصحاب الشجرة، وسبعون من أهل بدر رضي الله عنهم أجمعين، وقد اهتم عمر بالكوفة ووجه عبد الله بن مسعود واجتهد ابن مسعود في إيجاد جيل يحمل دعوة الله فهماً وعلماً وكان له الأثر البالغ في نفوس الملازمين له، أو من جاء بعدهم، وقد اشتهر مجموعة من تلاميذ ابن مسعود بالفقه والعلم والزهد والتقوى منهم، علقمة بن قيس، مسروق بن الأجدع، عبيدة السلماني، الأسود بن يزيد، ومرة الجعفي وغيرهم، ومن أشهر علماء التابعين في المدرسة الكوفية:
أ ـ عامر بن شرحبيل الشعبي:
كان علامة عصره ومن أفقههم، روى عن عائشة وابن عمر وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر وجمهرة غيره حتى قيل أنه أدرك خمسمائة من الصحابة ، لذلك كان صاحب آثار كثير العلم والفقه. قال محمد بن سيرين: لقد رأيته يستفتى والصحابة متوافرون بالكوفة ورغم هذا العلم الواسع فقد كان ينقبض عند الفتوى، وكثيراً ما يقول لا أدري، لأنه كان يعتبرها نصف العلم .، وقد قال الشعبي: إنا لسنا بالفقهاء، ولكنّا سمعنا الحديث فرويناه ولكن الفقهاء من إذا علم عمل ، ومن نكاته اللاذعة، ما رواه الأعمش قال: أتى رجل الشعبيَّ، فقال: ما اسم امرأة أبليس؟ قال: ذاك عرس ما شهدته ، توفى سنة أربع ومائة وقيل ست ومائة وقيل خمس ومائة .
ب ـ حمّاد بن أبي سلمة:
فقيه أهل العراق، روى عن أنس بن مالك وتتلمذ على يدي إبراهيم النخعي وهو أنبل أصحابه وأفقههم وأقيسهم وأبصرهم بالمناظرة . وكان أحد العلماء الأذكياء والكرام الأسخياء، له ثروة وحشمة وتجمُّل ، وكان أفقه أهل الكوفة عليّ وابن مسعود وأفقه أصحابها علقمة، وكان أفقه أصحابه إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم حماد، وأفقه أصحاب حماد أبو حنيفة، وأفقه أصحابه أبو يوسف، وانتشر أصحاب أبي يوسف في الآفاق، وأفقههم محمد، وأفقه أصحاب محمد أبو عبد الله الشافعي رحمهم الله تعالى. وقد توفي حماد سنة عشرين ومائة .
6 ـ المدرسة اليمنية:
من أشهر علمائها من الصحابة الذين ساهموا في دخول الإسلام فيها معاذ بن جبل، علي بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري وغيرهم ، ومن أراد التوسع فليراجع الرسالة العلمية للدكتور عبد الله الحميري، الحديث والمحدثون في اليمن في عصر الصحابة، ومن أشهر علماء التابعين في المدرسة اليمنية:
أ ـ طاووس بن كيسان:
فقيه أهل اليمن وقدوتهم، وأعلمهم بالحلال والحرام من سادات التابعين، روى عن ثلة من الصحابة الكرام، كزيد بن ثابت وأبي هريرة، وزيد بن أرقم، وابن عباس وهو معدود من كبراء أصحابه . وروى عن معاذ مرسلاً . كان من أبناء الفرس الذين جهزهم كسرى لأخذ اليمن له ، كان فقيهاً جليلاً بركة لأهل اليمن . أدرك خمسين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال له عمر بن عبد العزيز في عهد سليمان: أرفع حاجتك إلى أمير المؤمنين. قال: ما لي إليه حاجة فكأن عمر عجب من ذلك . ومن أقواله: لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج . وقال: البخل أن يبخل الرجل بما في يديه، والشح أن يحب أن يكون له ما في أيدي الناس . وقال عنه قيس بن سعد الطاووس فينا مثل ابن سيرين فيكم. وقال بن المديني: كان سفيان لا يعدل من أصحاب ابن عباس بطاووس أحد . وكان رحمه معتزلاً الأمراء والسلاطين إلا إذا أكره على عمل لهم، وإذا طلب أداء نصيحة فإنه لا يجامل أحداً ويصدع بالحق، توفي بمكة سنة ست ومائة للهجرة .
ب ـ وهب بن منبه:
أبو عبد الله وهب بن منبه من أبناء فارس كان ينزل ذمار . وكان ممن قرأ الكتب ولزم العبادة وواظب على العلم وتجرد للزهادة . وقال عنه الذهبي: الإمام العلامة، الأخباري القصصي. وقال العجلي: تابعي ثقة كان على قضاء صنعاء وذكره شيرازي في فقهاء التابعين باليمن . وكان صاحب حكمة وفطنة، وكان له أثر في محاربة الخوارج في اليمن وتحذير الناس من آرائهم ، وإليك حواره مع أبي شمَّر الخولاني لما دخل على وهب بن منبه برفقة داود بن قيس، وتكلم داود لوهب وقال عن صاحبه أبي شمّر الخولاني إنه من أهل القرآن والصلاح، والله أعلم بسريرته، فأخبرني أنه عرض له نفر من أهل حروراء ـ يعني الخوارج ـ فقالوا له: زكاتك التي تؤديها إلى الأمراء لا تجزئ عنك، لأنهم لا يضعونها في موضعها، فأدها إلينا، ورأيت يا أبا عبد الله أن كلامك أشفى له من كلامي، فقال: يا ذا خولان أتريد أن تكون بعد الكبر حرورياً تشهد على من هو خير منك بالضلالة؟ فماذا أنت قائل لله غداً حين يقفك الله؟ ومن شهدت عليه، فالله يشهد له بالإيمان، وأنت تشهد عليه بالكفر، والله يشهد له بالهدى وأنت عليه بالضلالة، فأين تقع إذا خالف رأيك أمر الله وشهادتك شهادة الله؟ أخبرني يا ذا خولان ماذا يقولون لك؟ فتكلم عن ذلك وقال لوهب: إنهم يأمرونني أن لا أتصدق إلا على من يرى رأيهم ولا أستغفر إلا له، فقال: صدقت، هذه محنتهم الكاذبة، فأما قولهم في الصدقة، فإنه قد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن امرأة من أهل اليمن دخلت النار في هرة ربطتها ، أفإنسان مما يعبد الله يوحده ولا يشرك به أحب إلى الله أن يطعمه من جوع أو هرة؟ واله يقول: ((وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)) (الإنسان ، الآية : 8). وأما قولهم لا يستغفر إلا لمن يرى رأيهم أهم خير أم الملائكة، والله يقول: ((وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ)) (الشورى ، الآية : 5) فوالله ما فعلت الملائكة ذلك حتى أمروا به ((لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)) (الأنبياء ، الآية : 27). وجاء ميسراً ((وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا)) (غافر ، الآية : 7)، واستمر معه في الحوار والنقاش إلى أن قال ذو خولان: فما تأمرني؟ قال: انظر زكاتك فأدها إلى من ولاه الله أمر هذه الأمة، وجمعهم عليهم، فإن الملك من الله وحده وبيده يؤتيه من يشاء فإذا أديتها إلى والي الأمر برئت منها، وإن كان فضل فصل به أرحامك ومواليك وجيرانك والضيف، فقال: أشهد إني نزلت عن رأي الحرورية . توفي وهب رحمه الله سنة عشر ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك ، وقيل إن يوسف بن عمر والي اليمن ضربه حتى قتله ، ولعل ذلك بسبب موقف وهب من جور يوسف بن عمر المشهور بعنفه وظلمه .
7 ـ المدرسة المصرية:
تكونت في مصر مدرسة كان شيوخها من الصحابة الذين رحلوا إليها أيام الفتح ونزلوا في موضع الفسطاط والأسكندرية، ومن هؤلاء عمرو بن العاص، عبد الله بن عمرو بن العاص، الزبير بن العوام، وكان من أكثر الصحابة تأثيراً في مصر عقبة بن عامر رضي الله عنه ، وغير ذلك من الصحابة يرجع إليهم الفضل في دعوة الناس وتوجيههم نحو دينهم ، وجاءت طبقة التابعين، وكان منهم أئمة ودعاة، ومن هؤلاء:
يزيد بن أبي حبيب: الإمام الحجة، مفتي الديار المصرية أبو رجاء الأزدي كان من جلة العلماء العاملين، ارتفع بالتقوى مع كونه مولى أسود . قال عنه الليث بن سعد: يزيد بن أبي حبيب سيدنا وعالمنا . توفي سنة ثمان وعشرين ومائة .
8 ـ مدرسة شمال إفريقيا:
دخل القادة الفاتحون شمال إفريقيا وكان على رأسهم عمرو بن العاص ثم عبد الله بن سعد بن أبي السرح رضي الله عنهم ثم تابع معاوية بن حديج فتح إفريقية، وولى معاوية بن أبي سفيان على مصر وإفريقية، وجاء بعده عقبة بن نافع الفهري فاختط مدينة القيروان، وسار في الناس سيرة حسنة وكان من خيار الولاة والدعاة، الذين جاهدوا ودعوا بالسيف والكلمة ثم قام على إفريقية ولاة صالحون ساروا على النهج نفسه . وفي عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز بعث إسماعيل بن أبي المهاجر والياً على إفريقية سنة مائة، فكان داعية إلى الإسلام بلسانه وأعماله وأخلاقه، فأحبه الناس، وأحبوا دينه، وحرص على دعوة البربر إلى الإسلام، فاستجابوا لدعوته، وأسلموا على يديه، واهتم إسماعيل بتعليم الناس أحكام الشريعة، وتفقيههم في الحلال والحرام وكان عمر بن عبد العزيز بعث معه عشرة من التابعين من أهل العلم والفضل، وأهل إفريقية يومئذ من الجهل بحيث لا يعرفون أن الخمر حرام حتى وصل هؤلاء فعلموا الناس الحلال والحرام ، وسيأتي الحديث عن الفقهاء العشرة في محله بإذن الله ومن خلال ما سبق من الحديث عن المدارس العلمية يظهر أهمية توريث العلم والخبرات الدعوية عند السلف وامتداد ذلك يشمل أقاليم الدولة الإسلامية ونستفيد أيضاً أهمية تفريغ مجموعة من أذكياء الأمة للتعلم والتعليم والافتاء والإرشاد والوعظ ونشره بين الناس.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق