287
الدولة الأموية
عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار
الفصل التاسع
عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز:
المبحث الرابع : موقف عمر بن عبد العزيز من الخوارج والشيعة والقدرية، والمرجئة والجهمية:
أولاً : الخوارج:
برزت هذه الفرقة أثناء خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبالتحديد عام 37هـ بعد معركة صفين وقبول علي رضي الله عنه تحكيم الحكمين وقد تحدثت عن هذه الفرقة بشيء من التفصيل في كتابي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن أهم آرائهم الاعتقادية:
1 ـ تكفير علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعثمان بن عفان رضي الله عنه والحكمين رضي الله عنهما أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص.
2 ـ القول بالخروج على الإمام الجائر.
3 ـ قولهم بتكفير مرتكب الكبيرة وتخليده في النار .
هذه المباديء الثلاثة هي جوهر اعتقاد الخوارج، وليس بينهم في ذلك خلاف إلا خلافاً لبعضهم في تطبيق هذه المباديء . يقول أبو الحسن الأشعري في حكاية ما أجمع عليه الخوارج من الآراء: أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن حكم وهم مختلفون هل كفره شرك أم لا؟
وأجمعوا على: أن كل كبيرة كفر إلا النجدات ، فإنها لا تقول ذلك. وأجمعوا على أن الله سبحانه وتعالى يعذب أصحاب الكبائر عذاباً دائماً إلا النجدات أصحاب نجدة ، وقال المقدسي في ذلك: وأصل مذهبهم: إكفار علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والتبرؤ من عثمان بن عفان، والتكفير بالذنب، والخروج على الإمام الجائر .
استمر الخوارج في حربهم للدولة الأموية أحياناً ينشطون وفي الغالب، تتغلب عليهم الدولة بالقوة وتكسر شوكتهم إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز فدخل معهم في محاورات ونقاشات واستخدم معهم القوة عند اللزوم، وكان عمر بن عبد العزيز يذم الجدال المذموم ويناظر ويجادل بالتي هي أحسن، فقد قال: من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل . وقال: احذروا المراء فإنه لا تؤمنه فتنة ولا تفهم حكمته ، وقال قد أفلح من عصم من المراء والغضب والطمع ، فقد كان رحمه الله ينهى عن المراء العقيم ويحث على الجدال بالتي هي أحسن وقد كان لعمر بن عبد العزيز مواقف مشهورة واقوال مأثورة في التعامل مع الخوارج ومناظرتهم ودحض شبهاتهم بالحجة وآرائهم بالدليل وإيضاح الحق لهم ودليله حباً منه للسنة وإتباعاً للسلف الصالح رحمة الله عليهم .
1 ـ موقفه من خروج الخوارج عليه: عن هشام بن يحي الغساني، عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه في الخوارج إن كان من رأي القوم أن يسيحوا في الأرض من غير فساد على الأئمة ولا على أحد من أهل الذمة، ولا يتناولون أحداً، ولا قطع سبيل من سبل المسلمين فليذهبوا حيث شاءوا وإن كان رأيهم القتال فوالله لو أن أبكاري من ولدي خرجوا رغبة عن جماعة المسلمين لأرقت دماءهم ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة . وجاء في رواية: أقسم بالله لو كنتم أبكاري من أولادي ورغبتم عما فرشنا للعامة فيما ولينا لدفقت دماءكم ابتغي بذلك وجه الله الدار الآخرة، فإنه يقول: ((تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين)) (القصص ، الآية : 83)، فهذا النصح إن أحببتم وإن تستغشوني فقديماً ما استغش الناصحون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، يتبين من الآثار السابقة منهج عمر بن عبد العزيز في التعامل مع الخوارج، فمع خروجهم عليه وهو الخليفة الحق لم يحركهم، وإنما كتب إليهم وحذرهم من الخروج عن الجماعة الذين هم أهل الحق، لقد أمر الله تبارك بالاجتماع ونهى عن التفرق وأمر بلزوم الجماعة ونهى عن الخروج عنها وجعل إجماع هذه الأمة حجة فإذا اجتمعوا على أمير وجب طاعته وحرم الخروج عليه ما لم يأمر بمعصية ولم يظهر كفراً بواحاً ، والآثار المروية عن عمر بن عبد العزيز هنا تبين منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع الخوارج الذين هم أوائل الفرق ظهوراً في الإسلام فمع خروجهم عليه وهو الخليفة الحق لم يحركهم، ولم يرسل عليهم الحملة تلو الحملة، وإنما عاملهم معاملة أتاحت لهم الفرصة في الرجوع إلى الحق مستناً بسنن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في معاملة الخوارج حين خرجوا عليه .
2 ـ مناظرته للخوارج: تبين موقف عمر ابن عبد العزيز من الخوارج عموماً فيما سبق وفي هذا المبحث يتضح موقفه من الذين كتبوا إليه وكتب إليهم طالباً المناظرة معهم، إذا كانوا مستعدين لذلك، وقد وجد من بعضهم استجابة قال ابن عبد الحكم: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الخوارج: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى هذه العصابة، أما بعد: أوصيكم بتقوى الله فإنه ((وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًاً * ويََرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ * وَمَنْ يَتَوكّلْ عَلَى الله فَهَوَ حَسَبُه إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)) (الطلاق ، الآيتان : 2 ، 3). أما بعد: فقد بلغني كتابكم والذي كتبتم فيه إلى يحي بن يحي، وسليمان بن داود الذي أتى إليهما وإن الله تبارك وتعالى يقول: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) (الصف ، الآية : 7)، وقال تعالى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)) (النحل ، الآية 125)، وقال تعالى ((فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)) (محمد ، الآية : 35). وإني أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وادعوكم أن تدعو ما كانت تهراق عليه الدماء قبل يومكم هذا بغير قوة ولا تشنيع، وأذكركم بالله أن تشبهوا علينا كتاب الله وسنة نبيه، ونحن ندعوكم إليهما. هذه نصيحة منا نصحنا لكم فإن تقبلوها فذلك بغيتنا، وإن تردوها على من جاء بها فقديماً ما استغش الناصحون، ثم لم نر ذلك وضع شيئاً من حق الله قال العبد الصالح لقومه: ((وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ)) (هود ، الآية : 3). وقال الله عز وجل: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) (يوسف ، الآية : 108) . وجاء في رواية وكتب عمر كتاب إلى الخوارج فلما قرؤوها قالوا نوجه رجلين يكلمانه فإن أجابنا فذاك، وإن أبا كان الله من ورائه، فأرسلوا مولى لبني شيبان يقال له عاصم ورجلاً من بني يشكر من أنفسهم فلما دخلا عليه قالا: السلام عليكم وجلسا، وقال لهما عمر: أخبراني ما أخرجكما مخرجكما هذا؟ وأي شيء نقمتم علينا؟ قال عاصم وكان حبشياً: ما نقمنا عليك في سيرتك لتحري العدل والإحسان فأخبرنا عن قيامك بهذا الأمر أعن رضا من المسلمين ومشورة أم ابتززتهم إمرتهم؟، قال ما سألتهم الولاية عليهم ولا غلبتهم على مشيئتهم وعهد إليّ رجل عهداً لم أسأله قط لا في سر ولا علانية فقمت به ولم ينكره عليّ أحد ولم يكرهه غيركم وأنتم ترون الرضا بكل من عدل وأنصف من كان من الناس فأنزلوني ذلك الرجل فإن خالفت الحق وزغت عنه فلا طاعة لي عليكم، قالا: بيننا وبينك أمر إن أعطيتناه فأنت منا ونحن منك، وإن منعتنا فلست منا ولسنا منك. قال عمر: وما هو؟ قالا: رأيتك خالفت أعمال أهل بيتك وسلكت غير طريقهم وسميتها مظالم، فإن زعمت إنك على هدى وهم على ضلال فابرأ منهم وألعنهم، فهو الذي يجمع بيننا وبينك أو يفرق، قال: فتكلم عمر عند ذلك، فقال: إني قد عرفت أو ظننت أنكم لم تخرجوا لطلب الدنيا، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم سبيلها. وأنا سائلكم عن أمر فبالله لتصدقاني عنه فيما بلغكم علمكما. قالا: نفعل. قال: أرأيتم أبا بكر وعمر أليسا من أسلافكم وممن تتولون وتشهدون لهما بالنجاة؟ قالا: بلا. فقال: هل تعلمون أن العرب ارتدت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلهم أبا بكر فسفك الدماء وسبى الذراري وأخذ الأموال؟ قالا: قد كان ذاك. قال: فهل تعلمون أن عمر لما قام بعده رد تلك السبايا إلى عشائرهم؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل بريء أبو بكر من عمر أو عمر من أبي بكر؟ قالا: لا قال: فهل تبرأون من واحد منهما؟ قالا: لا. قال: أخبراني عن أهل النهروان أليسوا من أسلافكم وممن تتولون وتشهدون لهم بالنجاة؟ قالا: بلا.؟ قال: فهل تعلمون أن أهل الكوفة حين خرجوا إليهم كفوا أيديهم فلم يخيفوا أمناً، ولم يسفكوا دماً، ولم يأخذوا مالاً؟ قالا: قد كان ذلك. قال: فهل تعلمون أن أهل البصرة حين خرجوا إليهم مع عبد الله بن وهب الراسبي ، واستعرضوا الناس فقتلوهم وعرضوا لعبد الله بن خباب ، صاحب رسول الله فقتلوه وقتلوا جاريته، ثم صبحوا حياً من العرب يقال لهم بنو قطيعة فاستعرضوهم فقتلوا الرجال والنساء والولدان حتى جعلوا يلقون الأطفال في قدور الإقط وهي تفور بهم، قالا: قد كان ذلك. قال: فهل بريء أهل الكوفة من أهل البصرة؟ أو أهل البصرة من أهل الكوفة؟ قالا: لا. قال: فهل تبرأون من طائفة منهما. قالا: لا. قال عمر: أخبراني أرأيتم الدين واحداً أم أثنين؟ قالا: بل واحد. قال: فهل يسعكم فيه شيء يعجز عني؟ قال: لا. قال: فكيف وسعكم أن توليتم أبا بكر وعمر وتولى كل واحد منهما صاحبه وقد اختلفت سيرتهما؟ أم كيف وسع أهل الكوفة أن تولوا أهل البصرة واهل البصرة أهل الكوفة وقد اختلفوا في أعظم الأشياء: في الدماء والفروج الأموال، ولا يسعني بزعمكما إلا لعن أهل بيتي والبراءة منهم، فإن كان لعن أهل الذنوب فريضة مفروضة لابد منها فأخبرني عنك أيها المتكلم متى عهدك بلعن فرعون، ويقال: بلعن هامان؟ قال: ما أذكر متى لعنته. قال: ويحك فيسعك ترك لعن فرعون، ولا يسعني بزعمك إلا لعن أهل بيتي والبراءة منهم؟ ويحك أنهم قوم جهال. أردتم أمراً فأخطأتموه، فأنتم تقبلون من الناس ما رد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتردون عليهم ما قبل منهم، ويأمن عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن عنده. قال: ما نحن كذلك. قال: بلى تقرون بذلك الآن. هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس وهم عبدة أوثان فدعاهم إلى أن يخلعوا الأوثان، وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فمن فعل ذلك حقن دمه وأمن عنده، وكان أسوة المسلمين ومن أبى ذلك جاهده؟ قالا: بلى. قال: أفلستم أنتم اليوم تبرأون ممن يخلع الأوثان وممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. وتلعنونه وتقتلونه وتستحلون دمه وتلقون من يأبى ذلك من سائر الأمم من اليهود والنصارى فتحرمون دمه ويأمن عندكم؟ فقال الحبشي: ما رأيت حجة أبين ولا أقرب مأخذاً من حجتك، أما أنا فأشهد أنك على الحق وأنني بريء ممن خالفك. وقال للشيباني فأنت ما تقول؟ قال: ما أحسن ما قلت وأحسن ما وصفت ولكن أكره أن أفتات على المسلمين بأمر لا أدري ما حجتهم فيه حتى أرجع إليهم فلعل عندهم حجة لا أعرفها. قال: فأنت أعلم. قال: فأمر للحبشي بعطائه وأقام عنده خمس عشرة ليلة ثم مات ولحق الشيباني بقومه فقتل معهم . وجاء في رواية ودخل رجلان من الخوارج على عمر بن عبد العزيز فقالا: السلام عليك يا إنسان، فقال وعليكما السلام يا إنسانان قالا: طاعة الله أحق ما اتبعت. قال: من جهل ذلك ضل. قالا: الأموال لا تكون دولة بين الأغنياء. قال: قد حرموها. قالا: مال الله يقسم على أهله. قال: الله بين في كتابه تفصيل ذلك. قالا: تقام الصلاة لوقتها. قال: هو من حقها. قالا: إقامة الصفوف في الصلوات. قال: هو من تمام السنة. قالا: إنما بعثنا إليك. قال: بلغا ولا تهابا. قالا: ضع الحق بين الناس. قال: الله أمر به قبلكما. قالا: لا حكم إلا لله. قال: كلمة حق إن لم تبتغوا بها باطلاً. قالا: ائتمن الأمناء. قال: هم أعواني. قالا: احذر الخيانة. قال السارق محذور. قالا: فالخمر ولحم الخنزير. قال: أهل الشرك أحق به. قالا: فمن دخل في الإسلام فقد أمن. قال: لولا الإسلام ما أمنا. قالا: أهل عهود رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: لهم عهودهم. قالا: لا تكلفهم فوق طاقاتهم. قال: ((لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)) (البقرة، الآية : 286). قالا: ذكرنا بالقرآن. قال: ((وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ)) (البقرة، الآية : 281). قالا: تردنا على دواب البريد. قال: لا هو من مال الله لا نطيبه لكما. قالا: فليس معنا نفقة. قال: أنتما إذن إبنا سبيل على نفقتكما ، وعن أرطأة بن المنذر قال: سمعت أبا عون يقول: دخل ناس من الحرورية على عمر بن عبد العزيز فذاكروه شيئاً، فأشار إليه بعض جلسائه أن يرعبهم، ويتغير عليهم فلم يزل عمر بن عبد العزيز يرفق بهم حتى أخذ عليهم ورضوا منه أن يرزقهم ويكسوهم ما بقي فخرجوا على ذلك فلما خرجوا ضرب عمر ركبة رجل يليه من أصحابه فقال: يا فلان إذا قدرت على دواء تشفي به صاحبك دون الكي فلا تكوينه أبداً . وجاء في رواية: عندما خرج شوذب واسمه بسطام من بني يشكر على عبد الحميد بن عبد الرحمن بالعراق في خلافة عمر بن عبد العزيز، وكان مخرجه بجوخي في ثمانين فارساً أكثرهم من ربيعة، كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد ألا تحركهم إلا أن يسفكوا دما، أو يفسدوا في الأرض، فإن فعلوا فحل بينهم وبين ذلك، وانظر رجلاً صليباً حازماً فوجهه إليهم، ووجه معه جندا. وأوصه بما أمرتك به، فعقد عبد الحميد لمحمد بن جرير بن عبد الله البجلي في ألفين من أهل الكوفة، وأمره بما أمره به عمر، وكتب عمر إلى بسطام يدعوه ويسأله عن مخرجه، فقدم كتاب عمر عليه. وقد قدم عليه محمد بن جرير، فقام بإزائه لا يحركه ولا يهيجه، فكان في كتاب عمر إليه: إنه بلغني أنك خرجت غضباً لله ولنبيه، ولست بأولى بذلك مني. فهلم أناظرك فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يدك نظرنا في أمرك، فلم يحرك بسطام شيئاً وكتب إلى عمر: قد أنصفت، وقد بعثت إليك رجلين يدارسانك ويناظرانك قال أبو عبيدة: معمر بن المثنى: الرجلين اللذين بعثهما شوذب إلى عمر مخدوج مولى بني شيبان، والآخر من صليبة بني يشكر ـ قال: فيقال: أرسل نفراً فيهما هذان، فأرسل إليهم عمر: أن اختاروا رجلين فاختاروهما، فدخلا عليه فناظره، فقالا له: أخبرنا عن يزيد لم تقره خليفة بعدك؟ قال: صيره غيري، قالا: أفرأيت لو وليت مالا لغيرك، ثم وكلته إلى غير مأمون عليه، أتراك كنت أديت الأمانة إلى من ائتمن ، وتذكر الروايات تخميناً: إن بني مروان خافوا أن يخرج عمر ما عندهم وما في أيديهم من الأموال، وأن يخلع يزيد بن عبد الملك، فدسوا عليه من سقاه سماً، فلم يلبث أن مات في اليوم الذي تقرر أن يعطي فيه جوابه للمتفاوضين . يتضح من الآثار السابقة أن عمر بن عبد العزيز سلك معهم المسلك الصحيح الذي تبعه سلفنا الصالح كابن عباس وأمير المؤمنين علي رضي الله عنهما ويبدو أن عمر قد طمع في رجوع هؤلاء الخوارج ولذلك لم يترك لهم شبهة إلا كسرها وبين زيفها وكشف عوارها ، ولم يجادلهم في الحق الذي معهم ولكنه طلب مهلة إلا أنه مات قبل انتهائها، وعندما استخدم خوارج العراق القوة ضد واليه عبد الحميد وتمكن الخوارج من دحر جيش الوالي، أسرع عمر بن عبد العزيز فأرسل إلى الخوارج مسلمة بن عبد الملك على رأس جيش من أهل الشام، وكتب إلى عبد الحميد: قد بلغني ما فعله جيشك، جيش السوء، وقد بعثت مسلمة فخل بينه وبينهم، وتقدم مسلمة على رأس قواته إلى حيث عسكر الخوارج ودارت معركة بين الطرفين انتهت بانتصار جيش الخلافة . إن اضطرار عمر إلى استخدام القوة إزاء فئة من الخوارج، لم يدفعه أبداً إلى تطبيق أسلوب الشدة تجاه كل الخوارج، فما دام خصمه مستعد للحوار، فلا داعي أبداً لإراقة الدماء .
3 ـ السبب المفضي لقتال الخوارج: لم يأمر عمر بن عبد العزيز بقتال الخوارج لما اختلفوا معه في الرأي ولا عندما عارضوه وسبوه، بل صبر عليهم لعل الله أن يهديهم إلى الصواب، ثم لما وصلوا إلى مرحلة خطيرة وهي أخذ المال وإخافة السبيل وسفك الدماء عند ذلك أمر بقتالهم .
4 ـ رد متاع الخوارج إلى أهليهم: لم يسب عمر بن عبد العزيز نساء الخوارج وذراريهم ولم يستحل أموالهم، بل أمر برد متاعهم إلى أهليهم، فقد كتب إلى عامله في الخوارج: فإن أظفرك الله بهم وأدالك عليهم فرد ما أصبت من متاعهم إلى أهليهم ، وهذا رأي علي بن أبي طالب فيهم في عدم سبي ذرية ونساء الخوارج وعدم استحلال أموالهم .
5 ـ حبس أسرى الخوارج حتى يحدثوا خير: فلما قاتلهم، فقتل منهم من قتل، واسر منهم من أسر، أمر عمر بن عبد العزيز بسجنهم حتى يحدثوا خيراً، من الرجوع إلى الحق والتخلي عن أفكارهم الضالة ، فلقد مات عمر بن عبد العزيز وفي حبسه منهم عدة . فهذا منهج وفقه عمر بن عبد العزيز في التعامل مع المعارضين من الخوارج.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق