286
الدولة الأموية
عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار
الفصل التاسع
عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز:
المبحث الثالث : اهتمام عمر بن عبد العزيز بعقائد أهل السنة:
تاسعاً : موقفه من أهل البيت:
قال ابن القيم أن العلماء اختلفوا في تحديد المراد بأهل البيت على أقوال، قال رحمه الله واختلف في آل النبي صلى الله عليه وسلم على أربعة أقوال: فقيل هم الذين حرمت عليهم الصدقة وفيهم ثلاثة أقوال:
1 ـ أنهم بنو هاشم وبنو المطلب.
2 ـ أنهم بنو هاشم خاصة.
3 ـ أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب.
والقول الثاني : أن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم ذريته وأزواجه خاصة.
والقول الثالث : أن آله أتباعه إلى يوم القيامة.
والقول الرابع: أن آله هم الأتقياء من أمته . ثم رجح رحمه الله القول الأول وهو أن آله صلى الله عليه وسلم هم الذين حرمت عليهم الصدقة . هذا ويرى الشيعة أن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم: علي وفاطمة والحسن والحسين وذريتهما، وقولهم هذا مخالف للنصوص الصحيحة ولا تؤيده اللغة ولا العرف، لأن لفظة أهل البيت وردت في القرآن الكريم في سياق الخطاب لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا))(الأحزاب ، الآية : 28) وقد تحدثت عن هذه الآية ورددت على أفهام الشيعة الإمامية لها في كتابي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. هذا وقد عرف عمر بن عبد العزيز حقوق أهل البيت المادية والمعنوية وأداها إليهم كافة مستوفاة كاملة بدون بخس ولا شطط ، وأزال عنهم المظالم التي وقعت عليهم وأحسن إليهم غاية الإحسان المعنوي والمادي، فعن جويرية بن أسماء قال: سمعت فاطمة بنت علي بن أبي طالب ذكرت عمر بن عبد العزيز، فأكثرت الترحم عليه، وقالت: دخلت عليه وهو أمير المدينة يومئذ فأخرج عني كل خصي وحرسي، حتى لم يبق في البيت غيري وغيره ثم قال: يا بنت علي والله ما على ظهر الأرض أهل بيت أحب إلى منكم ولأنتم أحب إلي من أهل بيتي ، وعن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال: أول مال قسمه عمر بن عبد العزيز لمال بعث به إلينا أهل البيت فأعطى المرأة منا مثل ما يعطي الرجل وأعطى الصبي مثل ما تعطي المرأة قال: فأصابنا أهل البيت ثلاثة آلاف دينار وكتب لنا: إني إن بقيت لكم أعطيتكم جميع حقوقكم ، وعن حسين بن صالح قال: تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز فقال قائلون فلان وقال قائلون فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فعمر بن عبد العزيز كغيره من السلف الصالح كان قائماً بأداء حقوق أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم امتثالاً لما أمر به صلى الله عليه وسلم:... وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ، وقال ابن تيمية: وإن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحبون أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته صلى الله عليه وسلم لهم من الحقوق ما يجب رعايتها فإن الله جعل لهم حقاً في الخمس والفيء وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم . والحقوق التي ذكرها ابن تيمية رحمه الله هي التي حرص عمر بن عبد العزيز رحمه الله على أدائها على الوجه المطلوب شرعاً فرد على آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدك كما قام برد خمس الخمس عليهم كما أطعمهم في الفيء ، وقام رحمه الله بالاهتمام بحقوق أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم المادية والمعنوية، حرصاً منه على إتباع ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه وحباً منه لإتباع السلف الصالح رضوان الله عليهم وأما ما تذكره كتب التاريخ أن ولاة بني أمية قتل عمر بن عبد العزيز كانوا يشتمون علي وهذا الأثر الذي ذكره ابن سعد لا يصح، قال ابن سعد: أخبرنا علي بن محمد، عن لوط بن يحي قال: كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون رجلاً رضي الله عنه، فلما ولي هو ـ عمر بن عبد العزيز ـ أمسك عن ذلك فقال كثير عزة الخزاعي:
وليت فلم تشتم علياً ولم تخف
بريـاً ولـم تتبـع مقـالة مجــرم
تكلمت بالحـق المبين وإنمـا
تبيـن آيــات الهــدى بالتكلـم
فصدَّقت معروف الذي قلت
بالذي فعلت فأضحى راضياً كل مسلم
فهذا الأثر واهٍ، فعلي بن محمد هو المدائني فيه ضعف وشيخه لوط بن يحي واهٍ بمرة، قال عنه يحي بن معين: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: متروك الحديث وقال الدارقطني أخباري ضعيف ووصفه صاحب الميزان: أخباري تالف لا يوثق به . وعامة رواته عن الضعفاء والهلكى والمجاهيل وقداتهم الشيعة معاوية رضي الله عنه بحمل الناس على سب علي رضي الله عنه ولعنه فوق منابر المساجد، فهذه الدعوة لا أساس لها من الصحة، والذي يقصم الظهر أن الباحثين قد التقطوا هذه الفرية على هوانها دون إخضاعها للنقد والتحليل، حتى صارت عند المتأخرين من المُسلَّمات التي لا مجال لمناقشتها علماً بأنها ولم تثبت قط في رواية صحيحة، ولا يعول على ما جاء في كتب الدميري، واليعقوبي، وأبي الفرج الأصفهاني، علماً بأن التاريخ الصحيح يؤكد خلاف ما ذكره هؤلاء ، ومن احترام وتقدير معاوية لأمير المؤمنين علي وأهل بيته الأطهار، فحكاية لعن علي على منابر بني أمية لا تتفق مع منطق الحوادث ولا طبيعة المتخاصمين، فإذا رجعنا إلى الكتب التاريخية المعاصرة لبني أمية، فإننا لا نجد فيها ذكراً لشيء من ذلك أبداً، وإنما نجده في كتب المتأخرين الذين كتبوا تاريخهم في عصر بني العباس بقصد أن يسيئوا إلى سمعة بني أمية في نظر الجمهور الإسلامي وقد كتب ذلك المسعودي في مروج الذهب وغيره من كتّاب الشيعة وقد تسربت تلك الأكذوبة إلى كتب تاريخ أهل السنة ولا يوجد فيها رواية صحيح، فهذه دعوة مفتقرة إلى صحة النقل، وسلامة السند من الجرح، والمتن من الاعتراض، ومعلوم وزن هذه الدعوة عند المحققين والباحثين، ومعاوية رضي الله عنه بعيد عن مثل هذه التهم بما ثبت من فضله في الدين، وكان محمود السيرة في الأمة أثنى عليه بعض الصحابة ومدحه خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم، والعدل والحلم، وسائر خصال الخير . وقد ثبت هذا في حق معاوية ـ رضي الله عنه ـ كما أنه من أبعد المحال على من كانت هذه سيرته، أن يحمل الناس على لعن علي رضي الله عنه على المنابر، وهو من هو في الفضل، ومن علم سيرة معاوية ـ رضي الله عنه في الملك وما اشتهر به من الحلم والصفح، وحسن السياسة للرعية ظهر له أن ذلك من أكبر الكذب عليه، فقد بلغ معاوية رضي الله عنه في الحلم مضرب الأمثال، وقدوة الأجيال . وقد تحدثت عن هذه الفرية بنوع من التوسع في كتابي خامس الخلفاء الراشدين الحسن بن علي بن أبي طالب. وقد بينت فيه علاقة معاوية بأولاد علي رضي الله عنه بعد استقلاله بالخلافة وما كان بينهم من الألفة والمودة والاحتفاء والتكريم، كما أن المجتمع في عمومه مقيد بأحكام الشريعة حريصاً على تنفيذها ولذلك كانوا أبعد الناس عن الطعن واللعن والقول الفاحش والبذيء. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب الأموات المشركين، فكيف بمن يسب أولياء الله المصلحين، فعن عائشة رضي الله عنها ـ مرفوعاً ـ لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق