236
الدولة الأموية
عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار
الفصل السابع
عهد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان دون الفتوحات
ثانياً: عبد الملك والشعر والشعراء:
كان عبد الملك بن مروان راويا للشعر ناقداً له، كثير الاستشهاد به في كثير من المناسبات يكثر من الأسئلة والمحاورة منه في مجلسه، فضلاً عن اهتمامه بمعانيه، كما كان يعلم خطورته في التأثير الإعلامي في كسب الأنصار والهجوم على خصومه ولذلك اهتم بالشعراء اهتماماً كبيراً ووظفهم لمدحه ودولته وبني أمية ولم يبخل عليهم بالعطاء ولذلك كان كبار شعراء عصره من الأمويين مثل الأخطل، والفرزدق، وجرير، وغيرهم كما أنه عمل على كسب خصومه حتى أنهم مدحوه بعد أن هجموا عليه بقصائد قوية في سبه وذمه مثل عبيد الله الرقيات وإليك شيء من شعر شعراء الدولة الأموية:
1 ـ الأخطل: هو غياث بن غوث التغلبي النصراني شاعر زمانه وقد قيل للفرزدق: من اشعر الناس؟ قال: كفاك بي إذا افتخرت، وبجرير إذا هجا، وبابن النصرانية إذا امتدح ، وكان عبد الملك بن مروان يجزل عطاء الأخطل، ويفضله في الشعر على غيره ، فقد كان شاعر الدولة الرسمي الذي أكثر من مدح خلفائها، والدعاية لها، والترويج لسادتها نحو ربع قرن ، ومن مدحه في بني أمية:
تمـت جدودهم والله فضلهم
وجـد قوم سواهم خامل نكد
وأنتم أهـل بيـت لا يوازنهم
بيت إذا عدت الأحساب والعدد
ومن شعره المتميز في بني أمية قوله:
حشدٌ على الحق عيَّافو الخنا أُنُفٌ
إذا ألمَّت بهـم مكروهة صبروا
شمس العـداوة حتى يستقاد لهم
وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا
وكان كثير المديح لعبد الملك والتنويه بصلاح السياسة في عهده كقوله:
إلـى إمـام تغـدينا فواضله
أظفره الله فليهنأ لـه الظفر
الخائض الغمر والميمون طائره
خليفة الله يستقي به الله المطر
والمستمر بـه أمر الجميع فما
يغتره بعـد توكيد لـه غرر
نفسي فداء أمير المؤمنين إذا
أبدى النواجز يوماً عارم ذكر
وعرف الأخطل بأنه يعاود شعره بالتنقيح والصقل، حتى لقد قالوا إنه كان ينظم القصيدة تسعين بيتاً ثم يضرب عن ستين ويبقي ثلاثين، وهذا هو السبب في جودة تعبيره، وندرة سقطه وهو بهذا يشبه المنقحين القدماء، مثل زهير والحطيئة وأضرابهما مما سماهم الأصمعي عبيد الشعر . ومن أحسن ما قال من الشعر قوله:
والناس همهم الحيـاة ولا أرى
طول الحيـاة يزيد غير خبال
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد
ذخراً يكون كصالح الأعمال
2 ـ الفرزدق: هو همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن مجاشع ، وكان ممن مدح بني أمية وقال في عبد الملك بن مروان:
فالأرض للـه ولاّهـا خليفتـه
وصاحب الله فيهـا غير مغلوب
بعد الفساد الذي قد كان قام به
كذاب مكة مـن مكر وتخريب
راموا الخلافة فـي غدر فأخطأهم
منهـا صدور وفازوا بالعراقيب
والناس في فتنة عمياء قد تركت
أشرافهم بيـن مقتول ومحروب
دعوْ ليستخلف الرحمن خيرهم
والله يسمع دعوى كل مكروب
فأصبح الله ولَّى الأمـر خيرهم
بعد اختلاف وصدع غير مشعوب
تراث عثمان كانوا الأولياء به
سربال ملك عليهم غير مسلوب
وكان للفرزدق أخٌ شاعر وهو هميم وهو القائل:
لعمر أبيك فـلا تكذبن
لقـد ذهب الخير إلا قليلا
وقد فتن الناس في دينهم
وخلىَّ ابن عفان شراً طويلا
3 ـ جرير: هو جرير بن عطية بن الخطفي التميمي البصري مدح خلفاء بني أمية، وشعره مدون ، وقد مدح عبد الملك ووصفه بأنه ركن الدين، والحفيظ عل أحكام الشرع، ولولاه ما اجتمع المسلمون في صلواتهم في المساجد في الجمع، ثم يصفه بأنه أمين الله، والمبارك الذي يهدي به الله عباده، ويقول إن أوامره ميمونة مطاعة وإن الله فضل بني أمية على غيرهم من أهل البدع، يريد الأحزاب المعادية لبني أمية ، حيث قال:
لولا الخليفة والقـرآن يقـرأه
ما قـام للناس أحـكام ولا جمع
أنت الأمين أمين الله لا سرف
فيمـا وليـت ولا هيـابة ورع
أنت المبارك يهدي الله شيعته
إذا تفـرقت الأهـواء والشـيع
فكل امرئ على يمن أمرت به
فينا مطاع ومهمـا قلت يستمع
يا آل مروان إن الله فضلكم
فضلاً عظيماً على من دينه البدع
ومدح عبد الملك بقصيدة جاء فيها:
سأشكر إن رددت علي ريشي
وأنبت القوادم من جناحي
ألستم خير مـن ركب المطايا
وأنـد العالمين بطون راح
فقال عبد الملك: من مدحنا فليمدحنا بمثل هذا أو ليسكت ووهبه مائة ناقة، فسأله الرعاء، فوهبه ثمانية أعبد، ورأى صحاف ذهب بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين والمحلب ، وأشار إليها، فنحاها إليه بالقضيب وقال: خذها لانفعتك . وكان في جرير على هجائه للناس عفة ودين، وحسن خلق، ورقة طبع، اتفق علماء الأدب وأئمة نقد الشعر، على أنه لم يوجد في الشعراء الذين نشأوا في ملك بني أمية أبلغ من جرير والفرزدق والأخطل وإنما اختلفوا في أيهم أشعر . وإن لجرير في كل باب من الشعر أبياتاً سائرة، هي الغاية التي يضرب بها المثل:
أ ـ فيقال إن أغزل شعر قالته العرب هو قوله:
إن العيون التي فـي طرفها حور
قتلننا ثـم لـم يحيينا قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
وهنَّ أضعف خلق الله إنسانا
ب ـ أفخر بيت قوله:
إذا غضبت عليـك بنـو تميم
رأيت النـاس كلهم غضابا
جـ ـ أهجى بيت مع التصون عن الفحش قوله:
فغض الطرف إنك من نمير
فلا كعب بلغت ولا كلابا
س ـ أصدق بيت قوله:
إني لأرجو منك خيراً عاجلاً
والنفس مولعة بحب العاجل
ل ـ أشد بيت تهكما قوله:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً
أبشر بطول سلامة يا مربع
ومن جيد شعره قوله من قصيدة يرثي به امرأته:
لولا الحياء لهـاجني اسـتعبار
ولزرت قبـرك والحبيب يزار
ولقـد نظرت وما تمنَّع نظرة
في اللحد حيث تمكن الإحفار
ولّهْتِ قلبـي إذ علْتني كبـرة
وذوو التمائم من بنيك صغار
لا يلبث القـرناء أن يتفـرقوا
ليـل يكرُّ عليهم ونهـار
صـلى الملائكة الذين تخيَّروا
والطيّبون عليكِ والأبـرار
فلقد أراكِ كسيت أحسن منظر
ومع الجمال سكينة ووقار
كانت إذا هجر الحبيبُ فرَاشَها
خُزِنَ الحديث وعَفَّتِ الأَسرار
وكان قد افتخر على الأخطل في قصيدة وبين أن عبد الملك ابن عمه ولو شاء ساق إليه قبيلة الأخطل حيث قال:
إن الذي حرم المكارم تغلبـا
جعـل النبوة والخلافة فينـا
هل تملكون من المشاعر مشعرا
أو تشهدون مع الأذان أذينا؟
مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم
يا حُرزَ تغلب من أب كأبينا
هذا ابن عمي في دمشق خليفة
لو شئت ساقكم إليَّ قطينا
قال الذهبي عن جرير: كان عفيفاً منيباً توفي 110هـ بعد الفرزدق بشهر
4 ـ الراعي: من كبار الشعراء هو أبو جندل، عبيد بن حصين النُّميري، وإنما لقب بالراعي لكثرة ما يصف الإبل في شعره، وقد امتدح عبد الملك ، وانضم إلى الفرزدق على جرير فقال فيه جرير قصيدته المشهورة التي صارت وبالاً على بني نمير:
أقِلىَ اللوم عـاذل والعتابا
وقولي إن أصبت لقد أصابا
وفيها يقول له:
فغض الطرف إنك من نُمير
فلا كعباً بلغت ولا كلابا
وأهم ما بقي للراعي لاميته التي مدح بها عبد الملك بن مروان ويشكو له العريف أو الجابي، ويرجو التخفيف عن قومه، ويتبرأ من الخوارج النجدية والزبيريين ويعد نفسه بذلك مخلصاً للأمويين ، ويبدو الراعي كان اموياً لأجل قومه ورغبة في عبد الملك أن يرفع عن قومه ظلم الجباة ومن شعر الراعي لعبد الملك:
إنّي حلفت على يمين برَّة
لا أكذب اليوم الخليفة قيلا
ما إن أتيت نُجيدة بن عويمر
أبغي الهدى فيزيدني تضليلا
إلى أن قال في رواية أخرى:
أحليفة الرحمن إنا معشر
حُنفاء نسجد بكرة وأصيلا
عُربٌ نرى لله في أموالنا
حق الزكاة منزلاً تنزيلا
إن السُّعاة عصوك يوم أمرتهم
وأتوا دواهي لو علمت وغُولا
أخذوا العريف فقطعوا حيزومه
بالأصبحية قائماً مغلولا
إن الذين أمرتهم أن يعدلوا
لم يفعلوا مما أمرت فتيلا
فادفع مظالم عيَّلَت أبناءنا
عنا وأنقِذْ شِلْونا المأكولا
هؤلاء من أشهر شعراء عهد عبد الملك وكان يهتم بهم ويسمع لهم ويجزل لهم في العطاء وكسبهم في صفه وأصبحوا من أبرز المدافعين عن الخليفة ودولته وكان لا يتورع عن دفع الأموال للشعراء ما داموا يمدحون ويبجلون خلفاء بني أمية.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق