235
الدولة الأموية
عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار
الفصل السابع
عهد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان دون الفتوحات
المبحث السادس : العلماء والشعراء في عهد عبد الملك:
أولاً : العلماء:
اختلف موقف العلماء من عبد الملك فهناك من خرج عليه، كعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، وهناك من ابتعد عنه والتزم بالبيعة كالحسن البصري وغيره، وهناك من كان قريباً منه ناصحاً له كقبيصة بن أبي ذؤيب وقد اخترت مجموعة من العلماء لمن كانت لهم قربة ومنزلة من عبدالملك، أو نصحوه أو ذكّروه ولم يكن عبد الملك بعيداً عن أجواء العلماء وطلاب العلم، فقد كان في المدينة في مقبل شبابه مشمراً في طلب العلم وعرف عنه أنه كان يلزم المسجد ولا يكاد يبرحه حتى سمي حمامة المسجد لعبادته، وطول انقطاعه للدراسة مقبلاً على طلب العلم مجلاً لشيوخه، ولما كان متوقد الذكاء، شديد الفطنة، قوي الذاكرة، فقد وعي كل ما سمع منهم، واتقنه لمجالسته لهم ، وهذا أكسبه قدرة بحيث صار حجة في المعارف الدينية كقراءة القرآن التي كان يطيل في تلاوتها بالمدينة ، كما كان يحضر دراسته بدمشق ، وعرف بروايته للحديث وإن كان مقلاً ، على الرغم أنه كان ثقة فيما رواه ، وروايته مثبتة في الصحيحين البخاري ومسلم ، وكان فقيهاً من الفقهاء، ومن أهل العلم بالمغازي والسير ، وأخباريا له علم واسع بأحاديث العرب وآثارهم في الجاهلية والإسلام، كثير المحاورة لرواة وسادة القبائل ونسابه له معرفة دقيقة بأنساب العرب وبخاصة أنساب قريش ولذلك كان عارفاً بنفسية العلماء قادراً على التعامل معهم، ومن اشهر العلماء الذين احتك بهم أو كانت له مواقف وعظ أو تذكيراً له هم:
1 ـ قبيصة بن ذؤيب: نشأ قبيصة في المدينة وكان في عداد علماءها ولكنه انتقل إلى الشام بجانب عبد الملك وأصبح من خاصته واختاره عبد الملك لعلاقته القديمة به في المدينة، ولما يتمتع به قبيصة من روح مرنة تراعي الأحوال، وتقدر المواقف، وتوازن بين المصالح وصاحب هذه الروح هو القادر على الصبر والقرب من الخلفاء والسلاطين وهو من يرغب الخلفاء في تقريبه عادة، ومن المواقف ظهرت فيها هذه الروح عند قبيصة ما ذكره ابن سعد في طبقاته، حيث ذكر أن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله رضي الله عنه دخل على عبد الملك وقربه فقال جابر: يا أمير المؤمنين إن المدينة حيث ترى، وهي طيبة سماها النبي عليه الصلاة والسلام، فأهلها محصورون، فإن رأى أمير المؤمنين أن يصل أرحامهم ويعرف حقهم فعل، قال: فكره ذلك عبد الملك وعرض عنه، وجعل جابر يلح عليه حتى أومأ قبيصة إلى ابنه ـ وهو قائده وكان جابر قد ذهب بصره ـ أن أسكته، قال: فجعل ابنه يسكته، قال جابر: ويحك؟ ما تصنع بي؟ قال: اسكت فسكت جابر، فلما خرج أخذ قبيصة بيده فقال: يا أبا عبد الله إن هؤلاء القوم صاروا ملوكاً. فقال جابر: أبلى الله بلاءً حسناً فإنه لا عذر لك وصاحبك يسمع منك. قال يسمع ولا يسمع وما وافقه سمع، وقد أمر لك أمير المؤمنين بخمسة ألف درهم، فاستعن بها على زمانك فقبضها جابر . فمن هذا الموقف يتضح كيف أدرك قبيصة عدم رضا الخليفة عن فتح هذا الموضوع معه من قبل جابر، وكيف أنهى الموضوع حتى لا يتطور إلى ما لا تحمد عقباه للطرفين، فأشار على ابن جابر بإيقاف والده عن الكلام ثم يطيب خاطر جابر بأخذه بيده، والاعتذار إليه بألا يستغرب هذا التصرف من عبد الملك، فلا يتعامل معه على أنه عبد الملك العالم وإنما على أنه عبد الملك الذي صار ملكاً ينظر إلى الأمور من نافذة الملك ومصالحه، ثم هو يعتذر لنفسه عندما وجه جابر اللوم له بأنه ليس له عذر في عدم المطالبة بحقوق أهل المدينة ما دام له هذه المكانة عند عبد الملك، لأن الأمر ليس كما يتصور جابر وغيره بأنه قادر على تحقيق كل ما يريده من عبد الملك بل الواقع أنه يُسمع ولا يسمع، وفي هذا دليل على مراعاة قبيصة للأحوال والأشخاص .
أ ـ مكانته من عبد الملك: جمع قبيصة عدداً من المهام في عهد عبد الملك، وتعددت مسميات مهامه عند عبد الملك، فيذكر ابن سعد ، وابن عساكر، وابن عبد الهادي: إن قبيصة كان على الخاتم والبريد، وأما الذهبي، فقد ذكر هذه المهام السابقة وأضاف أخرى حيث ذكر أنه كان كاتباً لعبد الملك، ووصفه، بأنه الوزير . وكان يدخل على عبد الملك طروقاً ، وأن عبد الملك تقدم إلى حاجبه فقال: لا يحجب قبيصة أي ساعة جاء من الليل أو نهار إذا كنت خالياً أو كان عندي رجل واحد، أو كنت عند النساء أدخل المجلس ثم أعلمت مكانه. وكانت تأتيه الأخبار قبل عبد الملك فيقرأ الكتب قبله ثم يأتي بها منشورة إلى عبد الملك فيقرأها إعظاماً لقبيصة ، فقبيصة بهذا وزيراً لعبد الملك ومستشاراً له وساعده الأيمن في إدارة الدولة وتصريف شئونها، وكان ملازماً له في سفره وإقامته .
ب ـ موقف قبيضة من محاولة عبد الملك خلع أخيه عبد العزيز: كان مروان بن الحكم قد عقد ولاية العهد لابنيه عبد الملك ومن بعده عبد العزيز ، وبعد وفاة مروان تمت البيعة بالخلافة لعبد الملك بولاية العهد لأخيه عبد العزيز بن مروان من قبل المؤيدين لبني أمية، ثم تأكدت تلك البيعة من الأمة بعد مقتل ابن الزبير ونهاية سلطانه، ولكن عبد الملك بعدما استقرت له الأمور، وتذوق حلاوة الملك في دنياه ورغب في استمرار الذكر له بعد الوفاة لاسيما وقد رأى أن كل من ابنيه الوليد وسليمان قد بلغ من الرشد مبلغه، وتحركت فيه عاطفة الأبوة تجاههما، وأحب أن يصرف ولاية العهد من بعده لهما دون أخيه عبد العزيز، وكان قد عزم على ذلك إلا أن قبيصة بن ذؤيب نهاه عن ذلك، فقد أورد ابن سعد هذا الخبر: قالوا: كان عبد الملك بن مروان قد همّ أن يخلع أخاه عبد العزيز بن مروان ويعقد لابنيه الوليد وسليمان بعده بالخلافة، فنهاه قبيصة بن ذؤيب وقال: لا تفعل هذا فإنك تبعث عليك صوتاً نعار ، ولعل الموت يأتيه فتستريح منه، فكف عبد الملك عن ذلك ونفسه تنازعه أن يخلعه فدخل عليه ليلة روح بن زنباع الجذامي وكان يبيت عند عبد الملك، وكان أحلى الناس كلاماً عند عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين لو خلعته ما انتطحت فيه عنزان، قال: ترى ذلك يا أبا زرعة؟ قال: أي والله وأنا أول من يجيبك إلى ذلك، فقال: نصبح إن شاء الله، فبينما هو على ذلك، وقد نام عبد الملك بن مروان وروح بن زنباع إلى جنبه إذ دخل عليهما قبيصة بن ذؤيب.. فقال: آجرك الله يا أمير المؤمنين في أخيك. فقال: فهل توفي؟ قال: نعم. فاسترجع عبد الملك بن مروان ثم أقبل على روح فقال:: أبا زرعة كفانا الله ما كنا نريد وما أجمعنا عليه . ومن خلال هذا الموقف لقبيصة يمكن أن نستشف منهجه في التعامل مع عبد الملك كمشير ووزير، ويتمثل ذلك المنهج في صدقه في النصيحة ومراعاة المصلحة العامة للأمة والدولة، فهو لم يجامل عبد الملك بموافقته له فيما يوده ويهواه، بل دفعه إخلاصه لله وتقديره لمصلحة الأمة بعامة والبيت الأموي بخاصة أن يقول رأيه بصراحة وإن كان يعلم أنه يخالف ما في نفس عبد الملك ويضاد رغباته وعواطفه تجاه بنيه .
ج ـ موقفه من محنة الإمام الجليل سعيد بن المسيب: بعد وفاة عبد العزيز بن مروان عقد عبد الملك البيعة من بعده لابنيه الوليد وسليمان، وبعث إلى البلدان لأخذ البيعة لهما، ففي المدينة دعا واليها هشام بن إسماعيل المخزومي الناس إلى البيعة فبايعوا إلا سعيد بن المسيب فإنه أبى وقال: أنظر، فضربه هشام وطاف به ثم سجنه وبعث إلى عبد الملك يخبره بما فعل . وكانت الرسائل تصل إلى قبيصة بن ذؤيب ويقرؤها قبل عبد الملك، فلما وصل كتاب هشام واطلع على ما فيه كان له موقف من تصرف هشام مع سعيد بن المسيب يصور لنا ابن سعد هذا الموقف:... دخل قبيصة بن ذؤيب على عبد الملك بن مروان بكتاب هشام بن إسماعيل يذكر أنه ضرب سعيداً وطاف به قال قبيصة: يا أمير المؤمنين يقتات عليك هشام بمثل هذا؟ يضرب ابن المسيب ويطوف به؟ والله لا يكون سعيد أبداً أمحل وألج . منه حين يضرب، سعيد لو لم يبايع ما كان يكون منه؟ ما سعيد مما يخاف فتقه ولا غوائله على الإسلام وأهله، وإنه لمن أهل الجماعة والسنة. وقال قبيصة: أكتب إليه يا أمير المؤمنين في ذلك. فقال عبد الملك: أكتب أنت إليه عني تخبره برأي فيه ومخالفتي من ضرب هشام إياه. فكتب قبيصة إلى سعيد بذلك. فقال: سعيد حين قرأ الكتاب الله بيني وبين من ظلمني ، وكتب إلى والي المدينة كتاباًَ باسم عبد الملك: سعيد كان والله أحوج إلى أن تصل رحمه من أن تضربه، وإنا لنعلم ما عند سعيد شقاق ولا خلاف . ويتضح من هذا أثر قبيصة الكبير في صياغة موقف عبد الملك وقراره في مثل هذه القضايا المهمة والخطيرة، كما يظهر أثره الفعال في إطفاء الفتن وحسن معالجته لها معالجة تنم عن بعد نظره ومعرفته بعواقب الأمور منطق إرضاء الله أولاً ثم الحرص على مصلحة الأمة والدولة ثانية .
س ـ محاولته إصلاح بطانة عبد الملك: كانت له محاولات تستهدف إصلاح بطانة عبد الملك وذلك بتقريب العلماء له وجعلهم ضمن جلسائه ليكثر بذلك سوادهم عنده ويكون تأثيرهم أقوى وأنفع، ومن ذلك محاولته تقريب الإمام الزهري إلى عبد الملك فتسير بعض الروايات التي ذكرت صلة الزهري بعبد الملك أن الزهري خرج من المدينة لما اشتد به ضيق ذات اليد وساءت أحوال أهله وليس له مورد فرحل إلى الشام، وذكرت بعض الروايات أنه اتصل بقبيصة وجالسه مدة قبل اتصاله بعبد الملك ، وقد أكرم قبيصة الزهري وقال: له: ائتني في المنزل فلحق به الزهري فلما بلغ منزله كساه ومنحه بغلة ومائة دينار وغلاماً ، وعمل على تعريف عبد الملك بمكانة الزهري العلمية حتى أصبح من أصحابه وفرض له العطاء وتوطدت العلاقة بين الزهري وعبد الملك، وتكرر الدخول على عبد الملك بانتظام شأنه شأن أصحابه وجلسائه ولكن حرص الزهري على العودة إلى المدينة لمواصلة طلب العلم وتولي مؤونة أهله وذويه جعله يرحل وينقطع عن عبد الملك فكانت صلته هذه على يد قبيصة بداية اتصال الزهري بخلفاء بني أمية بعد عبد الملك وقد قال ابن سعد في أثر قبيصة لتقريب الزهري لبني أمية بقوله: وهو الذي أدخل الزهري على عبد الملك بن مروان ففرض له ووصله وصار من أصحابه . وكان هذا من قبيصة حرصاً على مصلحة الزهري، كما كان همه إصلاح بطانة عبد الملك وتكثير سواد أهل العلم والصلاح في بلاطه مما سيكونه له أثر في توجيه سياسة الدولة نحو الأصلح بالتأثير على عبد الملك من قبل جلساته وبطانته .
وقال الذهبي عن قبيصة: الإمام الكبير، الفقيه، أبو سعيد الخزاعي، وعن الشعبي قال: كان قبيصة أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت، وعن ابن شهاب، قال: كان قبيصة بن ذؤيب من علماء هذه الأمة. وعن مكحول قال: ما رأيت أحداً أعلم من قبيصة. وقد توفي سنة 86 هـ وقيل: 87 هـ وقيل سنة88 هـ .
2 ـ عطاء بن أبي رباح ونصيحته لعبد الملك: دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك وهو جالس على السرير وحوله الأشراف وذلك بمكة في وقت حجه في خلافته، فلما بَصُر به عبد الملك قام إليه فسلم عليه وأجلسه معه على السرير وقعد بين يديه وقال: يا أبا محمد: حاجتك؟ قال: يا أمير المؤمنين اتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار، فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتق الله في أهل الثغور فإنهم حصن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين فإنك وحدك المسئول عنهم، واتق فيمن على بابك فلا تغفل عنهم ولا تغلق دونهم بابك. فقال له: أفعل، ثم نهض، وقام فقبض عليه عبد الملك وقال: يا أبا محمد إنما سألتنا حوائج غيرك، وقد قضيناها فما حاجتك؟ فقال: مالي إلى مخلوق حاجة، ثم خرج، فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشرف، هذا وأبيك السؤدد . وكان بنو أمية في عهدهم يأمرون منادياً يصيح في الحج لا يُفتي الناس إلا عطاء بن رباح، فإن لم يكن عطاء، فعبد الله بن أبي نجيح ، وقد فاق عطاء أهل مكة في الفتوى وكان المسجد فراش عطاء عشرين سنة، وكان من أحسن الناس صلاة ، وكان معاشه، صلة الأخوان ونيل السلطان ، ومن أقوال عطاء: إن من قبلكم كانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو أن تنطق في معيشتك التي لابد لك منها، أتنكرون أن عليكم حافظين كرام كاتبين، عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، أما يستحي أحدكم لو نشرت صحيفته التي أملى صدر نهاره وليس فيها شيء من أمر آخرته ، وعن عطاء: إن الرجل ليحدثني بالحديث، فأُنصتُ له كأني لم أسمعه، وقد سمعته قبل أن يولد . وعطاء هذا الذي كان مرجع الأمة في موسم الحج كان أسود أعرج، أفطس، أعور ثم أعمى من الموالي فهذا الذي تجمعت فيه كل العاهات الجسدية جعلته الحضارة الإسلامية رأس الفتوى في أقدس بقعة عند المسلمين في مكة، فضلاً عن كونه من أشهر علماء الحجاز الذين يستقطبون طلبة العلم من مختلف أرجاء المعمورة .
3 ـ يزيد بن الأصم وأجابته لعبد الملك: سأل عبد الملك يزيد بن الأصم عن معنى قوله تعالى ((تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين )) (القصص :الآية: 83) فأجاب بكل صراحة بقوله: التجبر في الأرض، والأخذ بغير الحق ـ أي من العلو والفساد في الأرض ـ فنكس عبد الملك برأسه، وجعل ينكث في الأرض، وكان إطراق عبد الملك وتنكيسه لرأسه حياء من يزيد لإدراكه أنه المعني لذلك بالتوجيه
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق