269
الدولة الأموية
عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار
الفصل الثامن
الفتوحات الإسلامية في عهد عبد الملك والوليد وسليمان
المبحث السابع: خلافة سليمان بن عبد الملك: 96هـ 99هـ:
سابعاً : ولاية العهد ووفاة سليمان 99هـ:
ذكر الفضل بن المهلب وغيره، أنه لبس في يوم جمعة حلة صفراء ثم نزعها ولبس بدلها حلة خضراء واعتم بعمامة خضراء وجلس على فراش أخضر، وقد بسط ما حوله بالخضرة ثم نظر في المرآة فأعجبه حسنه وشمر عن ذراعيه وقال: أنا الخليفة الشاب وقيل إنه كان ينظر في مرآة من فرقه إلى قدمه ويقول: أنا الملك الشاب ، وفي رواية أنه كان ينظر فيها ويقول: كان محمد نبياً صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر صديقاً وعمر فاروقاً، وكان عثمان حيياً، وكان علي شجاعاً وكان معاوية حليماً، وكان يزيد صبوراً، وكان عبد الملك سائساً، وكان الوليد جباراً، وأنا الملك الشاب ، قالوا: فما دار عليه شهر وفي رواية: جمعة حتى مات ، ولمّا حُمَّ شرع يتوضأ فدعا بجارية فصبت عليه ماء الوضوء ثم أنشدته:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى
غيـر أن لا بقاء للإنسان
ليس فيمـا علمته فيك عيب
كان في الناس غير إنك فان
فصاح بها وقال: عزتني في نفسي وصرفها ثم أمر خاله الوليد بن القعقاع العنسي أن يصب عليه وقال:
قرّ وضوءك يا وليد فإنما
هذه الحياة تعلة ومتاع
فقال الوليد:
فاعمل لنفسك في حياتك صالحاً
فالدهر فيه فرقة وجماع
وكان سليمان بمرج دابق من أرض قنسرين، فأمر خاله فوضأه، ثم خرج يصلي بالناس، فأخذته لجة في الخطبة ثم نزل وقد أصابته حمى، فاستمر فيها حتى مات في الجمعة المقبلة ، وكان قد أقسم أنه لا يبرح دابقاً حتى يرجع إليه الخبر بفتح القسطنطينية، أو يموت قبل ذلك، فمات قبل ذلك ـ رحمه الله وأكرم مثواه ـ وكان آخر ما تكلم به أن قال: أسألك منقلباً كريماً. ثم قضى ، وكان لرجاء بن حيوه أثر كبير في تولية عمر بن عبد العزيز، ولم يكن للشيطان نصيب في قرار سليمان بتولية عمر الخلافة من بعده، وقال عبد الرحمن بن حسان الكناني: لما مرض سليمان بن عبد الملك المرض التي توفي فيه، وكان مرضه بدابق، ومعه رجاء بن حيوه، فقال لرجاء بن حيوه: يا رجاء من لهذا الأمر من بعدي. استخلف ابني؟ قال: ابنك غائب. قال: فالآخر؟ قال: ذاك صغير. قال: فمن ترى؟ قال: أرى أن تستخلف عمر بن عبد العزيز. قال: أتخوف من بني عبد الملك ألا يرضوا. قال: فولي عمر بن عبد العزيز ومن بعده يزيد بن عبد الملك، وتكتب كتاباً وتختم عليه وتدعوهم إلى بيعة مختومة عليها، قال: لقد رأيت، إئتني بقرطاس. قال: فدعا بقرطاس فكتب فيه العهد لعمر بن عبد العزيز ومن بعده يزيد بن عبد الملك، ثم ختمه، ثم دفعه إلى رجاء، قال: أخرج إلى الناس فمرهم أن يبايعوا على ما في هذا الكتاب مختوماً. قال: فخرج إليهم رجاء فجمعهم، وقال: إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب من بعده. قالوا: ومن فيه؟ قال: مختوم، لا تخبرونا بمن فيه حتى يموت، قال: لا نبايع حتى نعلم ما فيه. قال: فرجع رجاء إلى سليمان، قال: إنطلق إلى أصحاب الشرطة والحرس، وناد الصلاة جامعة، ومر الناس فليجتمعوا، ومرهم بالبيعة على ما في هذا الكتاب، فمن أبى أن يبايع منهم فاضرب عنقه، قال: ففعل، فبايعوا على ما فيه. قال رجاء: فلما خرجت إلى منزلي، فبينما أنا أسير في الطريق، إذ سمعت جلبة موكب فالتفت فإذا هشام، فقال لي: يا رجاء قد علمت موقعك منا وإن أمير المؤمنين قد صنع شيئاً لا أدري ما هو، وأنا أتخوف أن يكون قد أزالها عني فإن عدلها عني فأعلمني ما دام في الأمر نفس، حتى أنظر في هذا الأمر قبل أن يموت. قال: قلت: سبحان الله، يستكتمني أمير المؤمنين أمراً أطلعك عليه لا يكون ذلك أبداً، فأدارني وألاصنى ، فأبيت عليه، قال: فانصرف، بينما أنا اسير إذ سمعت جلبة خلفي، فإذا عمر بن عبد العزيز فقال لي: يا رجاء إنه قد وقع في نفسي أمر كثير من هذا الرجل، أتخوف أن يكون قد جعلها إلي، ولست أقوم بهذا الشأن، فاعلمني ما دام في الأمر نفس لعلي أتخلص منه ما دام حياً. قلت: سبحان الله، استكتمني أمير المؤمنين أمراً وأطلعك عليه، فأدارني وألاصني، فأبيت عليه . قال رجاء: وثقل سليمان، وحجب الناس عنه حتى مات فلما مات أجلسته وأسندته وهيأته، وخرجت إلى الناس، فقالوا: كيف أصبح أمير المؤمنين؟ فقلت: إن أمير المؤمنين أصبح ساكناً وقد أحب أن تسلموا عليه، وتبايعوا على ما في هذا الكتاب، والكتاب بين يديه. قال: فإذنت للناس فدخلوا عليه وأنا قائم عنده فلما دنوا قلت إن أمير المؤمنين يأمركم بالوقوف ثم أخذت الكتاب من عنده ثم تقدمت إليهم فقلت: إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا على ما في هذا الكتاب. قال: فبايعوا، وبسطوا أيديهم، فلما بايعتهم على ما فيه أجمعين وفرغت من بيعتهم قلت لهم: آجركم الله في أمير المؤمنين قالوا فمن؟ فافتتح الكتاب فإذا فيه العهد لعمر بن عبد العزيز، فلما نظرت بنو عبد الملك تغيرت وجوههم . وفي رواية أنه لما انتهى رجاء إلى عمر بن عبد العزيز نادى هشام بن عبد الملك: لا نبايعه أبداً. فقال رجاء: أضرب والله عنقك، قم فبايع. فقام يجر رجليه . فلما قرأوا من بعده يزيد بن عبد الملك كأنهم تراجعوا ، وقد توفي سليمان يوم الجمعة لعشر بقين من صفر 99هـ وكانت وفاته بمرج دابق، واختلف المؤرخون بنوع مرضه الذي مات فيه. فقسم منهم، قال: إنه أصيب بالتخمة وهذا رأي ضعيف، وقسم آخر قال: إنه أصيب بذات الجنب ، وظهرت له أعراض المرض فعرضت له سعلة وهو يخطب فنزل وهو محموم، فما جاءت الجمعة التالية حتى مات، كما روى سبط ابن الجوزي ما نصه: ما زال سليمان بعد وفاة ابنه يذوب وينحل حتى مات كمداً ، وقد توفي وعمره على الأرجح 39 سنة ، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز . وكان في نقش خاتمه: آمنت بالله مخلصاً ، وقد حفظ لسليمان بعض أبيات الشعر التي نظمها منها:
ومن شيمتي أن لا أفارق صاحبي
وإن ملّني إلا سألت لـه رشـدا
وإن دام لي بالـود ولـم أكن
كآخر لا يراعى ذماماً ولا عهدا
هذا وقد كانت خلافته ثلاث سنين إلا أربعة أشهر وقيل ثلاث سنين، وقيل كانت ولايته سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق