263
الدولة الأموية
عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار
الفصل الثامن
الفتوحات الإسلامية في عهد عبد الملك والوليد وسليمان
المبحث السابع: خلافة سليمان بن عبد الملك: 96هـ 99هـ:
أولاً: سياسته العامة:
كان عهد سليمان يمثل بداية المرحلة الجديدة من مراحل الخلافة الأموية وعلى الأخص، المروانية منها، لما امتاز به من خصائص جديدة وتغير في أسلوب الحكم عن سابقيه منهم، إذ اتسمت سياسته بإيثار السلامة والعافية والنزوع إلى الموادعة والأخذ برأي أهل العلم والفضل من باب العمل بمفهوم الشورى والتمسك بالتعاليم والأحكام الإسلامية، والحرص على تنفيذها، وهي الأمور التي وضحها في خطبته التي خطبها بعد استخلافه، وبين فيها سياسته التي سينتهجها في الحكم .
1 ـ حض الناس على الرجوع إلى القرآن الكريم: إذ يقول: اتخذوا كتاب الله إماماً وارضو به حكماً واجعلوه قائداً فإنه ناسخ لما قبله، ولن ينسخه كتاب بعده .
2 ـ مفهومه للخلافة: وقال في موضع آخر من خطبته مؤكداً على تمسكه بتعاليم الإسلام ورغبته بالموادعة والمسالمة ومبيناً مفهومه للخلافة، وما يترتب على ذلك: جعل الله الدنيا داراً لا تقوم إلا بأئمة العدل، ودعاة الحق، وإن لله عباداً يملكهم أرضه، ويسوس بهم عباده، ويقيم بهم حدوده ورعاة عباده... ولولا أن الخلافة تحفة من الله كفر بالله خلعها، لتمنيت أني كأحد المسلمين يضرب لي بسهمي، فعلى رسلكم بني الوليد، فإني شبل عبد الملك، وناب مروان لا تضلعني حمل النائبة ولا يفزعني صريف الأجفر ، وقد وليت من أمركم ماكنت له مكفياً وأصبحت خليفة وأميراً وما هو إلا العدل أو النار.. فمن سلك المحجة حُذي نعل السلامة، ومن عدل عن الطريق وقع في وادي الهلكة والضلالة، إلا فإن الله سائل كلا عن كل، فمن صحت نيته ولزم طاعته، كان الله له بصراط التوفيق، وبرصد المعونة فكتب له سبيل الشكر والمكافأة فأقبلوا العافية فقد رزقتموها، والزموا السلامة فقد وجدتموها، فمن سلمنا منه، سلم منا ومن تاركنا تاركناه ومن نازعنا نازعناه فارغبوا إلى الله في صلاح نياتكم وقبول أعمالكم وطاعة سلطانكم، فإني غير مبطل لله حداً ولا تارك له حقاً، أنكثها عثمانية عمريه . أي الشدة واللين .
3 ـ مفهوم الشورى عند سليمان: وتأكيداً على مفهوم الشورى الذي جعله سليمان أحد دعائم حكمه، وصفة لنهجه الجديد قال: وقد عزلت كل أمير كرهته رعيته، ووليت على أهل كل بلد، من أجمع عليه خيارهم واتفقت عليه كلمتهم . ويقول رحم الله امرءاً عرف سهو المغفل عن مفروض حق واجب فأعان برأي . ويقول أيضاً في موقع آخر: أيها الناس رحم الله من ذُكِّرَ فاذّكر فإن العظة تجلو العماء هذا النهج الجديد، مخالف لما نهجه عبد الملك والوليد في سياسة الدولة، القائمة على بسط النفوذ والسلطة بالقوة والتضييق على الناس ، فعبد الملك بن مروان يقول في إحدى خطبه: والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه ، وكان عبد الملك بن مروان: أول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء، وكان الناس قبله يراجعون الخلفاء ويعترضون عليهم فيما يفعلون ، ولما حضرته الوفاة قال للوليد وكان يبكي عليه عند رأسه: يا وليد، لا ألفينك إذا وضعتني في حفرتي أن تعصر عينيك كالأمة الورهاء ، بل ائتزر وشمر، والبس جلد النمر، وادع الناس إلى البيعة ثانياً، ومن قال برأسه كذا، فقل بالسيف كذا ، وقد سار الوليد بن عبد الملك على هذا النهج، فمن خطبته عندما تولى الخلافة قوله:.. أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي في عيناه ومن سكت مات بدائه . فهذا النهج الذي وضحه سليمان في خطبته وسار عليه في خلافته تنبه عدد من المؤرخين القدامى إليه وأشاروا إلى جوانبه المختلفة في كتاباتهم فوصفه بعضهم بأنه من خيار بني أمية ، وحتى المؤرخ الشيعي المسعودي وصفه إلى إشارة السلامة والعافية ونزوعه إلى الموادعة واستشارة أهل العلم بقوله: كان سليمان لين الجانب.. لا يعجل إلى سفك الدماء ولا يستنكف عن مشورة النصحاء ، ووصفه ابن كثير بقوله: يرجع إلى دين وخير ومحبة للحق وأهله، وإتباع القرآن والسنة وإظهار الشرائع الإسلامية رحمه الله ، ووصفه لسان الدين الخطيب بقوله: وكان قائماً برسوم الشريعة . وأما ابن قتيبة فيقول: افتتح بخير وختم بخير لأنه رد المظالم إلى أهلها، ورد المسيرين وأخرج المسجونين الذين كانوا بالبصرة واستخلف عمر بن عبد العزيز وأغز أخاه الصائفة حتى بلغ القسطنطينية، فأقام بها حتى مات ، وأما أبي زرعة الدمشقي، فقد عد خلافة سليمان، وخلافة عمر بن عبد العزيز واحدة، حيث يقول: كانت خلافة سليمان بن عبد الملك كأنها خلافة عمر بن عبد العزيز، كان إذا أراد شيئاً قال له: ما تقول يا أبا حفص؟ قالا جميعاً
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق