241
الدولة الأموية
عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار
الفصل الثامن
الفتوحات الإسلامية في عهد عبد الملك والوليد وسليمان
المبحث الثاني : الفتوحات في الشمال الإفريقي والأندلس:
ثانياً : فتوحات موسى بن نصير 85هـ:
لا يتفق المؤرخون على تاريخ محدد لتولية موسى بن نصير على المغرب وعزل حسان بن النعمان عنه، ولكن الأقرب إلى تسلسل الأحداث أن يكون عزل حسان وتوليه موسى بن نصير في سنة 85هـ، قبيل وفاة عبد العزيز ابن مروان والذي ينسب إليه المؤرخون عزل حسان وتولية موسى ، وبعد أن عزل عبد العزيز بن مروان والي مصر حسان بن النعمان والي إفريقية وليَّ مكانه موسى بن نصير، وكان في أواخر سنة خمس وثمانين الهجرية أو في أوائل سنة ست وثمانين الهجرية وعندما توافدت الجيوش، قام موسى بن نصير خطيباً، فكان مما قاله: وإنما أنا رجل كأحدكم، فمن رأى مني حسنة، فليحمد الله، وليحض على مثلها، ومن رأى مني سيئة، فلينكرها، فإني أخطئ كما تخطئون، ,أصيب كما تصيبون، وقد أمر الأمير أكرمه الله لكم بعطاياكم وتضعيفها ثلاثاً، فخذوها هنيئاً مريئاً، من كانت له حاجة فليرفعها إلينا، وله عندنا قضاؤها على ماعز وهان مع المواساة إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وهكذا أنجز موسى قبل أن يدخل إفريقية حشد جيشه وأكمل استحضاراته الإدارية وساوى نفسه برجاله، وسار موسى متوجهاً إلى الغرب وكان الأمن غير مستتب، فلما وصل إفريقية برز موسى بن نصير قائداً منتصراً في فتح المغرب ويرجع ذلك إلى السياسة التي اتبعها مع الأهالي وهي سياسة التعاون والاندماج الكلي مع البربر ، فحين كان يقدم على موسى وفود القبائل ليعلنوا ولاءهم كان يولي عليهم رجلاً منهم ويأخذ رهائن من خيارهم لضمان هذا الولاء، كما فعل مع وفد كتامة ومع وفد مصمودة وغيرهم ، ولكن ما أن يعتنق البربر الإسلام، كان موسى يقر زعمائهم في الرئاسة مقابل مساهمة كل قبيلة بعدد كان من المقاتلين للانضمام للمقاتلة العرب. وأعطت سياسة التفاهم هذه ثمارها، فقد استطاع موسى أن يجند أعداداً كبيرة من قبائل البربر مثل كتامة وهوارة وزناتة ومصمودة ، وألحق موسى بن نصير هؤلاء المقاتلة من البربر مع جراوة الذين كانوا قد جندوا في عهد حسان، ووضعهم جميعاً في حامية طنجة تحت قيادة طارق بن زياد الذي وليها سنة 90 هـ من قبل موسى بن نصير ، ومن الوسائل التي استخدمها موسى في تأليف القلوب وضبط الأمور، وتقوية الدولة الإسلامية:
1 ـ عتق بعض السبايا:كان موسى بن نصير يعتق بعض سباياهم ويتولاهم في نطاق خطته لتشجيع البربر على الدخول في الإسلام، فكان يشتري من السبايا من كان في ظنه أن يقبل الإسلام.
2 ـ تطبيق مبدأ المساواة:في النفل بين البربر المسلمين والعرب الذين أبلوا بلاء حسناً وذلك تشجيعاً وتقديراً لبلائهم وبهذا التصرف تمكن موسى من جلب أعداد كبيرة إلى الإسلام وإشراكهم في الجيش الإسلامي .
3 ـ التنظيم الإداري: ويبدو أن موسى بن نصير حين دخل إفريقية وجدها في حاجة ماسة إلى إدارة مستقرة، فقد انفردت كل قبيلة بربرية بناحيتها واستبدت بها دون أن تخضع لولاة أو عمال، فأخذ موسى يعمل على إخضاع كل المغرب إلى الحكم الإسلامي فبدأ ينقل البيزنطيين من المدن الساحلية والنواحي الداخلية وأسكنهم قرب مراكز الحكم الإسلامي مما يتيح للمسلمين مراقبتهم ودعوتهم وتعليمهم.
4 ـ تكوين القوة البحرية: أنشأ حسان بن النعمان دار صناعة السفن بتونس ثم استكملها بعده موسى بن نصير وعبيد الله بن الحباب، ويذكر أنه صنع بها مراكب مما مكنه من غزو صقلية.
5 ـ سك النقود: ويبدو أنه بادر بسك النقود بإفريقية، إذ يرى حسن حسني عبد الوهاب أن أول أمير سك النقود بإفريقية، هو موسى بن نصير سنة 95هـ .
وتتلخص أعمال موسى بن نصير في حرصه على نشر الإسلام بين البربر ولهذا كان يختار عمالاً يحسنون السيرة في أهالي المناطق المفتوحة ، واختار فئة من أصحابه لتعليم البربر حديثي الإسلام، القرآن ومبادئ الإسلام. فقد أمر العرب أن يعلموا البربر القرآن وأن يفقهوهم في الدين ، وذكر ابن عذارى أن موسى ترك سبعين رجلاً من العرب في طنجة يعلمون البربر القرآن وشرائع الإسلام. وهذه السياسة هي استمرار لسياسة عقبة بن نافع وحسان بن النعمان . وهذا أدى إلى انتشار الإسلام في المغرب الأقصى . واستطاع موسى بن نصير بعد حملات جهادية منظمة السيطرة على جميع شمال إفريقية من برقة إلى المحيط الأطلسي وأصبح سيد إفريقية بدون منازع، وكان أولاده من ضمن قادته في فتوحاته الكبرى وكانت له حملات بحرية على جزر البحر الأبيض المتوسط ومن أشهر تلك الحملات ما سمي بحملة الأشراف بسبب اشتراك أشراف الناس فيها وكانت وجهتها جزيرة صقلية حيث بلغ عدد مقاتليها بين التسعمائة والألف وكانت بقيادة ابنه عبد الله الذي حقق نصراً حاسماً حتى غنم المسلمون غنائم كثيرة بلغ فيها سهم المقاتل مائة دينار ذهب . هذا ولم تقتصر حملات موسى بن نصير البحرية على مقاتلة إفريقية بل شملت دعم الحملات البحرية في ولاية مصر ، هذا وقد توجت هذه الانتصارات البحرية الرائعة التي حققها الأسطول الإسلامي بفتح بلاد الأندلس الذي خطط له موسى بن نصير ونفذه طارق بن زياد وتم بشكل نهائي بتوفيق الله ثم جهود هذين القائدين العظيمين .
* ـ فتح الأندلس وجهود طارق بن زياد:
كان الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الايبيريَّة (أسبانيا والبرتغال) أمراً طبيعياً حسب الخطة التي اتبعها المسلمون أثناء فتوحاتهم، وهي تأمين حدودهم ونشر دعوتهم وذلك بالمضي في جهادهم إلى ما وراء تلك الحدود، لنشر العقيدة الإسلامية التي تقتضي أن يستمر المدُّ الإسلامي ما دامت فيه القوة على الاستمرار، وبعد أن أرسى موسى بن نصير، ومن معه، كلمة الإسلام بجهودهم في المغرب الكبير، كانت الخطوة التالية الطبيعية هي فتح الأندلس وقد عمل موسى على إكمال جهود من سبقه من الجند الدعاة ـ قادة وجيشاً ـ في ترسيخ قدم الإسلام في الشمال الإفريقي، فقد عمل على تثبيت الإسلام في قلوب الناس ونشط في تعليمهم وتربيتهم على مبادئ الدين الحنيف، وآتت جهوده الدعوية ثمارها الزكية فقد أصبح البربر في تلك الديار من أخلص الناس للإسلام والدعوة إليه والجهاد في سبيل نشر تعاليمه، ولقد كانت أكثرية جيش طارق إلى الجزيرة الايبيريَّة من المسلمين البربر، الذين تحمسوا لدعوة الإسلام، حباً لها وتضحية من أجلها، لا طمعاً في مغنم أو حرصاً على جاه، فهذا هو هدف جميع الفتوحات الإسلامية التي يكفي الاطَّلاع عليها ومعرفة طبيعتها لرفض الإدعاءات وإسقاط المفتريات المزوّرة، التي تشير ـ تلميحاً أو تصريحاً ـ إلى إعتبار الغنائم سبب هذا الفتح، وهو أمر عاري من الحجج والبراهين والأدلة، وإنما هي أوهام لا تحمل أي رائحة من الطابع العلمي أو السند التاريخي .
1 ـ فكرة الفتح: يمكن القول بأن فكرة فتح الجزيرة الايبيريَّة هي فكرة إسلامية تماماً. بل يُروى بأنها فكرة قديمة تمتد إلى أيام الخليفة الراشد عثمان بن عفان، فقد كان عقبة بن نافع الفهري يفكر في إجتياز المضيق إلى أسبانيا لو استطاع وسبق للمسلمين نشاط على شواطئ أسبانيا الشرقية وبعض الجزر القريبة منها، وهي مَيورْقة ومَنورقة، واليابسة، يذكر الذهبي أنه في سنة 89هـ: جهز موسى بن نصير ولده عبد الله، فافتتح جزيرتي مَيورْقة ومَنورقة ، أما الإتصال بيُليان حاكم مدينة سبتة أو بغيره من الأسبان فإنها جاءت مواتية على ما يبدو وفي الوقت الذي كان موسى بن نصير يفكر في تنفيذ فكرة الفتح ولكن كيف تم الاتصال بالجانب الأسباني ((يُليْان وأنصار الملك المخلوع وغيرهم،؟ اختلفت الأقوال فيما إذا تم الأمر بالمراسلة أو باللقاء الشخصي وأين؟ إذا كان هذا الاتصال أصلاً قد تمّ وبهذا المستوى على كل حال فإن اتصالات الجانب الأسباني بموسى ومساعداتهم ـ أثناء عمليات الفتح ـ ربما كانت عاملاً مساعداً سهّل سير الفتح أو عجّل به. لكن المبادأة ومردّ العمليات وإنجازها كانت من الجانب الإسلامي الذي اندفع مع الفتح بقوة فائقة معتمداً على الله في تحقيق ما يصبوا إليه من هداية الناس وقد استشار موسى الوليد بن عبد الملك (86 ـ 96هـ) قبل اتصالاته بليُليان، أو اتصال هذا الأخير بموسى. وقد ترددت الخلافة ـ بادي الأمر ـ بالقيام بمثل هذا العمل الكبير، خوفاً على المسلمين من المخاطرة في مفاوز أو إيقاعهم في مهالك، ولكن موسى أقنع الخليفة بالأمر، ثم تمّ الاتفاق على أن يَسبق الفتح اختبار المكان بالسرايا أو الحملات الاستطلاعية .
2 ـ الحملة الاستطلاعية ، أو حملة طريف:
نفذ موسى أوامر الوليد بأن جهز حملة استطلاعية مؤلفة من خمسمائة جندي منهم مائة فارس بقيادة طريف بن مالك الملقب بأبي زُرعة وهو مسلم من البربر وجاز هذا الجيش الزُّقاق ـ اسم يطلق أحياناً على المضيق ـ من سبتة بسفن يُليْان أو غيره، ونزل قرب أو في جزيرة بالوما في الجانب الأسباني وعرفت هذه الجزيرة فيما بعد باسم هذا القائد: جزيرة طريف ، وكان إبحار هذه الحملة من سبتة في رمضان عام 91هـ )تموز 710م) وقد جال طريف في المدينة والنواحي المحيطة بها واستطلع أخبار العدو في تلك الجهات ، وعادت حملة طريف بالأخبار المطمئنة والمشجعة على الاستمرار في عملية الفتح ،، فقد درس أحوال المنطقة وتعرّف على مواقعها وأرسل جماعات إلى عدة أماكن ـ منها جبل طارق ـ لهذا الغرض فكانت هذه المعلومات عوناً في وضع خُطة الفتح ونزول طارق بجيشه على الجبل .
3 ـ العبور:
لما رأى موسى بن نصير ما حققته حملة طريف، وصحّ عنده ما نقل إليه من أحوال الأندلس، بعث طارق بن زياد في سبعة آلاف من المسلمين أكثرهم من البربر والموالي وأقلهم من العرب ولما احتاج طارق إلى أعداد في فترة تالية أمدّه موسى بخمسة آلاف فتمّ جيش طارق من السفن لنقل الجنود إلى بر الأندلس وقد حرص القائمون على الحملة لاستكمال عملية نزول الجند أن يُعموُا أخبار الحملة على الناس، لذلك أحضر يوليان السفن إلى سبتة ليلاً وأخذت تنقل الجنود تباعاً، ويبدو أن عملية إبحار الجند اقتضت أكثر من ليلة، فقيل أن الجند الذين نزلوا بر الأندلس كانوا يكمنون في النهار حتى لا يشعر بهم أحد، وكانت السفن تختلف بين سبتة والأندلس وأهل الأندلس لا يظنون إلا أنها تختلف بمثل ما كانت السفن تختلف به من المنافع والمتاجر، ولما علم أهل الأندلس بالحملة كانت عملية الإبحار قد تمت بسلام في رجب من عام اثنين وتسعين للهجرة، ونزل طارق، بالجند عند جبل كالبي، وهو الجبل الذي أخذ اسم طارق وصار يعرف بجبل طارق، وقيل لما ملك رئيس الموحدين عبد المؤمن الأندلس وعبر جبل طارق أمر ببناء مدينة على الجبل وسماه جبل الفتح ولكن الاسم لم يثبت له وظل اسم جبل طارق جارياً على الألسنة ، وسار طارق بالجيش نحو الجزيرة الخضراء ففتحها، وكان لذريق في شمال الأندلس مشغولاً في محاربة البشكنس، وقيل في محاربة الفرنسيين، فأرسل خليفته تدمير يُعْلِمُه بالهجوم الإسلامي، فعاد لذريق مسرعاً لصده، وفي طريقه لقتال المسلمين عرّج على العاصمة طليطلة دون أن يدخلها وصالح أسرة غيطشة ودعاهم والقوط المخالفين له إلى الانضمام إليه في حرب العدو المشترك فساروا معه، وقيل أن لذريق عهد بقيادة ميمنة جيشه وميسرته إلى ابني غيطشة ، وعلم طارق بالحشود التي حشدها لذريق لمجابهته فكتب إلى موسى ينبئه بضخامتها ويطلب منه مدداً، فأمدّه موسى بخمسة آلاف مقاتل ، ويصف المقري، نقلاً عن بعض المؤرخين جند طارق لقد أقبلوا وعليهم ((الزرد)) وفوق رؤوسهم ((العمائم البيض)) وبأيديهم ((القسي العربية)) وقد تقلدوا السيوف وحملوا الرماح فلما رآهم لذريق دخله منهم الرعب ، وذكر ابن الأثير: أن طارقاً لما ركب البحر غلبته عينه فرأى النبي صلى الله عليه وسلم ـ في نومه ـ ومعه المهاجرون والأنصار قد تقلّدوا السيوف وتنكّبوا القسّي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا طارق تقدم لشأنك، وأمره بالرفق بالمسلمين، والوفاء بالعهد، فنظر طارق فرأى النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه، فاستيقظ من نومه مستبشراً وبشر أصحابه وقويت نفسه ولم يشك في الظفر .
4 ـ معركة وادي لكّة أو العبور إلى الأندلس:
لم يعد بين طارق وخصمه لذريق سوى عاملي الزمن، والأرض وأصبح من الواضح أن طارقاً أكثر حرية من خصمة بعد سقوط ولاية ((الجزيرة الخضراء)) بيده وهزيمة قائد القوط ((بنج)) وهلاك فرقته بكاملها على يدي جيش طارق، وأصبح قادراً على اختيار المكان المناسب للقتال، فقد كان اختيار ميدان القتال من قبله من أهم عناصر نجاحه في هذه المعركة ، إذ كان قد أسند ميمنة جيشه إلى بحيرة خاندا شرقاً، الممتدة عدة كيلومترات والتي يصب فيها نهر البرباط الذي بمر بوادي البرباط وأسند ميسرته إلى الوادي المذكور غرباً، كما اسند مؤخرة هذا الجيش إلى جبال ((رتينا)) العالية جنوباً، منتظراً أن يأتيه العدو من الشمال بعد أن وضعه في موضع الاضطرار لا الاختيار ، وما أن استكمل لذريق عدة الجيش وعديدة حتى تحرك جنوباً لمواجهة طارق وجيشه في المكان الذي اختاره هذا الأخير، فوصله في الأيام الأخيرة من شهر رمضان عام 92هـ وعسكر بجيشه على الجهة الشمالية للوادي ، والتقى الجيشان على نهر لكة من أعمال شذونة لليلتين بقيتا من رمضان سنة 92هـ واتصلت الحرب بين الجانبين ثمانية أيام استشهد فيها ثلاثة آلاف من المسلمين ولكن الهزيمة دارت على لذريق وجيشه، وقيل أن لذريق غرق وقتل كثير من جيشه، ومما يروي عن ابناء غيطشة أنهم خذلوا لذريق وتركوهم وأنصارهم مواقفهم أمام المسلمين ظناً منهم أن المسلمين إذا امتلأت أيديهم من الغنائم عادوا إلى بلادهم فبقي الملك لهم ، ولعل خذلان آل غيطشة وأنصارهم لذريق كان بدافع الانتقام منه ، ولا شك أن هذا الفتح مثل غيره يعود إلى قوة المسلمين بتمكن العقيدة وتغلغل معانيها في نفوسهم وحرصهم على الشهادة في سبيلها .
وبعد هذا النصر العظيم تعقب طارق فلول الجيش القوطي التي لاذت بالفرار. وسار الجيش الإسلامي فاتحاً لبقية مناطق الجزيرة الإيبيريّة .
5 ـ الدروس المستخلصة من معركة وادي لكّة:
أ ـ أسلوب ((الحذر واليقظة)) تجاه الحلفاء: لم يكتف موسى بن نصير بقول يليان ووعده بالعون والمساعدة في فتح الأندلس بل كلفه مهمة استطلاعية في تلك البلاد ليختبر صدقه ووفاءه بعهده، وقد كان يليان صادقاً بما قال ووفياً لما تعهد به، كما كان موسى حذراً ويقظاً ونبهاً.
ب ـ أسلوب الاستطلاع قبل الانزال: أراد موسى أن يستطلع البيئة التي سوف يقتحمها والعدو الذي سوف يقاتله والبقعة التي سوف يتم النزول فيها، وذلك قبل أن يدفع بجيشه في مغامرة مجهولة النتائج، فأرسل حملة استطلاعية بقيادة طريف بن مالك وما أن عادت تلك الحملة بالمعلومات الوافية عن البيئة والعدو وبقعة النزول حتى اطمأن إلى سلامة قراره فكتب إلى الخليفة يستأذنه بالفتح
ج ـ الأسلوب المتكرر في الاختبار والحيطة: رغم ما سبق من اختبار سواء بواسطة الحملة التي قام بها يليان أو حملة طريف، فقد أبى الخليفة إلا أن يكرر الاختبار فقال لموسى: خضها بالسرايا حتى ترى وتختبر شأنها، ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال . ولما لفت موسى نظر الخليفة إلى سهولة عملية الإبحار والإنزال أصر الخليفة قائلاً: وإن كان، فلابد من اختباره بالسرايا قبل اقتحامه . وذلك يدل على مدى حرص الخليفة على التأكد من نجاح العملية وسلامتها وتأمين الفوز للمسلمين بدل أن يغرر بهم في بحر شديد الأهوال. وهذا الأسلوب المتكرر في الاختبار والحيطة قبل الإنزال والاقتحام سهّل عملية الفتح إلى حد كبير وأعان المسلمين في مواجهتهم الحاسمة للعدو، إذ أمّن لهم عملية (( المباغتة)) لعدو لم يكن ينتظر مثل هذه المفاجأة أبداً .
خ ـ أسلوب المباغتة: إن الأسلوب الذي اتبعه طارق في إيصال المسلمين إلى ساحل الأندلسي منفذاً تعليمات الخليفة، كان أسلوباً بارعاً إلى حد كبير، فهو لم يبحر بالمسلمين دفعة واحدة بل أبحر بهم على دفعات متتالية وفي مراكب تجارية، وما أن التأم شمل المسلمين في تلك البلاد، حتى فوجئوا بالهزيمة الساحقة التي لحقت بهم على يد هؤلاء المسلمين ومقتل أحد أهم قادتهم ((بنج)) ابن أخت مليكهم لذريق، فانتزع المسلمون، بهذه المباغتة وهذا الانتصار، المبادرة من يد أعدائهم وأسقط في يد القوط، وأصبحت هزيمتهم على يد المسلمين قدراً محتوماً .
س ـ تنفيذ أسلوب (( رأس الجسر)): نفذ طارق، فور وصول جيشه إلى الساحل الأندلسي، أسلوب (( رأس الجسر)) وهو أسلوب يعمل به في الحروب الحديثة، فأقام على الساحل قاعدة حصينة سوّرها وحماها وانطلق منها في فتوحاته، تماماً كما يفعل أي جيش في أيامنا هذه .
ش ـ اختيار ميدان القتال: لقد أحسن طارق اختيار ميدان القتال وفرض على العدو أن يجابهه من جهة واحدة هي جبهة الشمال، ووضعه في موضع الاضطرار الاختيار.
ص ـ المبادرة بالقتال: كان طارق في هذه المعركة هو البادئ بالقتال بل بادر إلى اجتياز النهر لملاقاة عدوه، فناوشه ثلاثة أيام ثم شن عليه بعد ذلك هجوماً عاماً انتهى بهزيمته.
ر ـ صدق المسلمين ووفاؤهم بالعهود: كان المسلمون صادقين ووفوا بعهودهم تجاه يليان وأبناء غيطشة فأعادوا لهؤلاء ضياع أبيهم واحترموا تعهداتهم ليليان وأنصاره، وكانت نتيجة ذلك أن أعتقت سلالة كل من يليان وأبناء غيطشة الإسلام، فكان فيها من حسن إسلامه مثل أيوب ( توفي سنة226 هـ) وسليمان( توفي سنة 379 هـ) وأحمد(( توفي سنة 388 هـ)) من سلالة يليان، ومثل أبي بكر محمد بن عمر المعروف بابن القوطية صاحب كتاب تاريخ افتتاح الأندلس وهو من سلالة سارة بنت المنذر بن غيطشة آخر ملوك القوط .
ك ـ استثمار النصر: طبق طارق بالبداهة، مبدأ من أهم المبادئ العسكرية الحديثة وهو استثمار النصر، إذ أنه ما أن هزم لذريق في وادي لكّة حتى لاحق فلول جيشه دون أن يترك لهذا الجيش مجالاً للتجمع وإعادة التنظيم من جديد، وكان طارق قد وضع لنفسه هدفاً أساسياً هو احتلال طليطلة عاصمة العدو، إذ أنه يعرف ولا شك، أنه باحتلاله لعاصمة المملكة، تفقد هذه المملكة مركزيّتها، ويفقد الملك قاعدة ملكه وحكمه، ولكن طارقاً مع ذلك، لم ينس أن يرسل جيشه في حملات إلى مختلف أنحاء البلاد لكي يحتل المواقع الاستراتيجية فيها فيفقد القوط كل أمل بمتابعة القتال والنصر، فأرسل إحداها إلى داخل البلاد شمالاً نحو قرطبة، وكانت قصبة هامة في الأندلس، وأرسل أخرى شرقاً، على الساحل الجنوبي للبلاد، نحو ملقة، وأرسل ثالثة إلى داخل البلاد شمالاً بشرق، نحو غرناطة وكانت تشكل موقعاً استراتيجياً هاماً في البلاد، ثم توجه بنفسه شمالاً إلى العاصمة طليطلة واستولى عليها، فظل الحكم القوطي، من جراء ذلك، شديداً طريداً في أنحاء الأندلس إلى أن سقط .
6 ـ الخطبة المنسوبة إلى طارق وحرق السفن:
يعتقد كثير من المؤرخين أن طارقاً أحرق سفنه، بعد أن أنزل جيشه على الساحل الأندلسي، ثم خطب بجنده الخطبة الشهيرة، أيها الناس، أين المفر البحر ورائكم، والعدو أمامك وليس لكم والله إلا الصدق والصبر...، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات لكم إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوِّكم وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمراً ذهبت ريحكم، وتعوَّضت القلوب من رُعْبها... وجاء في الخطبة:,, وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان، من بنات اليونان، الرافلات بالدّر والمرجان والحُلل المنسوجة بالعقبان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عُربانا، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً، ثقة منه بارتياحكم للطعان، واستماحكم بمُجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظه منكم ثواب الله إلى إعلاء كلمته،.. الخ الخطبة ، وبالإمكان إيراد الملاحظات التالية حول الخطبة:
أ ـ لم تكن الخطبة وما فيها من السجع من أسلوب ذلك العصر القرن الأول الهجري، وغير متوقع لقائد جيش أن يعتني بهذا النوع من الصياغة.
ب ـ إن المعاني التي تناولتها الخطبة لا تتلاءم وروح الإسلام العالية، التي توفرت لدى الفاتحين، ومقدار حبهم للإسلام وإعلاء كلمته، ورغبتهم في الاستشهاد من أجل ذلك،، فهي لا تشيد بدوافع الفتح وأهدافه ـ وهي معروفة مألوفة ـ التي أنبتتها ورعتها العقيدة الإسلامية، عاملة على ابتغاء مرضات الله تعالى وحده، لتعلو راية الإسلام وتسود شريعته ويكون الدين كله لله، ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) (الأنفال ، الآية : 39).
ت ـ يلاحظ في الخطبة عديد من الأخطاء ويلاحظ فيها التناقض في المعاني، وبعض ما فيها مخالف لحقائق تاريخية، كاستعمال ((اليونان)) التي ربما جاء ذكرها للسجع فالمؤرخون الأندلسيون اعتادوا أن يستعملوا في هذه المناسبة القوط أو الروم ، وكذلك العلوج والعجم أو المشركين والكفار ، وليس لدينا نص يحتوي مثل هذا الاستعمال، غير أن ابن خلكان ـ وهو مشرقي ـ أورد هذا الاستعمال في غير الخطبة ثم. ((وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين..)) فالذي انتخبهم موسى بن نصير وليس الوليد .
ج ـ كان المتوقع أن تحتوي الخطبة على آيات من القرآن الكريم وأحاديث الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم، أو وصايا وأحداث ومعاني إسلامية أخرى تناسب المقام كالمعهود . وغير ذلك من الملاحظات.
وكل ما تقدم لا يمنع أن يكون طارق جيد الكلام، وأنه خطب جنده يحُّثهم على الجهاد ، ويروي المَقَّري أبياتاً قالها طارقاً بهذه المناسبة:
ركبنـا سَفينا بالمجـاز مُقَيَّـرا
عسى أن يكون الله منا قد اشترى
نفوساً وأمـولاً وأهـلاً بجنَّـة
إذا ما اشتهينا الشيء منها تيسَّرا
ولسنا نُبالي كيف سالت نفوسنا
إذا نحن أدركنا الذي كان أجْدرا
وقال ابن بشكوال: إن طارقاً كان حسن الكلام ينظم ما يجوز كتبه . ووجهة هذه الأبيات تغاير وجهة الخطبة، فهي منسجمة والمعاني الإسلامية ومستمدة من قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) (التوبة ، الآية : 111) .
وأما موضوع حرق طارق للسفن التي عبر بها المضيق، كي يقطع على الجيش الإسلامي كل أمل في العودة، فيستميت في الدفاع؟ ذكر بعض المؤرخين ذلك؟
لكن لماذا يحرق طارق السفن، سواء امتلكها المسلمون أم يُلْيان؟ وكان طارق وجيشه يقاتلون من أجل عقيدة وإنهم في ساعة عبورهم جاؤوا مجاهدين مستعدين للشهادة، وطارق متأكد من هذه المعاني، فإذا كانت السفن ليُليان فليس من حق طارق التصرف بها، وإن كانت للمسلمين فليس حرقها عملاً عسكرياً سليماً أو مناسباً، ما دام يحتاج إليها وإلى النجدة والاتصال الدائم بالمغرب لأي غرض، وقد رأينا كيف احتاج إلى النجدة قبل خوض هذه المعركة واحتاجها فيما بعد ، كما أن طارقاً كان قادراً على إعادتها إلى الساحل الأفريقي إن الدوافع الإسلامية والهدف الذي جاء الجيش من أجله أقوى في الاندفاع من أي سبب آخر، وما كان المسلمون يتخلفون عن خوض معركة أو تقديم أنفسهم لإعلاء كلمة الله، بل لذلك أتوا، والمصادر الأندلسية ـ لاسيما الأولى ـ لا تشير إلى قصة حرق السفن التي لا تخلو من علاقة وارتباط بقصة الخطبة .
7 ـ عبور موسى بن نصير إلى الأندلس:
كان موسى بن نصير من التابعين ـ رحمهم الله تعالى ـ وقد روى تميم الداري رضي الله عنه، وكان عالماً كريماً شجاعاً ورعاً تقياً لله تعالى ، وكان من رجال العلم حزماً ورأياً وهمّة ونبلاً وشجاعة وإقداماً ، وكان حين وجّه طارقاً لفتح الأندلس كان يتلقى الأخبار ويراقب الأحداث، منذ بدايتها، ويُهيء المتطلبات لإنجاز هذا الفتح الكبير، بهمة المؤمن وإخلاص التقي، ويدعو الله أن ينزل نصره على المسلمين . وكان موسى بن نصير يعتقد اعتقاداً كبيراً في أهمية الدعاء والتضرع لتحقيق النصر على الأعداء ويعتبر الدعاء من أسباب النصر التي أرشد إليها القرآن الكريم ومارسها رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول ابن الكردبوس: وكان موسى بن نصير حين أنفذ طارقاً مُكبَّاً على الدعاء والبكاء والتضرع لله تعالى، والابتهال إليه في أن ينصر جيش المسلمين، وما عُلم أنه هزم له جيش قط ، وكان طارق بن زياد على صلة بقائده موسى بن نصير، يفتح الفتوحات باسمه وبتعليماته، ويخبره عن كل شيء أولاً بأول منذ بداية الفتح، ويستشيره فيما يحتاج إليه وقد رأينا كيف طلب المدد قبل معركة وادي لكّة وكان موسى على علم تام بأحوال الفتوح وبعد سنة تقريباً من عبور طارق، وتفرق جيشه وتوزيعه على المناطق والمدن التي فتحت ـ خاف طارق أن يُغلب وأن يُستغل القوط قلة جيشه، فأرسل إلى موسى يستنجده واستخلف موسى على القيروان ولده عبد الله.. ونهض من القيروان سنة ثلاث وتسعين من الهجرة في عسكر ضخم ، وتحرك موسى بجيشه نحو شذونة فكانت أول فتوحاته ثم توجه إلى مدينة قرمونة وليس بالأندلس أحصن منها، ولا أبعد على من يرومها بحصار أو قتال فدخلها بحيلة توجهت بأصحاب يُلْيان، دخلوا إليهم كأنهم فُلاّل وطرقهم موسى بخيله ليلاً ففتحوا لهم الباب، وأوقعوا بالأحراس، فملكت المدينة فافتتحها. وتوجه بعد ذلك: إلى أشبيلية جارتها فحاصرها وهي أعظم مدائن الأندلس... فامتنعت شهراً على موسى ثم فتحها الله عليه،.. ثم سار إلى مدينة ماردة وفتح في طريقه إليها لَبْلَة وباجة ثم فتح ماردة صلحاً بعد قتال وجهاد عظيم ، وأقام موسى في ماردة زيادة على شهر يرتب أحوالها وينظم أمورها ويريح الجند من العناء ويستعد لاستئناف السير ، ووجه موسى ابنه عبد العزيز من ماردة إلى أشبيلية، وكانت فلول القوط من لبلة وباجة قد اجتمعت فيها وقتلوا العديد من المسلمين، منتهزين فرصة انشغال موسى بحصار ماردة وبلغه الخبر خلال الحصار، فأعاد عبد العزيز فتح أشبيلية ثم فتح لبلة وباجة ، وأصبحت المدن والقرى تتساقط أمام جيوش الفاتحين كتساقط الأوراق من على الأشجار في فصل الخريف.
8 ـ لقاء موسى وطارق:
في بداية ذي القعدة سنة 94هـ ابتدأ موسى بالسير صوب طليطلة ـ وكتب إلى طارق بالتوجه إليه في مجموعة من جيشه ثم جاءه طارق. ذكر البعض أن لقاءهما كان عند طليطلة أو قرطبة، ورجح الدكتور الحجي العالم البارز في تاريخ الأندلس: بأن اللقاء كان خارج مدينة طلبيرة التي تبعد 150كم غرب طليطلة ، ووصل موسى وطارق إلى طليطلة ذو القعدة ـ ذي الحجة أو آخر سنة 94هـ وأقاما بالجيش الإسلامي فصل الشتاء أو جله في طليطلة يرتبون أحولها وينظمون شئونها، ويستريحون ويتهيأون ويخططون لفتح شمال شبه الجزيرة الأيبيريَّة، وكتب موسى والقادة الآخرون إلى الخليفة الوليد ـ وربما ليس لأول مرة ـ أخبار الفتح، وضربت العملة الإسلامية لأول مرة في الأندلس وقام بالدعوة إلى الله وتعليم الناس حقائق الإسلام وشرحه لهم ودعوتهم إليه بعد أن رآه أهل البلاد عملياً في خلق الفاتحين. ولعلهم أرسلوا فرقاً إلى بعض المناطق، فقد كان طارق خبر أحوال طليطلة لاسيما شمالها، إذ كان قد وصل إلى المدينة المائدة (في منطقة وادي الحجارة) .
وأما ما تحدثت عنه المصادر عن قصة الخلاف الذي قيل إنه حدث بين القائدين الكبيرين موسى وطارق، وتبالغ هذه المصادر فترجع أمر هذا الخلاف إلى حسد دب في نفس موسى على مولاه طارق وعلى ما حققه من نجاح، وتنسب إلى موسى أنه أهان طارقاً بأن وضع السوط على رأسه ، فهذه روايات ناقشها عدد من الباحثين وأبانوا ضعفها وسقوطها وتفاهتها، كمحمود شيت خطاب ، وعبد الله عنان ، ود. عبد الرحمن الحجي ، ود. محمد بطاينة ، ود. عبد الشافي محمد عبد اللطيف ، وغيرهم وإن كان حدث شيء فلا يعدو أن يكون مناقشة القضايا أو استفهامه من طارق خطته وإبداء الملاحظات عنها، تخوفاً من الأذى، وعندما استفسر موسى من طارق عن سبب الايغال والتقحم في بلاد العدو، اعتذر إليه طارق بخطته العسكرية أمام الظروف المحيطة والضرورة الداعية لأسلوبه، وقبل موسى عذره. وسارا بعده ـ سوية إخوة مجاهدين، ينشرون دين الله ويُعلون كلمته ويبلغون للناس شريعته ، كما لا ننسى أن طارق جندي من جنود موسى والانتصارات التي حققها طارق إنجازات تكتب في صفحة موسى القيادية .
وعند انتهاء الشتاء وحلول الربيع سنة 95هـ تهيأ الجيش الإسلامي لترك طليطلة ثم أوغل شمالاً ففتح مدن لاردة ووشقة وطركونة وبرشلونة، كما فتح بلنسية وطرطوشة على الساحل الشرقي للأندلس وفي هذا الوقت وصل مغيت الرومي مبعُوثاً من جانب الخليفة الوليد عبد الملك يحمل إلى موسى بن نصير أمر الخليفة بالقدوم إلى دمشق، ولكن فتح الأندلس لم يكن قد اكتمل بعد، لذلك لاطف موسى مغيثاً وسأله إنظاره إلى أن ينفذ عزمه في دخول بلاد جليقية واشتوريس ويكمل فتح الأندلس ويكون مغيث شريكه في الأجر والغنيمة ـ أي يصبح له سهماً في القيمة ـ ففعل مغيث ومشى في ركاب موسى إلى جليقية والأشتوريس ففتحها وتعقب موسى وطارق فلولا القوط حتى اضطرّ هؤلاء إلى الفرار إلى جبال كنتبرية في أقصى الشمال الغربي من الأندلس ، ولما تأخرت أخبار موسى قلق الخليفة الوليد على مصير الجيش الذي مضى على وجوده في البعوث ما يقارب أربع سنين، لذلك أرسل الوليد رسولاً ثانياً، فوصل الرسول الأندلس وموسى في مدينة لَكْ بحُليقية يُوجَّهُ السرايا والبعوث التي بلغت صخرة بلاك التي تقع في الشمال الغربي على البحر الأخضر ـ خليج بسكاي ـ من المحيط الأطلسي، فاستجاب موسى إلى الرسول وعاد إلى طليطلة ثم غادرها إلى قرطبة ومنها إلى أشبيلية حيث استخلف فيها ولده عبد العزيز والياً واتخذ منها عاصمة للبلاد، ولكن أشبيلية لم تمكث طويلاً عاصمة للبلاد وإنما استعيض عنها بقرطبة منذ عام 97هـ وظلت قرطبة مركز الديار الأندلسية حتى نهاية عهد الخلافة في الأندلس ، ويبدو أن موسى اختار اشبيلية عاصمة في هذه المرحلة من تاريخ الأندلس لوقوع اشبيلية في منطقة تتساوى عندها احتمالات الخطر والسلامة، وواجبات الحفاظ على البلاد وحمايتها، فهي لم تخرج إلى الأطراف بعيداً عن الوسط،ولم تقترب من خطوط المواجهة مع الأعداء بعيداً عن بلاد المغرب وإمداداتها .
9 ـ رجوع موسى إلى عاصمة الخلافة دمشق:
غادر ركب موسى وطارق بن زياد الأندلس في ذي الحجة عام 95هـ يحمل معه الأسرى والغنائم الوفيرة والهدايا الثمينة وغيرها من الكنوز، فلما بلغ طنجة ترك ابنه عبد الملك فيها حاكماً، ثم انصرف منها إلى القيروان فأقرّ ابنه عبدالله الذي كان قد استخلفه في أثناء غيابه في الأندلس ، ثم سار من هناك يريد دمشق فوصلها في عام 96هـ قبل وفاة الوليد وقيل إن سليمان بن عبد الملك بعث إلى موسى بن نصير أن لا يدخل دمشق يريد أن ينتظر وفاة أخيه الوليد بن عبد الملك ثم يدخلها، فتكون علامات الفتح ودلائل النصر من الأسرى والغنائم والهدايا فاتحة عهده فيعظم مقامه عند الناس ولكن موسى خالف سليمان ودخل، فلما ولى سليمان الخلافة حقد على موسى وعزله وحبسه وأغرمه أموالاً كثيرة ، ويبدو أن تدخل يزيد بن المهلب وعمر بن عبد العزيز لصالح موسى، لدى سليمان بن عبد الملك أثمر عن رضا سليمان عن موسى وأصبح فيما بعد عظيم المنزلة، وكان سليمان يستشيره في بعض الأمور العسكرية، كما هو الحال في الخطة العسكرية الواجب إتباعها في سير الحملة المتجهة إلى القسطنطينية كما أن سليمان كان يخرج إلى بعض أمواله متنزهاً وبرفقته موسى بن نصير ، ويبدو أن سعة البلاد التي صارت إلى نظر موسى وتحت سلطانه وكانت تمتد من غرب مصر إلى جنوب فرنسا، وقيام موسى بتوزيع الحكم فيها على أبنائه، كان مما يثير الشكوك في نفوس أولي الأمر، لذلك بادر سليمان حرصاً على وحدة الدولة وسلامتها من الإنقسام إلى عزل موسى بن نصير عما كانت تحت يده من الأعمال ، ومن الأسباب التي ذكرت في سبب استدعاء موسى إلى دمشق تخوف الوليد على المسلمين أن يكونوا في أرض منقطعة، ومحاطة بمناطق غير إسلامية وعلى اتصال بها، هي أقرب إليها من العالم الإسلامي أو مراكز ارتباطه واستمداده وهو الذي رأيناه عارض فتح الأندلس خوفاً على المسلمين أن يخوضوا المخاطر ويركبوا المهالك حتى بين له موسى ألا داعي للخوف ، ويرى الكثير من المؤرخين أن موسى بن نصير لم يكن يعتزم التوقف في فتوحاته عند هذا الحد وإنما كان يخطط لعبور جبال البرانس واجتياح أوربا كلها والوصول إلى القسطنطينية وفتحها من جهة الغرب لولا أن استدعاه الخليفة الوليد إلى دمشق وأمره بالتوقف بالفتح عند هذا الحد، ويؤكد المؤرخون أنه لو قد قدر لموسى بن نصير أن يمضي قدماً في مشروعه هذا لتغير شكل النظام الدولي تماماً ولقضى على القوى غير الإسلامية، ذلك أنهم باستقرائهم النظام الدولي وقتئذ فإنهم يؤكدون أن احتمالات نجاح مشروعه هذا كانت عالية جداً، إذا لم تكن الظروف مواتية لنجاحه مثلما كانت مواتية وقتها، فمملكة الفرنجة كانت مشغولة وقتها بصراعاتها مع الممالك الأخرى ولم يكن هناك كيان سياسي واحد في أوربا كلها يعادل قوة الدولة الإسلامية أو حتى بدايتها، ويشير هؤلاء المؤرخون إلى أنه لما قدر للمسلمين في هذه المنطقة قائد كفء بعد عشرين عاماً من ضياع هذه الفرصة كانت الظروف الدولية قد تغيرت لغير صالح المسلمين، فلما حاول هذا القائد إحياء مشروع موسى بن نصير هزم هزيمة ضخمة تدخل في تاريخ العلاقات الدولية بوصفها نقطة تحول وهي معركة بلاط الشهداء ، وقد تكرست الآثار السلبية لعدم استكمال موسى بن نصير لمشروعه بفشل حصار المسلمين للقسطنطينية بعد ذلك بسنوات قليلة وهو ما أغلق أوربا أمام المسلمين من الشرق بعد أن كانت قد أُغلقت أمامهم من الغرب، ولقد فشل المحللون في تفسير سبب استدعاء الخليفة الوليد لموسى بن نصير، فبعضهم قائل إنه أشفق على المسلمين من مخاطر هذا المشروع البحري، وبعضهم الآخر يؤكد أن الخليفة إنما خاف على سلطانه من تصاعد نفوذ وقوة موسى بن نصير وسواء صحت هذه التفسيرات أو أخطأت، فإن ما حدث بالفعل بعد استدعاء موسى بن نصير إلى دمشق، هو تقويض هدف مصيري للأمة أضاعت فيه فرصة ثمينة في فتح أوربا وجعلها تحت نفوذ الدولة الإسلامية .
10 ـ خاتمة موسى بن نصير وطارق بن زياد رحمهما الله تعالى:
تخبطت الروايات في الحديث عن نهاية موسى وما لقيه من الخليفة سليمان من الأذى والغمط والنكران وفي هذه الروايات غموض وتشويش وتناقض ومبالغات كبيرة ، والصحيح أن سليمان كان عاتباً على موسى، لأمر لا نستطيع تحديده على وجه الدقة ثم رضي عنه سليمان وقرّبه منه وأصبح من خاصته ، وكانت بينه وبين سليمان محاورات وتساؤلات فقد قال له سليمان يوماً: ما كنت تفزع إليه عند الحرب؟ قال الدعاء والصَّبْر، قال: فأي الخيل رأيت أصبر؟ قال:الشُقُر، قال: فأي الأمم أشدُّ قتالاً؟ قال: هم أكثر من أن أصف؟ قال: قال: فأخبرني عن الرُّوم، قال: أُسْدٌ في حصونهم عِقبان على خيولهم، نساء في مَراكبهم، إن رأَوا فرصة انتهزوها، وإن رأَوْا غلبة، فأُوعال تذهب في الجبال، لا يرون الهزيمة عاراً. قال: فالبربر؟ قال: هم أشبه العجم بالعرب لقاء ونجدة وصبراً وفروسية، غير أنهم أغدر الناس قال: فأهل الأندلس؟ قال: ملوك مترفون وفرسان لا يجبنون، قال: فالفرنج؟ قال: هناك العدد والجلد والشدة والبأس، قال: فكيف كانت الحرب بينكم وبينهم؟ قال: أمَّا وهذا فوالله ما هُزمت لي راية قط ولا بُدِّد لي جمع، ولا نُكب المسلمون معي منذ اقتحمت الأربعين إلى أن بلغت الثمانين، ولقد بعثت إلى الوليد بتور زبرجد كان يجعل فيه اللبن حتى ترى فيه الشعرة البيضاء ثم أخذ يُعدِّد ما أصاب من الجوهر والزبرجد حتى تحير سليمان ، وقد وصف الذهبي موسى بن نصر بقوله: الأمير الكبير، أبو عبد الرحمن اللخمي، متولي إقليم المغرب، وفاتح الأندلس، قيل: كان مولى امرأة من لخم، وقيل: ولاؤه لبني أمية. وكان أعرج مهيباً ذا رأي وحزم ، وكان من اصحاب الهمم الكبيرة فقد قال مرّة: والله لو انقاد الناس لي، لقدتهم حتى أُوقعهم على رُومية ثم ليفتحنها الله على يدي ، وكان موسى بن نصير بوسعه أن يستقل على الخلافة ويقيم ملكاً له ولأولاده في المغرب والأندلس، ولكن إيمانه العميق بتعاليم الإسلام وتمسكه والتزامه بها جعله لا يفكر بذلك حتى إن يزيد بن المهلب ابن أبي صفرة سأله عن ذلك فقال موسى: والله لو أردت ذلك ما نالوا من أطرافي طرفاً، ولكني آثرت الله ورسوله، ولم نر الخروج عن الطاعة والجماعة ، وقد توفي موسى بن نصير رحمه الله تعالى وهو متجه للحج برفقة الخليفة سليمان بن عبد الملك في المدينة المنورة ـ على سكانها أفضل الصلاة والسلام ـ أو في وادي القرى ((العُلا ، حاليا) أواخر سنة 97هـ وعمره ثمان وسبعون سنة أو يزيد (في سنة 97هـ) ، وقال صاحب معالم الإيمان: توفي بالمدينة متوجهاً إلى الحج وكان قد سأل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة أو يموت بالمدينة فأجاب الله دعاءه ، وصلى عليه مسلمة بن عبد الملك ، لقد كانت الدنيا وما فيها صغيرة ولا قيمة لها عند موسى بن نصير ويرجع الفضل في ذلك إلى الله ثم نصيحة العالم الجليل أبو عبد الله علي بن رباح اللخمي لموسى بن نصير، فقد أورد صاحب كتاب رياض النفوس أن موسى بن نصير لما وصل من الأندلس إلى القيروان قعد يوماً في مجلسه، فجاءه العرب يسلمون عليه، فلما احتفل المجلس قال: إنه قد صحبتني ثلاث نعم: أما واحدة فإن أمير المؤمنين كتب إلى يهنئني في كتابه وأمر بقراءة الكتاب، فهنيء بذلك وأما الثانية فإن كتاب ابني قدم علي بأنه فتح له بالأندلس فتح عظيم، وأمر بالكتاب فقريء فهنيء بذلك، وكان علي بن رباح ساكت فقال له موسى: مالك يا علي لا تتكلم؟ فقال: أصلح الله الأمير، قد قال القوم فقال: وقل أنت أيضاًَ. فقال: أنا أقول ـ وأنا أنصح القائلين لك ـ إنه ما من دار امتلأت حبرة إلا امتلأت عبرة، وما انتهى شيء إلا رجع، فارجع قبل أن يرجع بك، فانكسر موسى بن نصير وخشع وفرق جواري عدة.. وقال صاحب الرياض: ونفعه الله عز وجل بموعظة أبي عبد الله بن رباح، فصغرت عنده الدنيا وما فيها ونبذها وانخلع مما كان فيه من الإمارة ، فرضي الله عن التابعي الجليل، والإداري الحازم، والبطل المغوار، والقوي الأمين، القائد الفاتح، موسى بن نصير اللخمي الذي فتح المغرب الأقصى، واستعاد فتح المغرب الأوسط، وأنه دعم الفتح الإسلامي في الشمال الإفريقي وأنه فتح الأندلس وقسماً من جنوب فرنسا وأنه كان من أعظم قادة الفتح الإسلامي ، لقد مات موسى بن نصير بعد أن ملأ جهاده ـ بقيادة المد الإسلامي المبارك ـ وديان المغرب الإسلامي ((الشمال الإفريقي والأندلسي)) وجباله وسهوله وهضابه ووجه دعاة الحق لإسماع ساكنيه دعوة الإسلام الخالدة، فكانت سبباً في إخراجهم من الكفر إلى الإيمان، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الظلمات إلى النور، أما ترى معي موسى وهو يجوب الصحاري والوديان والسهول والجبال وقد سلخ من سني عمره خمساً وسبعين سنة ممتطياً جواده يتحرك في أعماقه إيمان بالله العلي القدير قد دفعه للجهاد والدعوة والعلم والتربية وأحكام أمور الدولة رغم ما علا رأسه من الشيب الوقور، منقاد لإصرار العقيدة السمحة، وهمة الإيمان الفتي ، التي كانت سبباً في كل خير أصاب المسلمين,
أما عن البطل الكبير طارق بن زياد، فلا نكاد نعرف عما حدث له بعد وصوله دمشق غير أن رواية تذكر رغبة سليمان في تولية طارق الأندلس ، وبعد ذلك قضى آخر أيامه مغموراً فهل عاد إلى المغرب والأندلس؟ أم بقي في دمشق ولا يستبعد أن يكون عاد إلى الأندلس أو المغرب ، كان طارق من البربر وعامّة جنوده كذلك، فيهم شجاعة وإقدام، فقد تربوا في أحضان الإسلام وعلى تعاليم القرآن الكريم وأصبحوا أصحاب رسالة خالدة صنعت منهم الأبطال، وقدموا في سبيل دينهم وعقيدتهم الغالي والنفيس، بل نجزم بأن الجيوش الإسلامية الضاربة التي اصطدمت بالأسبان اعتمدت بعد الله على إخواننا من البربر الذين اندفعوا خلف طارق في سبيل هذا الدين ونشره، إن العقيدة الإسلامية صهرت المنتسبين إليها عرباً وعجماً في رحاب الإسلام العظيم .
11 ـ الأندلس بعد موسى بن نصير:
تولى الأندلس منذ عودة موسى بن نصير إلى دمشق وحتى قيام الإمارة الأموية سنة 138 حوالي عشرين أميراً، كان أولهم عبد العزيز بن موسى بن نصير الذي ألقى أبوه بزمام الأندلس بين يديه، وكان خير خلف لخير سلف، فقط ضبط الأمور وسد الثغور وافتتح مدائن كثيرة وكان من خيرة الولاة ، ولكن لم تطل مدة عبد العزيز في حكم الأندلس، فقد قتله بعض جنده غيلة لأشياء ونقموها عليه، وكان ذلك في مستهل رجب سنة 97هـ ، وأعقب مقتل عبد العزيز بن موسى فترة من الاضطراب، ومكث أهل الأندلس شهوراً لا يجمعهم وال. حتى اجتمعوا على أيوب بن حبيب اللخمي ابن أخت موسى بن نصير ، وكان أيوب رجلاً صالحاً فاضلاً ولكن مدة ولايته لم تطل، ويبدو أن الناس هناك هم الذين نصبوه ليدبر الأمور حتى تعين الخلافة والياً من قبلها، وقد عينت الحر بن عبد الرحمن الثقفي الذي كان أهم أعماله نقل مقر إمارة الأندلس من اشبيلية ـ حيث كان يحكم عبد العزيز بن موسى ـ إلى قرطبة . كما كانت له غزوات تجاوز بها حدود بلاد الأندلس إلى بلاد الفرنجة ونواحي أربونة، فسبى وغنم وقفل بالأسارى والغنائم ، وقد أدى انشغال الحر الثقفي بالغزو في الشمال الشرقي إلى انتعاش حركة المقاومة المسيحية ـ في المنطقة التي لم يتمكن المسلمون من فتحها وهي المنطقة الشمالية الغربية بزعامة بلاي ، مما اضطره إلى العودة للقضاء على تلك المقاومة، وبينما هو مشغول بذلك عزله الخليفة عمر بن عبد العزيز 99 ـ 101هـ وعين مكانه السمح بن مالك الخولاني 100هـ ـ 102هـ .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق