إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 24 مايو 2014

239 الدولة الأموية عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار الفصل الثامن الفتوحات الإسلامية في عهد عبد الملك والوليد وسليمان المبحث الأول : الفتوحات في بلاد الروم: ثانياً : سليمان بن عبد الملك وحصاره للقسطنطينية:



239


الدولة الأموية

عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار

الفصل الثامن

الفتوحات الإسلامية في عهد عبد الملك والوليد وسليمان

المبحث الأول : الفتوحات في بلاد الروم:

ثانياً : سليمان بن عبد الملك وحصاره للقسطنطينية:

يبدو أن اهتمام الخلفاء بفتح القسطنطينية، إنما يرجع لرغبتهم الشديدة في أن يكونوا المقصدوين بقوله عليه الصلاة والسلام: لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش ، ويضاف إلى ذلك رغبة سليمان الشديدة، في وضع حد للهجمات البيزنطية المتكررة على الشواطئ الشامية والمصرية، والتي من شأنها بث حالة من عدم الاستقرار في تلك النواحي وبالتالي المساس بسيادة الدولة الإسلامية، فقد هاجم البيزنطيون ساحل جند حمص، وسبوا ((امرأة وجماعة))، وللمرأة فيهم ذكر إذ ذاك، فغضب سليمان وقال: ما هو إلا هذا نغزوهم ويغزوننا والله لأغزونهم غزوة أفتح فيها القسطنطينية، أو أموت دون ذلك .
1 ـ الاستعداد للحملة:
شملت الاستعدادات للحملة معظم العالم الإسلامي، فقد ضمت الحملة البرية نحو مائةً وعشرون ألفاً من الشام والجزيرة والموصل وضمت الحملة البحرية ألف مركب من أهل مصر وإفريقيا ويبدو أن تقدير المسلمين بحصانة القسطنطينية، وطول أمد الحرب، تقدير سليم وقوي، حيث أنهم أدركوا أن حصارها يتطلب قوات كبيرة ووقتاً طويلاً وأسلحة متنوعة لذلك جمعوا: آلات الحرب للصيف والشتاء والمجانيق والنفط وغير ذلك .
2 ـ سير الحملة:
    تجاذبت قادة المسلمين العسكريين خطتان حول سير الحملة، الأولى طرحها موسى بن النصير، وفحواها أن على المسلمين احتلال المدن والحصون التي دون القسطنطينية، لتجريدها من المواقع الحصينة المحدقة بمسالكها، والتي قد تعيق حركة الجيش الإسلامي، ويستمر الأمر بهذه الخطة حتى تفتح القسطنطينية، وأما الخطة الثانية، فطرحها مسلمة بن عبد الملك والذي ارتأى أن إتباع خطة موسى، يحتاج إلى أمد بعيد جداً حتى يتحقق حصار القسطنطينية، وفتحها، لذلك أشار بضرورة التوجه مباشرة إلى القسطنطينية دون التعرض للمدن والحصون المحدقة بجانبي الطريق إلا ما كان ضرورياً، ويبدو أن رأي مسلمة لقي قبولاً لدى الخليفة ومستشاريه العسكريين لذلك تقرر سير الحملة حسب خطته ، وسار سليمان من القدس إلى دمشق ومضى حتى نزل دابق ، وأقسم ألا ينتقل منها حتى يفتح القسطنطينية، فأقام بها ، وفي سنة 98هـ تحركت الحملة بقيادة مسلمة بن عبد الملك من سوريا براً، وبحراً باتجاه القسطنطينية واستمر مسلمة في سيره ووصلت الحملة البرية القسطنطينية عام 98هـ ووصلها الأسطول في عام 99هـ، وضرب المسلمون الحصار على المدينة، وقاتلوا الروم قتالاً شديداً واستبسلوا في جهادهم، ورغم المصابرة التي استمرت قرابة سنة، فإن المحاولة فشلت وخسر المسلمون خسارة كبيرة في العدد والعدة ، وقد وصفت المصادر الإسلامية الحالة السيئة، التي آل إليها الجيش الإسلامي في الفترة الأخيرة من الحصار، فالبسوي يقول: وقد كان الناس لقوا جهداً من القسطنطينية من الجوع ، ويقول الطبري: فلقي الجند ما لم يلق جيش، حتى أن كان الرجل ليخاف أن يخرج من العسكر وحده، وأكل الدواب والجلود وأصول الشجر والورق وكل شيء غير التراب ، كما أن البيزنطيين داخل القسطنطينية كانوا في حالة سيئة أيضاً ولعل من الشواهد التاريخية على ذلك ما يأتي:
أ ـ إن مخاطرة السفن البيزنطية في الخروج لجلب القمح من شواطئ البحر الأسود وخروج المراكب الصغيرة لجلب الطعام، وصيد الأسماك، دليل قوي على الضنك الاقتصادي عند أهل القسطنطينية بالرغم من إنكسار حدة القتال.
ب ـ سعي البيزنطيين إلى عقد صلح مع مسلمة، حيث عرض بطريقهم، دفع دينار عن كل رجل محتلم في القسطنطينية دليل، آخر على سوء الأوضاع الداخلية.
ج ـ الصلح الذي تم إبرامه بين المسلمين والبيزنطيين، قبيل إنسحاب الجيش الإسلامي، وتعهد البيزنطيين بموجبه المحافظة على المسجد الذي بناه مسلمة .
3 ـ انسحاب الجيش الإسلامي:
    لما مات سليمان بن عبد الملك تولى عمر بن عبد العزيز أمر الخلافة، فوجه إلى مسلمة وهو محاصر للقسطنطينية وأمره بالقفول منها بمن معه من المسلمين، ووجه إليه خيلاً عتاقاً وطعاماً كثيراً وحث الناس على معونتهم، وكان عدد الخيل التي وجهها لمسلمة خمسمائة فرس ، لأنه كان قد أصاب المسلمين مجاعة فقواهم بذلك ، وكان قرار عمر بن عبد العزيز بانسحاب مسلمة حصيفاً صائباً، لا لأنَّ عمر غير مبال إلى حروب الفتح والاستيلاء  بل لأنّ موقف المسلمين المحاصرين للقسطنطينية كان ميئوساً منه، فأمر بانسحابهم حقناً لدمائهم، بعد أن بلغ بهم الجهد ، إذ لم يغفل عمر أبداً عن غزو الروم دفاعاً عن حدود أرض الشام الشمالية الغربية  لقد أحسن عمر بن عبد العزيز في قراره بانسحاب المسلمين عن القسطنطينية، لأن الموقف العسكري كان يتطلب إصدار مثل هذا القرار، ولو كانت كفة المسلمين راجحة في حينه لكان من المستحيل عليه الأمر بانسحاب المسلمين، ولكن هناك مسوِّغ للإدعاء بأن عمر بن عبد العزيز غير ميال لحروب الفتح دون تمحيص للموقف العسكري الراهن .
4 ـ أسباب فشل الحملة:
أ ـ غدر وخيانة: تناولت الأخبار غزوة القسطنطينية وذكرت أن ليو حاكم ـ بطريق ـ عمورية اتصل بسليمان بن عبد الملك وحرّضه على حرب تيودوسيوس ـ تيدوس ـ ووعد ليون سليمان أن يقف إلى جانب المسلمين ويسلمَّهم أرض الروم، وقيل الذي عرض التحالف على الآخر هو سليمان بن عبد الملك، وقيل مسلمة بن عبد الملك عرض ذلك أثناء حصار القسطنطينية وهو يتظاهر أمام مسلمة أنه يحاول إقناعهم في النزول على رغبة مسلمة، وكان مسلمة حسب هذه الأخبار طلب إليهم ليرحل عنهم أن يملَّكوا حليفه ليو عليهم، وأما ليو فكان في حقيقة الحال يطلب الملك لنفسه ويريد أن ينقذ البلد من خطر المسلمين، ولما أطمأن الأساقفة والبطارقة إليه وحلف لهم انقادوا له واستوى له الأمر، فخرج إلى مسلمة وأشار عليه أن يحرق ما عنده من الطعام لييأسوا من المطاولة ويصح عندهم عزم مسلمة على المناجزة فيعطوا ما بأيديهم، وقيل أشار عليه أيضاً أن يأذن لأهل القسطنطينية لليلة واحدة أن يحملوا مما عنده من الغلال ليروا حسن رأيه فيهم وأن أمره وأمر ليو واحد وانطلت الخديعة على مسلمة وأطاع ليو، وأما ليو فقد استولى على الحكم وأعلن الحرب على مسلمة في الوقت الذي صار مسلمة في حال لا يحسد عليه من سوء الأحوال الجوية وقلة الميرة لجنده حتى لقوا من الشدة ما لم يلق أحد قط، واضطروا إلى أكل الدواب والجلود والميتة وأصول الشجر وغير ذلك ، وخلاصة القول، أن هذه الأخبار تلقي مسئولية الفشل على عاتق مسلمة بن عبد الملك الذي كان عندها شجاعاً فحسب ولم يكن من ذوي الرأي والبصيرة في الحرب، ولم يكن له رأي فيها يرجع إليه ، ولو صدقنا هذه الأخبار لكانت الدولة أي سليمان بن عبد الملك ابتداء، ومسلمة بن عبد الملك قائد الجيوش تالياً ربطا مصير فتح القسطنطينية ومصير الجند المسلمين هناك بوعود شخص هو ليو مظنة كذب وخديعة، وهو حال يتناقض واستعدادات الدولة في هذا الوجه ، وقد علق الأستاذ محمود شيت خطاب على حصار القسطنطينية فقال: وإذا كان هناك ما يلام عليه مسلمة في معركة حصار القسطنطينية فهو عدم استفادته كما ينبغي من الصفة الأولى من صفات حصار ((القسطنطينية)) وهي صفة ((المبادرة)) في التركيز بالهجوم على المدينة المحاصرة وإدامة زخم الهجوم عليها أولاً، وثقته غير المحدودة بحليفه ((ليو)) لأن الذي يخون بلاده وقومه أولى به أن يخون غير بلاده وغير قومه، فكانت هذه الثقة العمياء في هذا العميل لا مسوِّغ لها ثانياً، فالحرب من القضايا المصيرية، ولا بدّ من إدخال أسوأ الاحتمالات في كلِّ ما يؤَّثر في نتائجها من قريب أو بعيد .
ب ـ ضراوة الشتاء: بخصوص ضراوة الشتاء عام 99هـ قيل أن الثلج غطى وجه الأرض، وهلك فيه كثير مما كان مع المسلمين من الجمال والخيل والبغال ولابدّ أن المسلمين في هذه الأحوال الجوية القاسية أتوا على أكثر ما كان معهم من الطعام وأصبحوا في نقص من الميرة وعضّهم الجوع، ولذلك قيل، استطاع ليو أن يفخر بأن ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) كانوا أعظم قواده .
ت ـ مناعة أسوار المدينة وتحصيناتها الدفاعية:
    أخذ حكام بيزنطة في تحصين أسوار القسطنطينية وتسليحها بالمجانيق، منذ علموا بعزم المسلمين على غزوها، وزادها ليو الذي تقلد الحكم فيها زمن الحصار تحصناً، وأمر حكام بيزنطة بتخزين الطعام بالقدر الذي يكفي أهلها لثلاث سنوات ومنعوهم من أن يغادروها .
ج ـ استخدام سلاح جديد ضد المسلمين: ((النار الإغريقية)):
    استخدم البيزنطيون النار اليونانية فأثرت في جيش المسلمين وكبّدتهم خسائر في الأرواح والسفن والمعدات وتاريخ الحرب في جميع العصور يقرر إن من أهم أسباب عوامل النصر هو استخدام سلاح فتاك جديد لا يتوقعه الخصم أو استخدام أسلوب قتالي جديد لا يتوقعه الخصم، أو إستعمالهما معاً في الزمن والمكان المناسبين بشكل لا يتوقعه الخصم، وكل ذلك يباغت هذا الخصم ويربك قيادته وخطته المرسومة والمباغتة كما هو معروف هي أهم مبادئ الحرب على  الإطلاق ومن الإنصاف أن نضيف إلى عوامل انتصار الروم في الدفاع عن القسطنطينية عاملاً آخر هو: كفاية (ليو الثالث) المتميزة في القيادة، وتشبعه بمزية إرادة القتال .
س ـ التيارات المائية: واجه المسلمون في البحر صعوبات كثيرة فقد جعلت التيارات المائية المنحدرة من البحر الأسود إلى بحر مرمرة حركة السفن الإسلامية بطيئة، وأدى تغير الريح إلى اضطرابها، ونالت النار الإغريقية منها وألحقت بها أضراراً كثيرة .
ش ـ المصالحة بين البيزنطيين والبلغار والخزز:
    صالح ليو الحاكم البيزنطي إعداءه الخارجين عليه من الخزر والبلغار، وبذلك ضمن الجبهة الشمالية مما جعله يصب جل إهتمامه على القوات الإسلامية لغرض تدميرها وإيقاف زحفها على المدينة .
ك ـ الاستعجال وعدم التريث:
    ويبدو أن المسلمين لو تريثوا حتى أتموا فتح البر الآسيوي البيزنطي، ثم تقدموا إلى القسطنطينية من مواقع مجاورة وبأحوال جوية مماثلة ومألوفة للمقاتلة وخطوط ومواصلات قصيرة وإمدادات قريبة وأعداد بشرية كثيرة فربما وجدوا المهمة أيسر، ولكنهم عمدوا إلى صقع من البلاد في محيط من الأعداء حصين وبعيد فاستعصى عليهم .
و ـ ضعف خبرة مسلمة العسكرية:
    كان مسلمة بن عبد الملك القائد الأموى في حصار القسطنطينية صغيراً في السن واقل تجربة من عظماء الفتح الإسلامي في ذلك العهد مما أثر في فشل الحصار.
5 ـ نتائج الحملة: ترتب على حملة القسطنطينية العديد من النتائج ولعل من أبرزها ما يلي:
أ ـ تأكد للمسلمين أنهم لا يستطيعون فتح القسطنطينية دون فتح المناطق المجاورة لها، وتثبيت أقدامهم فيها حتى تكون عوناً لهم، لا عليهم في حالة حصار القسطنطينية، وبالرغم من ذلك فقد كانت للمسلمين سيطرة واضحة على العديد من موانئ البحر الأبيض المتوسط خاصة في حوضه الغربي.
ب ـ تخلي أباطرة البيزنطيين عن فكرة استعادة شمال إفريقيا، وعدوا الدفاع عن هذه المنطقة في المرتبة الثانية، بعد الدفاع عن عاصمتهم، وبالتالي أصبحت منطقة شمال إفريقيا ركناً هاماً من أركان الدولة الإسلامية قوية الأوتاد .
جـ ـ ولعل من أهم النتائج المباشرة لغزو القسطنطينية، ازدياد نشاط الأسطول البيزنطي في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط فقد هاجم البيزنطيون بالإغارة على تِنِّيْس  في خلافة يزيد بن عبد الملك .
6 ـ من خطب عبد الملك في التحريض على قتال الروم: وفي عهد عبد الملك عندما علم بتحرك الروم بأرض القسطنطينية وغيرها من بلاد الروم على غزو المسلمين ومفاجأتهم نادى بالنفير العام وحين اجتمع لديه جند المسلمين قام فيهم محرضاً فقال لهم بعد أن حمد الله عز وجل وأثنى عليه: أيها الناس إنكم قد علمتم ما ذكر الله عز وجل في كتابه من فضل الجهاد وما وعد الله عليه من الثواب ألا وأني قد عزمت أن أغزو بكم غزوة شريفة على أليون صاحب الروم فإنه طغى وبغى وقد بلغني أنه قد جمع للمسلمين جموعاً كثيرة وعزم على غزوكم ومفاجأتكم في دياركم وقد علمت أن الله تعالى مهلكه ومبدد شمله وجاعل دائر السوء عليه وعلى أصحابه وقد جمعتكم من كل بلد وأنتم أهل البأس والنجدة، والشجاعة والشدة وأنتم من قام لله بحقه ولدينه بنصرته وهذا ابني مسلمة وقد أمرته عليكم، فاستمعوا له وأطيعوا يوفقكم الله ويرشدكم لصالح الأمور فقال الناس جميعاً سمعاً وطاعة يا أمير المؤمنين ، وعندما سير عبد الملك بن مروان ابنه مسلمة لمحاربة الروم أوصاه بالعسكر بقوله: فكن يا بنيَّ بالمسلمين باراً رحيماً وأميراً حليماً ولا تكن عنيداً كفوراً ولا مختالاً فخوراً ، كما أوصى عبد الملك قائداً آخر سيره إلى أرض الروم: أنت تاجر الله لعباده فكن كالمضارب الكيس الذي إن وجد ربحاً تاجر، وإلا احتفظ برأس المال ولا تطلب الغنيمة حتى تحرز السلامة وكن من احتيالك على عدوك أشد حذراً من احتيال عدوك عليك .
7 ـ من أشهر قادة المسلمين ضد الروم: مسلمة بن عبد الملك:
    مسلمة بن عبد الملك الأمير الضرغام، قائد الجيوش، أبو سعيد الأموي الدمشقي، ويلقب بالجرادة الصفراء ، له مواقف مشهودة مع الروم، وهو الذي غزا القسطنطينية وكان ميمون النقيبة، وقد ولى العراق لأخيه يزيد ثم أرمينية ، قال عنه الذهبي: كان أولى بالخلافة من سائر أخوته ، وقد ظهرت مزايا مسلمة وألمعيته مبكراً وهو صغير السن، فركز أبوه عبد الملك عليه وبخاصة في وصيته أبناءه وبنيه وهو على فراش الموت فقال فيه:.. وانظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه، فإنه نابكم الذي عنه تفترون ومِجّنَّكم الذي عنه ترمون . فهو قائد من قواد الفكر وقائد من قادة الجهاد بالنسبة لبني أمية، لا يخالفون له رأياً، ولا يعصون له أمراً، ويلجأون إليه في أيام المحن والحروب ، ومسلمة هذا عُرف في التاريخ مع قصة صاحب النقب، حيث حاصر مسلمة حصناً، فندب الناس إلى نَقْب منه، فما دخله أحد فجاء رجل من عُرض الجيش، فدخله ففتحه الله عليهم: فنادى مسلمة: ((أين صاحب النِّقب؟)) فما جاء أحد. فنادى: إني قد أمرت الأذن بإدخاله ساعة يأتي، فعزمت عليه إلا جاءا فجاء رجل فقال: استأذن لي على الأمير. فقال له: أنت صاحب النِّقب؟ قال: أنا أخبركم عنه، فأتى مسلمة فأخبره عنه، فإذن له، فقال: إن صاحب النِّقب يأخذ عليكم ثلاثاً: ألا تسودوا إسمه في صحيفة إلى الخليفة، ولا تأمروا له بشيء، ولا تسألوه: ممن هو؟ قال مسلمة: فذاك له، قال: ((أنا هو)). فكان مسلمة لا يصلي بعدها إلا قال: اللهم أجعلني مع صاحب النقِّب . وكان مسلمة في جهاده يحرص على سلامة جنده وفي قتاله للخزر، تكالب عليه الأعداء مما اضطره إلى خداعهم بإشعال النيران ليوهمهم بمكوثه وجعل خيامه مضروبة بعد العشاء الآخرة جعل مسلمة يطوي المراحل طياً في العودة فقد جعل كل مرحلتين في مرحلة غير أنه قدم الضعفاء بين يديه واهتم بهم وجعل الأقوياء أهل الجلد والشجاعة على الساقة، فلم يزل كذلك حتى جاوز الخطر . وكان يمقت العجز ويمدح الحزم، فقد قال: ما حمدت نفسي على ظفر ابتدأته بعجز ولا ذممتهما على مكروه ابتدأته بحزم ، ومن أقواله في الزهد: إن اقل الناس هماً في الدنيا أقلهم هماً في الآخرة . وكانت تجربته العملية غنية إلى أبعد الحدود، فقد شهد كيف تدار الدولة على أعلى المستويات مع أبيه عبد الملك بن مروان ومع إخوته من بعده، وكان الخلفاء من إخوته يحرصون على أن يبقى إلى جانبهم مستشاراً يتعلمون منه أكثر مما يتعلم منهم إلا إذا حزبهم أمر يهدد أمن الدولة ومصيرها تهديداً خطيراً، فيبعثونه، ليقضي على الثورات، وليقمع الإضطرابات، وليعيد الأمن والاستقرار . وكان مسلمة مخلصاً غاية الإخلاص لبني أمية ويدين بالولاء المطلق للخلفاء، ولم يكن يطمح لتولي الخلافة لأن بني أمية لم يكونوا يبايعون لبني أمهات الأولاد، ولم يكن لعبد الملك بن مروان ابن أسدَّ راياً ولا أذكى عقلاً، وأشجع قلباً، وأسمح نفساً ولا أسخى كفاً من مسلمة، وإنما تركوه لهذا المعنى . وكانت بني أمية لا تستخلف بني الإماء، وقالوا: لا تصلح لهم العرب . ولم يكن لمسلمة أمل في تولي الخلافة مع أنه ـ كما قال الذهبي ـ: كان أحق بالملك من سائر إخوته . وكان ذا عقل راجح ورأي سديد يحولان بينه وبين مغامرة تشق صفوف المسلمين، وكان بحق من أكثر الناس حرصاً على رص الصفوف والوحدة، كما أنه كان يعتبر الخلافة (وسيلة) من أجل خدمة الأمة لا (غاية) من أجل أطماع شخصية، وأمجاد أنانية، وهو بحق خدم الأمة أجل الخدمات، وبذلك حقق (الوسيلة) واستغنى عن (الغاية) ، وكان رحمه الله جميل الصورة حسن الوجه صبيحاً، من أجمل الناس وهو معدود من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الشام ، توفي 120هـ .
8 ـ أبو محمد البطال: كان من أبطال المسلمين وأمرائهم الشاميين وكان مع جيش مسلمة بن عبد الملك وكان مقره بإنطاكية أوطأ الروم خوفاً وذلاً. ولكن كذب عليه أشياء مستحيلة في سيرته الموضوعة، وعن عبد الملك بن مروان أنه أوصى مسلمة أن صير على طلائعك البطال ومره فليعس بالليل، فإنه أمير شجاع مقدام ، وعقد مسلمة للبطال على عشرة آلاف وجعلهم طلائع للجيش ، ومن نوادر ما يحكى عن البطال أنه قال: اتفق لي إنا أتينا قرية لنغير، فإذا بيت فيه سراج وطفل صغير يبكي، فقالت أمه أسكت، أو لأدفعنك إلى البطال فبكى وقالت: خذه يا بطال فقلت: هاتيه: وجرت له أعاجيب وفي الآخر أصبح في معركة مثخوناً وبه رمق فجاء الملك ليون، فقال: أبا يحي، كيف رأيت؟ قال: وما رأيت؟ كذلك الأبطال تقتل ولا تُقتل، فقال: عليَّ بالأطباء، فأتوا فوجوده قد أنفذت مقاتله،، فقال: هل لك حاجة؟ قال: تأمر من يثبت معي بولايتي وكفني والصلاة عليَّ ثم تطلقهم، ففعل، قتل 112هـ وقيل 113هـ . قال عنه ابن العماد:.. وله حروب ومواقف ولكن كذبوا عليه، فأفرطوا، ووضعوا له سيرة كبيرة، تقرأ كل وقت، يزيد فيها من لا يستحي من الكذب
9 ـ عامر الشعبي سفير عبد الملك لعظيم الروم:
    وجه عبد الملك بن مروان الشعبي إلى ملك الروم ـ يعني رسولاً ـ فلما انصرف من عنده قال: يا شعبي، أتدري ما كتب به إليّ ملك الروم؟ قال: وما كتب به يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت أتعجب لأهل ديانتك، كيف لم يستخلفوا عليهم رسولك. قلت: يا أمير المؤمنين لأنه رآني ولم يرك، وفي رواية: يا شعبي، إنما أراد أن يغريني بقتلك. وبلغ ذلك ملك الروم فقال لله أبوه، والله ما أردت إلا ذاك . وفي هذا ما يدل على أن الروم لم تكن نياتهم سليمة مع المسلمين حتى في زمن السلم والمراسلات وعقود الصلح، وأنهم يستخدمون الكيد والمكر لشق الصفوف، والتخلص من الأفذاذ.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق