221
الدولة الأموية
عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار
الفصل السابع
عهد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان دون الفتوحات
المبحث الثالث: النظام الإداري في عهد عبد الملك:
أولاً: الدواوين:
1 ـ ديوان الرسائل: وقد تطور هذا الديوان كثيراً في عهد عبد الملك وازدادت أهميته بشكل واضح ولا سيما أثناء ولاية الحجاج للعراق، نظراً للمستجدات السياسية والعسكرية ووجود المتمردين والخارجين على الدولة، مما استوجب متابعة أخبارهم، فكان الخليفة عبد الملك يكتب للحجاج بشأنهم، مما كان باعثاً مهماً لازدهار ديوان الرسائل والكتابة، فكانت هذه الرسائل تصدر من الديوان بشكل مستمر إلى من يهمه الأمر لمعالجة أوضاع تلك الإضطرابات ، حيث أن الخليفة عبد الملك كان غالباً ما يلجأ إلى المكاتبات السياسية في محاولة منه أن يفت في عضد قادة الحركات فقد راسل وقبل اجتماع الأمة عليه ـ مصعب بن الزبير، وابن الأشتر ، كما كان يرسل التوجيهات الإدارية والعسكرية إلى ولاته وقادته، وكان من الطبيعي أن تزداد مراسلات الحجاج إلى ولاته وقادته ومراسلاتهم إليه كالمهلب بن أبي صفرة مثلاً ، ويلاحظ كثرة التواقيع ، في مراسلات الخليفة عبد الملك مع الحجاج بن يوسف الثقفي والتي تؤكد أهمية ديوان الرسائل وتطوره، وتوضح في جانب منها طبيعة سياسة الخليفة الإدارية فوقع مثلاً في كتاب أرسله إلى الحجاج: جنبني دماء بن عبد المطلب فليس فيها شفاء من الطلب ، وجاء في كتاب للحجاج: أرفق بهم فإنه لا يكون مع الرفق ما تكره ومع الخرق ما تحب ، ونظرا لأهمية الرسائل فإن الخليفة عبد الملك بن مروان، وكذلك الحجاج لم يستخدما في هذا الديوان إلا من هو موضع ثقة وأمانة وإخلاص كما اُختير الكتاب الحاذقون الذين يجمعون بين الخبرة الإدارية وفي كتابة الرسائل وإجادة أسلوب المخاطبة، ومن اشهر من استخدمهم الخليفة عبد الملك قبيصة بن ذؤيب، وبلغ من علو مكانته انه كان يطلع على الكتب الواردة إلى الخليفة قبل أن يعرضها على الخليفة نفسه ومن كتابه المشهورين روح بن زنباع الجذامي، وكان روح هذا على جانب كبير من العلم والأمانة إذ كان يقول فيه عبد الملك: ما أعطى أحد ما أعطى أبو زرعة ـ وكانت كنيته: أعطى فقه الحجاز، ودهاء أهل العراق، وطاعة أهل الشام ، والحق أن عبد الملك سلسل الأمور في أعمال الدولة تسلسلاً دقيقاً ووضع في ديوان الرسائل موظفين عارفين، وعلى رأسهم مستشاره الخاص، يستشيره في الرسائل التي يرسلها إلى الأقطار والتي ترد منها .
2 ـ ديوان العطاء: أدرك الخليفة عبد الملك بن مروان أهمية العطاء وبدأ العطاء في عهده يرتبط بشكل واضح بالنواحي العسكرية والسياسية ففي سنة 69 هـ ، خرج عبد الملك لقتال مصعب بن الزبير، فتخلف بعض من أهل الشام عن الخروج معه، فأخذ خمس أموالهم من عطاء سنة 70 هـ على الرغم من حبه العميق لهم ، كما كان عبد الملك يضطر أحياناً وتحت ضغط الظروف إلى زيادة العطاء أو إدخال أناس آخرين في الديوان، كما فعل حين تمرد الجراجمة في لبنان، إذ أعلن قائده سحيم بن المهاجر على لسان الخليفة: من أتانا من العبيد فهو حر ويثبت في الديوان، فانفض إليه خلق كثير ، كما استخدم سلاح زيادة العطاء أيضاً ضد عبد الله بن الزبير، حينما نادى الحجاج جنده قائلاً: يا أهل الشام قاتلوا على أعطيات عبد الملك ، وقد حدث تطور مهم لديوان الجند في عهد عبد الملك في العراق خاصة وذلك حينما بدأ الجند يتقاعسون عن الخروج لقتال الخوارج فعين عبد الملك الحجاج على العراق، وأمره أن يعيد تنظيم ديوان الجند، وتنظيم العطاء فيه على أساس المقدرة والكفاءة، فأعاد الحجاج تنظيم ذلك على أسس دقيقة ، ثم أمر بإعطاء الناس عطاءهم والتوجه لجبهات القتال، وتوعد المتخلفين منهم بالموت ، كما لم يقبل إعفاء جندي من الخروج للقتال مقابل تركه عطاءه ، وقد استخدم الخليفة عبد الملك العطاء وسيلة للقضاء على الفتنة، فقد كتب يوماً إلى الحجاج، أن يصف له الفتنة فوصفها له: فكتب إليه عبد الملك: فإن أردت أن يستقيم لك من قبلك فخذهم بالجماعة وأعطهم عطاء الفرقة ، وكان الحجاج يصرف العطاء بأكمله لجنده في أوقات الأزمات السياسية أو الاستعداد للقتال، كما فعل حينما أعطى الناس اعطياتهم كاملة عند تجهيز جيش الطواويس لقتال رتبيل ، ومن ناحية أخرى، فإن الخليفة عبد الملك بن مروان، كان يكرم من أسدى خدمة عسكرية للدولة أو أظهر بطولة وشجاعة في جبهات القتال، فقد كرّم موسى بن نصير حينما حرر إفريقية سنة 83هـ ، كما كرّم الحجاج المهلب بن أبي صفرة وأصحابه لجهودهم في القضاء على الخوارج الأزارقة، إذ: أحسن عطاياهم وزاد في أعطياتهم ثم قال: هؤلاء أصحاب الفعال وأحق بالأموال هؤلاء حماة الثغور وغيظ الأعداء ، وأما إدارة هذا الديوان، فكان من أشهر من تولاه للخليفة عبد الملك بن مروان هو سرجون بن منصور الذي تولى ديواني الجند والخراج في دمشق ، ثم عزله الخليفة وعين بدله: سليمان بن سعد الخشني .
3 ـ ديوان الخراج: كما ذكرنا قبل قليل، أن سرجون بن منصور كان قد تولى إدارة ديوان الخراج والجند على عهد الخليفة عبد الملك ، ثم عزله وعين بدله: سليمان بن سعد الخشني ، وكان يساعد صاحب الخراج عدد غير قليل من الكتّاب والموظفين، إذ كان بديوان خراج مصر حوالي أربعة وأربعين موظفاً ، ويبدو أن متولى الخراج كان يحصل على أموال طائلة من عمله، مثل ((اثيناس)) متولي الخراج في مصر على عهد عبد الملك، حيث كان واسع السلطات عظيم النفوذ ، وكان اشهر من تولى ديوان خراج العراق هو (زادان فروخ) ثم صالح بن عبد الرحمن .
4 ـ ديوان الخاتم: في عصر الخليفة عبد الملك بن مروان تطور ديوان الخاتم فأصبح إدارة منظمة، كما نشأت في هذه الفترة دار للمحفوظات الحكومية في دمشق ، ومن المحتمل إن هذا الديوان لم يقتصر على العاصمة دمشق، بل ربما وجد في باقي الولايات خصوصاً بعد التنظيم الإداري الواسع الذي قام به الخليفة عبد الملك بن مروان، وكذلك لكثرة المراسلات مع الولايات المختلفة وأهميتها السياسية ولا سيما مع العراق، وكان الخليفة عبد الملك لا يولي هذا الديوان إلا أوثق الناس عنده .
5 ـ ديوان الطراز: يراد بالطراز في الأصل التطريز، ثم أصبح يدل على ملابس الخليفة أو الأمير ورجال حاشيته، لا سيما إذا كان فيها شيء من التطريز وعليه أشرطة من الكتابة، ثم اتسع مدلول الطراز، فأصبح يطلق على المصنع والمكان، الذي تصنع فيه مثل هذه المنسوجات ، وفي العصر الأموي ارتفع المستوى المعاشي، فزادت عناية الناس بمظاهر الترف والأبهة، لذلك أنشأ الأمويون عدداً من المصانع عرفت بدور الطراز ، وقد أهتم الخليفة عبد الملك بن مروان بالطراز، فنظمت صناعته بشكل واسع وأصبح أساساً لما حدث من نهضة في صناعة النسيج وبخاصة زمن الخليفة سليمان بن عبد الملك .
6 ـ ديوان البريد: عندما تولى الخلافة عبد الملك طوّر الأجهزة التي تساعده على جمع المعلومات ولذلك اعتنى بشكل كبير بالبريد بوصفه وسيلة مهمة من وسائل ضبط دولته وانتظام أمورها، فطوّره ونظمه وأرسى قواعده ، فلم يعد وسيلة لنقل الأخبار والرسائل بين العاصمة والولايات وبطريقة تبادل الخيل وحسب، بل أصبح وسيلة مهمة في العمليات العسكرية، ونقل الأشخاص المهمين والمواد المختلفة، باستخدام الرحلات السريعة والمنظمة، كما أصبح عيناً للخليفة في نقل أخبار الإقليم والعمال وشكاوي الناس من عمالهم وموظفي الدولة هناك، ومن أجل تسهيل عمل البريد وانتظامه وسرعته، قام الخليفة عبد الملك بن مروان بتنظيم طرق البريد، وتحديدها وتثبيتها، فقام ببناء الأميال في الطرقات ، كعلامات دلالة للطرق وتحديد مسافاتها، ومما يؤكد ذلك، ما وصل ألينا من نقوش معاصرة للخليفة عبد الملك، كشفت بالقرب من بيت المقدس تشير إلى أوامره بعمل هذه الأميال ، فقد بذل الخليفة عبد الملك عناية فائقة في تنظيم الطرق وصيانتها، فأصبحت تخترق الدولة طرق عديدة أقيمت على طولها محطات للبريد ، وقد أفاد الخليفة عبد الملك فائدة كبيرة من البريد خصوصاً في الجوانب العسكرية، سواء كان ذلك بإرسال الجند، والإمدادات والأوامر إلى قادة جنده، أو في نقل أخبار المعارك والتحركات العسكرية إليه ، وإدراكاً من الخليفة عبد الملك لأهمية البريد وكسباً للوقت فقد جعل على هذا الديوان أخص خاصته وهو قبيصة بن ذؤيب: وأمر بألا يحجب أي ساعة جاء من ليل أو نهار ، وتأكيداً لذلك فقد منع عبد الملك حاجبه أن يحجب صاحب البريد، قائلاً له: وليتك ما خلف بابي إلا أربعة... والبريد متى جاء من ليل أو نهار فلا يحجب، وربما أفسد على القوم تدبير سنتهم ، حبسهم البريد ساعة ، ونتيجة ذلك أن انتظم البريد وأصبح الخليفة يطلع بشكل يومي على تفاصيل الأحداث ، وقد استخدم البريد في عصر عبد الملك أيضاً في حمل الأشخاص ومن مختلف المستويات كالولاة والكتاب والشعراء وغيرهم، كما حمل كتب التأييد والرضا عن الخليفة من الأشخاص المهمين ، وكان الحجّاج هو أيضاً دائم الصلة بقواده في جبهات القتال، ويتسمع أخبارهم بواسطة البريد، فكانت كتب الحجّاج ترد على محمد بن القاسم الثقفي، وكتب محمد ترد عليه بصفة ما قبله واستطلاع رأيه فيما يعمل به في كل ثلاث أيام ووصول الكتب بهذه السرعة يدل على التنظيم الرائع للبريد ، ومن وسائل الاتصال والمخابرة الجديدة التي استخدمها الحجّاج في الأحوال العسكرية خاصة لايصال الأخبار بين واسط وقزوين بسرعة، هو بناء المناظر والمنائر التي توضع على المرتفعات العالية حيث تنقل الإشارات بواسطتها عن طريق إشعال النار أو الدخان، فيصل الخبر بسرعة عن طريق انتقاله من منظره لأخرى وقد وضح ياقوت الحموي ذلك بقوله:.. وكان إذا دخن أهل قزوين دخنت المناظر إن كان نهاراً، وإن كان ليلاً أشعلوا نيراناً وتجرد الخيل إليه، وكانت المناظر متصلة بين قزوين وواسط ، ويبدو أن ما كان ينفقه عبد الملك على إدارة البريد لم يكن قليلاً لاسيما أنه قد بذل جهوداً كبيرة لتطويره وتنظيمه ، ويمكن القول بأن الخليفة عبد الملك بن مروان هو أول من عمل ديوان البريد مؤسسة إدارية منظمة مستقلة، وهذا لا يعني عدم وجود البريد المنتظم في عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان إلا أنه لم يكن ديواناً متكاملاً مستقلاً، خصوصاً أن مصادرنا التاريخية، لا تذكر البريد بوصفه ديواناً إلا في عهد عبد الملك بن مروان ، فالبريد في نظر عبد الملك عصب الدولة الحساس وذلك أقام له المحطات وفتح له المسالك ونظم مواعيده .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق