219
الدولة الأموية
عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار
الفصل السابع
عهد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان دون الفتوحات
المبحث الثاني : ثورة عبد الرحمن بن الأشعث:
ثالثاً : موقف العلماء من ثورة ابن الأشعث :
يختلف موقف العلماء من حركة ابن الأشعث اختلافاً كثيراً عن موقفهم تجاه الحركات الأخرى ضد الدولة الأموية، إذ شارك جمهور غفير من العلماء في حركة ابن الأشعث هذه، سواء بتحريض الناس على المشاركة فيها أو بمشاركتهم المباشرة في القتال مع ابن الأشعث ضد الحجّاج، وقد استفاضت المصادر المتقدمة في ذكر تأييد العلماء ومشاركتهم في هذه الحركة، كما اجتمعت على كثرة عدد العلماء المشاركين ولكن على اختلاف بينهم في تقدير هذا العدد، فيذكر خليفة بن خياط، أن عددهم بلغ خمسمائة عالم، وعد منهم خمسة وعشرين عالماً ، ولعل من أسباب كثرة تلك الأعداد المذكورة إدخال غير العلماء فيها من أهل العبادة والصلاح وإن لم يشتهر عنهم العلم، حيث تردد إطلاق اسم القراء على هؤلاء المشاركين، ولعله يشمل العلماء وأهل الصلاح، والزهادة والمشهورين بكثرة التعبد .
1 ـ من اشهر العلماء المشاركين في حركة ابن الأشعث:
وبتتبع كثير من المصادر أمكن حصر العديد من أسماء العلماء المشاركين في تلك الحركة منهم:
أ ـ أنس بن مالك رضي الله عنه: العالم الجليل والصحابي الكريم، فقد كان ممن يؤلب على الحجّاج ويدعو إلى الانضمام إلى ابن الأشعث، ولكنه لم يشارك مشاركة فعالة في القتال لكبر سنه .
ب ـ ومنهم أبو الشعثاء سليم بن اسود المحاربي، فقد شارك مع ابن الأشعث، وقيل قتل يوم الزاوية .
ت ـ وعبد الرحمن بن أبي ليلى، كان من كبار المشاركين في تلك الحركة المحرضين على القتال فيها، وتوفي بوقعة الجماجم حيث اقتحم به فرسه الفرات فغرق ـ رحمه الله ـ.
ث ـ الإمام الشعبي: ولكن في مشاركته شيء من الإكراه إذ لم يكن في بداية الأمر على قناعة بالمشاركة، حيث روى عنه أنه قال: فلم أزل عنده ـ أي الحجّاج ـ بأحسن منزلة حتى كان شأن ابن الأشعث، فأتاني أهل الكوفة، فقالوا: يا أبا عمرو، إنك زعيم القراء، فلم يزالوا حتى خرجت معهم .
ج ـ سعيد بن جبير، ممن شارك مع ابن الأشعث وكان يحضض على القتال، ونجا من القتل وتوارى عن الحجّاج مدة ولكن تمكن منه عندما قبض عليه والي مكة وأرسله إليه فقتله الحجّاج سنة أربع وتسعين . وغير ذلك من العلماء وهذا يدل على أن حركة بن الأشعث لقيت من الدعم والمشاركة من العلماء ما لم تلقه أي حركة قامت ضد الدولة الأموية. وقد كان لمشاركة العلماء في هذه الحركةـ بهذا الحجم ـ أثر كبير على الحركة، فقد كانت مشاركتهم وراء انضمام كثير من الناس لتلك الحركة، ولا سيما أن بعض الفقهاء والقراء كانوا يسعون لإقناع أكبر عدد للانضمام إلى القتال خاصة من فئة العلماء ، كما كان للعلماء المشاركين أثر كبير في ميدان القتال، فكانت لهم كتيبة خاصة بهم تسمى كتيبة القراء ، وكان بعض العلماء يبعثون الحماس في إتباع ابن الأشعث بما يلقونه من خطب وما يصدرونه من نداءات أثناء القتال كان لها أثر في غرس الثقة في النفوس والثبات في مواطن اللقاء ، وقد لقي الحجّاج وجيشه عنتا ومشقة من كتيبة القراء، فقد كان أصحابها يحملون حملة صادقة على جيش الحجّاج فما يعمد بها، ويضربون الكتائب حتى يفرقونها ، لذا عبأ الحجّاج لهذه الكتيبة ثلاث كتائب توقف زحفها والتقليل من خطرها عليه .
2 ـ أسباب مشاركة العلماء في ثورة ابن الأشعث:
انضم إلى حركة ابن الأشعث فئات وطوائف شتى، كل فئة مدفوعة بدافع تسعى لتحقيقه من خلال المشاركة في هذه الحركة، فهناك دوافع إقليمية، ودوافع عرقية، وأخرى اجتماعية، ولم يكن شيء من هذه حرّك العلماء للمشاركة في هذه الفتنة، وإنما انطلقوا من دوافع دينية وشرعية بحسب ما وصل إليه اجتهادهم، وقد كان القاسم المشترك لكل هذه الدوافع شخصية الحجّاج ، الظالمة، المتعسفة، الجائرة، والمتعطشة لسفك الدماء ولذلك كان العلماء ينقمون على الحجّاج تعديه لبعض حدود الإسلام وانتهاكه لبعض حرماته، وكانوا ينقمون عليه سوء معاملته وسوء نظرته للعلماء.
أ ـ تعدي الحجّاج لبعض حدود الدين وإنتهاكه لحرماته:
كان الحجّاج يملك جرأة عجيبة تعدى بها إلى غير مواضعها مما أدى إلى إحداث شرخ كبير في جانب من حياته المتعددة الجوانب فأسهم بذلك في تشويه صورته وصورة الحكم الأموي، وقد حرص بعض المولعين بشخصية الحجّاج إخفاء هذا الجانب المشوه من حياته، والدراسة الواعية المنصفة تأبى هذا المنهج، وما من شك في أنه ورد الكثير من المبالغات عن انتهاكات الحجاج لحرمات الدين وكثير منها لا يصح ودخل الدس من أعداء الحجّاج وبني أمية في صياغة كثير من هذه المبالغات، لذا فقد استبعدت النقل والاعتماد في هذا الأمر على الكتب التي اشتهر عن أصحابها التهاون في إيراد الروايات دون تمحيص ولاسيما كتب الأدب، كالعقد الفريد لابن عبد ربه، والأغاني للأصفهاني، أو كتب الفرق المغالية في عداوتها لبني أمية كالشيعة، وحاولت النقل والاعتماد على كتب السنة المشهورة بحفظ الأحاديث النبوية الشريفة وما يخدمها من روايات، وكذلك على الكتب المعتبرة التي اشتهر عن أصحابها التحري والدقة كالذهبي في سيره وتاريخه . ويأتي في مقدمة تجاوزات الحجّاج الشرعية إسرافه في القتل وأمره به بأدنى شبهة حيث كان الحجّاج يرى وجوب الطاعة العمياء من الرعية له، وأن مخالفة أمره ـ في أي شأن كان صغر أم كبر ـ تبرر له القتل، فقد روى أبو داود بسند صحيح عن عاصم قال: سمعت الحجّاج يقول: اتقوا الله ما استطعتم ليس فيها مثنوية، واسمعوا وأطيعوا ليس فيها مثنوية لأمير المؤمنين عبد الملك والله لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب من أبواب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلت لي دماؤهم وأموالهم، والله لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من الله حلالاً ، وقال ابن كثير معلقاً على بعض تجاوزات الحجّاج مما يبين سبب استهانته بالقتل:.. فإن الحجّاج كان عثمانياً أموياً، يميل إليهم ميلاً عظيماً، ويرى خلافهم كفر، ويستحل بذلك الدماء ولا تأخذه في ذلك لومة لائم وقال في موضع آخر: أعظم ما نقم عليه وصح من أفعاله سفك الدماء وكفى به عقوبة عند الله عز وجل، بسبب هذا المعتقد الذي استقر في نفس الحجّاج استهان بالقتل واشتهر إسرافه فيه لمخالفي أوامره صغرت أم كبرت، ومع ما ورد من مبالغات في الإحصاءات التي ذكرت عدد قتلى الحجّاج، فما من شك في تعديه الحدود المشروعة في القتل، ويؤيد ذلك ما صح عن المصطفى صلى الله عليه وسلم بروايات متعددة تصف الحجّاج بأنه مبير، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه قالت للحجّاج بعد قتله لابنها عبد الله بن الزبير رضي الله عنه: : إما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن في ثقيف كذاباً ومبيراً، فأما الكذاب فرأيناه وأما المبير فلا أخالك إلا إياه ، وقد أنكر العلماء على الحجّاج هذا الإسراف في القتل، فروي عن الإمام عبد الرحمن بن أبي أنعم أنه قال للحجّاج: لا تسرف في القتل إنه كان منصوراً فقال الحجّاج: والله لقد هممت أن أروي الأرض من دمك. فقال: إن من في بطنها أكثر ممن في ظهرها ، وكان جواب سعيد بن جبير للحجّاج عندما سأله عن رأيه فيه فقال: نعم ظهر منك جور في حد الله وجرأة على معاصيه بقتلك أولياء الله .
ـ ومن التجاوزات التي كان العلماء ينكرونها على الحجّاج تأخيره للصلاة عن وقتها، وتأخير الصلاة عن وقتها ليس خاصاً بالحجّاج بل كانت عادة عند بعض خلفاء بني أمية وسار ولاتهم على نهجم ولكن الذي يؤخذ على الحجّاج مع تأخيره الصلاة عدم قبوله تنبيه أحد من العلماء أو إبداء النصح منهم له في ذلك وهذا مأخذ آخر أخذه العلماء على الحجّاج وهو عدم قبوله لقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن ذلك أن الحجّاج أنكر يوماً أن يكون الحسين بن علي رضي الله عنه من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه ابن ابنته فقال له العالم الجليل يحي بن يعمر: كذبت. فقال الحجّاج: لتأتيني على ما قلت ببينة من كتاب الله أو لأضربن عنقك فقال: قال الله ((وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ)) إلى قوله ((وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى)) (الأنعام ، الآيتان : 84 و85). فعيسى من ذرية إبراهيم، وهو إنما ينسب إلى أمه مريم، والحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الحجاج صدقت، فما حملك على تكذيبي في مجلسي، قال: ما أخذ الله على الأنبياء ((لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ)) (آل عمران ، الآية : 187) فنفاه إلى خراسان .
ـ ومن تجاوزات الحجّاج الشرعية تطاوله على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوء تعامله مع العلماء، ومرّ معنا معاملته القبيحة لابن عمر، وابن الزبير والسيدة أسماء بنت الصديق رضي الله عنهم جميعاً، فمن ذلك تطاول على عبد الله بن مسعود وهو متوفي رضي الله عنه فقد قال: والله لو أدركت عبد هذيل لضربت عنقه وفي أخرى أنه قال: ابن مسعود رأس المنافقين، لو أدركته لأسقيت الأرض من دمه ، وقد علق الذهبي على أقوال الحجّاج في عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بقوله: قاتل الله الحجّاج ما أجرأه على الله كيف يقول هذا في العبد الصالح عبد الله بن مسعود ومن تطاول على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوء أدبه معهم ما حدث منه لكل من أنس بن مالك ـ خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجابر بن عبد الله وسهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهم، فقد ورد أنه ختم على كل واحد منهم بختمه المشهور ((عتيق الحجّاج)) أنس وسهل في عنقيهما وجابر في يده ، أما فعله ذلك بأنس فلأنه بايع ابن الزبير وتولى له البصرة، ولأنه كان يحرص على المشاركة مع ابن الأشعث، لذا ناله ما ناله من أذى الحجّاج ولم ينقذه من إهانة الحجّاج إلا تدخل الخليفة عبد الملك حيث كتب كتاباً وبخ فيه الحجّاج على فعله بأنس وأمره بعدم التعرض له ، وأما سهل فقد ورد أن الحجّاج أرسل إليه يقول: ما منعك من نصر أمير المؤمنين عثمان؟ قال: قد فعلت. قال كذبت ثم أمر به فختم في عنقه . وهذه عقدة عند الحجّاج حيث كان متعصباً للأمويين أكثر من تعصبهم لأنفسهم ففي الحين الذي نجد معاوية وعبد الملك توددوا لكثير من الرجال الذين وقفوا ضدهم مع علي أو مع ابن الزبير وعفوا عما سلف منهم واستلوا بذلك ضغائن نفوسهم نجد الحجاج يخالف هذا المنهج السديد فيصر على محاسبة الرجال على ما سالف منهم أيام الفتن فأوغر صدور الكثير عليه وعلى بني أمية بهذا المسلك ، وأذكر مثال يوضح الفرق بين نظرة عبد الملك ونظرة الحجّاج للرجال وطريقة التعامل معهم، فقد كان محمد بن الحنفية ممن أمتنع عن مبايعة عبد الملك أو ابن الزبير حتى يجتمع المسلمين على واحد منهما، فلما تم قتل عبد الله ابن الزبير بعث الحجّاج على الفور لابن الحنفية يسأله البيعة ويقول: قد قتل عدو الله، فقال ابن الحنفية: إذا بايع الناس بايعت. قال والله لأقتلنك ومع أن ابن الحنيفة بايع لعبد الملك لما رأى اجتماع كلمة المسلمين عليه، إلا أن الحجّاج استمر في مضايقة ابن الحنيفة، فلما قدم على عبد الملك أكرمه عبد الملك وقضى كل حوائجه، ثم اشتكى إليه سوء معاملة الحجّاج له وكان حاضراً عند عبد الملك فقال: إن هذاـ يعني الحجّاج ـ قد آذاني واستخف بحقي ولو كانت خمسة دراهم أرسل إلى فيها. فقال عبد الملك: لا إمرة لك عليه وطلب منه أن يستل سخيمه ابن الحنيفة ويترضاه .
ب ـ سؤ معاملة الحجّاج ونظرته للعلماء:
وقد كان لتجاوزات الحجّاج وسؤ تعامله مع أهل العلم والفضل في مكة والمدينة أثر في عزله عن الحجاز بعدما كثرت الشكوى منه عند عبد الملك، فلما تولى العراق استمر في سوء تعامله فوجد كثير من العلماء المضايقة والشدة منه فضرب بعض العلماء في ولايته وسجن بعضهم ونفي بعض آخر، وقد يظن بعض الكتاب أن هذا الضرب والسجن بل والقتل للعلماء إنما حدث بعد فتنه ابن الأشعث فحسب فيكون تعامل الحجّاج هذا جاء ردة فعل على مشاركة العلماء في هذه الحركة، ولكن الأمر على غير هذا الظن فقد حدثت بعض تلك المضايقات والمعاملة السيئة قبل حركة ابن الأشعث، فمعاملته لابن عمر وجابر رضي الله عنهما كانت قبل ذلك حيث توفيا قبل حركة ابن الأشعث ، وقد تعدت مضايقة الحجّاج للعلماء للذين لم يشاركوا في هذه الحركة، ومن عهد عنهم النهي عن الخروج على الولاة ولا يرون استخدام السيف لتغير المنكر، ومن هؤلاء الحسن البصري فقد اشتهر عنه النهي عن حمل السيف ومقاومة ظلم الولاة به، وعندما أكره على المشاركة في القتال تخلص وهرب من الصف ومع ذلك فقد كان الحجّاج يطلبه وحاول قتله مراراً ولكن الله يعصمه منه ، حتى اضطر الحسن أن يختفي عن الحجّاج في منزل بعض أصحابه وهو أبو خليفة الحجّاج بن عتاب ، فكان أصحابه وطلابه يغشونه لمدارسته العلم والتلقي عنه في مكان تواريه ، ومن الذين لم يشاركوا في فتنة ابن الأشعث إبراهيم النخعي، ومع ذلك فقد عاش مدة مختف عن الحجّاج والحجّاج يطلبه حتى كان لا يصلي جماعة مدة اختفائه مخافة من الحجّاج ، وكذلك شأن الإمام مجاهد بن جبر، فإنه كان ممن يطارده الخوف من ظلم الحجّاج حتى اضطر إلى التواري عنه .
ومن هذا العرض السابق يتضح مدى ما وصلت إليه تجاوزات الحجّاج الشرعية وطبيعة علاقته مع العلماء وعلاقة العلماء به والجدير بالذكر أنه لم تصل علاقة العلماء بأي والٍ من ولاة الدولة الأموية في سوئها كما وصلت إليه علاقتهم مع الحجّاج، بل كانت علاقتهم مع ولاة الدولة في عمومها حسنة يعينونهم على الحق، ويجاهدون معهم ويأمرونهم بالمعروف ويبدون لهم النصح فيسمع منهم في كثير من الأحيان ، ومن كل ما سبق يتضح أنه كان للحجّاج الأثر الكبير في مشاركة العلماء في حركة ابن الأشعث، بل وفي قيام تلك الحركة من وجهين. الأول: أنه بأسلوب الشدة والقسوة أضرم نيران الحقد والكراهية في قلوب مختلف الفئات من الناس في العراق ـ بما فيهم العلماء ـ عليه وعلى بني أمية والوجه الآخر: أنه كان سبباً مباشراً لإعطاء ابن الأشعث الفرصة في القيام بتلك الثورة، حيث جنده بكل ما يملك من جنود وسلاح ومال وهو يعلم ما بينهما من كره متبادل، وقد حذر من ذلك بأسلوبه المتعنت في التعامل مع ابن الأشعث وجنوده في رسائله التي تفوح بالحمق حيث ملأها بالشتائم لابن الأشعث ولم يراع مصلحة الجنود كما لم يشعرهم بأهميتهم لديه، بل العكس في ذلك كأنما أراد بتصرفه معهم التخلص من حياتهم وهذا يمثل ما وصل إليه غرور الحجّاج بنفسه .
3 ـ معارضة بعض العلماء لثورة ابن الأشعث:
كان هناك عدد من العلماء عارضوها أو اعتزلوها ولم يروا المشاركة فيها، ومن أبرز هؤلاء أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي ، فهو من الذين لم يشاركوا في هذه الثورة، وأبو قلابة الجرمي، فلم يشارك وكان يعتب على غيره ممن شارك ، ومنهم إبراهيم النخعي، فلم يشارك وكان يعيب على سعيد بن جبير مشاركته فيها ، وقد قيل له أين كنت يوم الزاوية؟ قال: في بيتي. قالوا: فأين كنت يوم الجماجم؟ قال: في بيتي. قالوا: فإن علقمة شهد صفين مع علي، فقال: بخ بخ من لنا مثل علي بن أبي طالب ورجاله ، وممن لم يشارك في حركة ابن الأشعث أيوب السحتياني، فروي عنه أنه يقول في العلماء الذين خرجوا مع ابن الأشعث لا أعلم أحداً منهم قتل إلا رغب له عن مصرعه، أو نجا إلا ندم على ما كان منه ، ومنهم طلق بن حبيب، فكان معتزلاً الفتنة وكان يقول: اتقوها بالتقوى ، ومنهم مطرف بن عبد الله الشخير فقد امتنع عن المشاركة في هذه الفتنة، وحين جاءه ناس يدعونه للمشاركة امتنع، فلما أكثروا عليه قال: أرأيتم هذا الذي تدعوني إليه، هل يزيد على أن يكون جهاداً في سبيل الله؟ قالوا: لا. قال: فإني لا أخاطر بين هلكة أقع فيها وبين فضل أصيبه ، ومنهم مجاهد بن جبر. فإنه لم يشارك وحين دعي للمشاركة قال لمن دعاه: عده بابا من أبواب الخير تخلفت عنه ، ومنهم خيثمة بن عبد الرحمن الجعفي ومحمد بن سيرين فقد ورد ذكرهما مع الذين لم يشاركوا في فتنة ابن الأشعث .
4 ـ موقف الحسن البصري من ثورة ابن الأشعث:
يعد الحسن البصري واحداً من أولئك العلماء الذين اعتزلوا القرب من الولاة والأمراء وابتعدوا عن المناصب ورغبوا عن وجاهتها، فقد كان ينهي العلماء عن طرق أبواب الأمراء والتزلف لهم، لأن في ذلك إهانة للعلم وحطا من قدر العلماء ومكانتهم ، وبقي الحسن معتزلاً القرب من الولاة بعيداً عن تولي مناصبهم حتى توفي ـ رحمه الله ـ. إلا أن ذلك لم يكن سبباً في انزوائه عما يجري في عصره من أحداث سياسية بل كان، علماً بارزاً يهتدي كثير من الناس ـ بتوجيهاته المفيدة وآرائه السديدة، لاسيما في أوقات الفتن وفترات الخلاف لذا قال فيه الثقات: كان والله الحسن من رؤوس العلماء في الفتن والدماء والفروج ، وكان ينحى في نصحه للعامة إلى جمع الكلمة وتوحيد الصف وينهي عن الإثارة والفرقة، ويدعو إلى السمع والطاعة للولاة وكان يرى وجوب الموازنة بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووحدة الجماعة، ولقد عاصر الحسن البصري معظم فترات الحكم الأموي، وتأثر بالواقع السياسي في هذه الفترة، فأصبح يمثل مدرسة سياسية في عصره، فهو يرى أن حكم بني أمية فيه ظلم وجور، ولكنهم في نفس الوقت يملكون القوة العسكرية، وموازين القوى في صالحهم، كما أن الفئة الراغبة في التغيير والشاكية من الظلم، ينقصها التنظيم والإعداد والقوة والصبر، ويرى أن الذين يحملون راية الخروج على حكم بني أمية إما مخلص لدينه ولكنه لا يصلح للحكم ولا يقدر على إحداث التغيير، وإما رجال يستخدمون الدين والدعوة للتغيير لأغراض دنيوية، منها حبهم للسلطة والحكم، فليسوا بأحسن حال من الأمويين ، وعلى ذلك أصبح موقفه من الحكم الأموي يقوم على أمور منها:
أ ـ عدم الخروج على حكم بني أمية لما في ذلك: من سفك الدماء، وتقويض لقوة المسلمين، وازدياد الجور والظلم ، فقد دخل عليه رجل فقال: يا أبا سعيد إني أريد أن أسألك عن الولاة، فقال الحسن: سل عما بدالك. فقال: ما تقول في أئمتنا هؤلاء؟ فسكت الحسن ملياً ثم قال: وما عسى أن أقول فيهم وهم يلونا من أمورنا خمساً: الجمعة والجماعة، والفيء والثغور، والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وإن ظلموا، والله ما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، والله إن طاعتهم لغبطة، وإن فرقتهم لكفر، فقال الرجل: يا أبا سعيد والله إني لذو مال كثير، وما يسرني أن يكون لي أمثاله وإني لم أسمع منك الذي سمعت فجزاك الله عن الدين وأهله خيراً، وحين سئل عن الحجّاج قال: يتلو كتاب الله ويعظ وعظ الأبرار ويطعم الطعام ويؤثر الصدق ويبطش بطش الجبارين. قالوا فما ترى في القيام عليه؟ فقال: اتقوا الله، وتوبوا إليه يكفيكم جوره . وكان إذا قيل له ألا تخرج فتغير قال: إن الله إنما يغير بالتوبة ولا يغير بالسيف . وكان يرى أن جور الحكام بسبب ما يحدثه الناس من ذنوب ومعاصي، وإن من أهم أسباب دفع الجور والظلم هو الرجوع إلى الله وكان يحث الناس على تجنب الفتن والبعد عن أسباب إشعالها وحين بلغ السخط على الحجّاج أوجه وثار عليه الناس مع ابن الأشعث وكان جملتهم عدد من العلماء لزم الحسن موقفه من الفتن فلم يخرج مع من خرج بل كان يكره ذلك وينهي الناس عنه وكان أخوه سعيد ممن يرى الخروج على الحجّاج ويدعو له، فعن حماد بن زيد بن أبي التياح قال: شهدت الحسن وسعيد بن أبي الحسن حين أقبل ابن الأشعث، فكان الحسن ينهي عن الخروج على الحجّاج ويأمر بالكف وكان سعيد بن أبي الحسن يحضض، فقال سعيد فيما يقول: ما ظنك بأهل الشام إذا لقيناهم غداً؟ فقلنا: والله ما خلعنا أمير المؤمنين ولا نريد خلعه ولكنا نقمنا عليه استعمال الحجّاج فاعزله عنا، فلما فرغ سعيد من كلامه تكلم الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس إنه والله ما سلط الله عليكم الحجّاج إلا عقوبة فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف ولكن عليكم السكينة والتضرع، وأما ما ذكرت من ظني بأهل الشام فإن ظني بهم أن لو جاؤوا فألقمهم الحجّاج دنياه لم يحملهم على أمر إلا ركبوه، هذا ظني بهم ، وقدم عليه جماعة من العلماء يناقشونه في الخروج مع ابن الأشعث على الحجّاج، ويحاولون إقناعه بالخروج مع ابن الأشعث على الحجّاج، ويحاولون إقناعه بالخروج، ولكنه رفض الخروج وقال: أرى أن لا تقاتلوه فإنها أن تكن عقوبة من الله فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم ولكنهم لم يسمعوا كلامه ولم يأخذوا برأيه فخرجوا مع ابن الأشعث فقتلوا جميعاً ، وعندما أفتى رجلاً بعدم جواز الخروج على الحجّاج قال له الرجل: لقد كنت أعرفك سيء القول في الحجّاج غير راضٍ عن سيرته، فقال الحسن: وأيم الله إني اليوم لأسوأ فيه رأياً، وأكثر عتباً، وأشد ذماً ولكن لتعلم عفاك الله أن جور الملوك نقمة من نقم الله تعالى، ونقم الله لا تلاقي بالسيوف، وإنما تتقي، وتستدفع بالدعاء والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب ، ولما توفي الحجّاج وجاء خبر وفاته الحسن سجد وقال: اللهم عقيرك وأنت قتلته فاقطع عنا سنته وأرحنا من سنته وأعماله الخبيثة ، وكان يوضح للناس حقيقة ما يعيشه بعض الولاة من تقلبه في عيش الفتنة بزخرف الحياة الفانية حتى لا يغتر بهم الناس فكان يقول: هؤلاء ـ يعني الملوك ـ وإن رقصت بهم الهماليج ، ووطيء الناس أعقابهم فإن ذل المعصية في قلوبهم، إلا أن الحق ألزمنا طاعتهم، ومنعنا الخروج عليهم، وأمرنا أن نستدفع بالتوبة والدعاء مضرتهم، فمن أراد به خيراً لزم ذلك وعمل به، ولم يخالفه ، وكان ينهي العامة عن القتال وحمل السلاح حين تقبل الفتن، فعن سلم بن أبي الذيال قال: سأل رجل الحسن وهو يسمع وأناس من أهل الشام فقال: يا أبا سعيد ما تقول في الفتن مثل يزيد بن المهلب وابن الأشعث؟ فقال: لا تكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، فقال رجل من أهل الشام: ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد؟ فغضب ثم قال بيده فخطر بها، ثم قال: ولا مع أمير المؤمنين يا أبا سعيد، نعم ولا مع أمير المؤمنين ، فكان يرى أنه يجب على المسلم الاعتزال وعدم المشاركة في سفك دماء المسلمين، فلا يقاتل في صفوف الخارجين على السلطة، ولا مع جيش الخليفة، إذا كان ظالماً .
ب ـ وبالرغم من قوله بعدم الخروج على حكم بني أمية، إلا أنه كان يرى وجوب الإنكار عليهم لظلمهم، واستئثارهم بالأموال، وتوليتهم الولاة الظلمة، كأمثال الحجّاج، وكان شديد الانتقاد للحكم الأموي وخاصة سياسات الحجّاج في العراق، وكان يواجه الحجّاج بانتقاداته غير خائف من بطشه ، وعن ميمون بن مهران قال: بعث الحجّاج إلى الحسن وقد همّ به، فلما قام بين يديه قال: يا حجّاج، كم بينك وبين آدم من أب؟ قال كثير قال: فاين هم؟ قال: ماتوا. قال: فنكس الحجاج رأسه وخرج الحسن وقال أيوب السختياني: إن الحجّاج أراد قتل الحسن مراراً فعصمه الله منه ، وكان يحذر العلماء من مخالطة السلاطين والحكام لكي لا يوهموا المسلمين برضاهم عن حكمهم، ولكي يشعروا الحكام بعدم رضاهم عن سياساتهم الجائرة وكان يرى أن في مخالطة العالم والمفتي للحاكم إذلالاً لمكانته العلمية، والاجتماعية، وكان يقول لبعض الفقهاء ممن كانوا يخالطون الأمراء: والله لو أنكم زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم وهابوكم، ولكنكم رغبتم فيما عندهم فزهدوا فيكم ، ومع حرصه الشديد على عدم مخالطة الأمراء والحكام إلا أنه تولى القضاء في البصرة في عهد عمر بن عبد العزيز ، نظراً لعدل وحسن سيرة عمر بن عبد العزيز . إن منهج الحسن في التعامل مع الحكام منهج وسط معتدل، فهو مع نهيه عن الخروج على الولاة وكرهه للمواجهة معهم لما يترتب على ذلك من مفاسد عظيمة من سفك الدماء، وتفريق الأمة، وتعطيل الجهاد ..الخ . إلا أن ذلك لا يفهم منه تبريره لإخفاء الولاة أو عدم إنكارها، بل كان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر.
5 ـ أسباب فشل ثورة ابن الأشعث:
أ ـ عدم تمكن العلماء من السيطرة على مسار تلك الحركة: وذلك حين تطور الأمر وخلع الثائرون الخليفة عبد الملك بن مروان، فلم يتمكن العلماء من إقناع الناس بالحفاظ على الهدف الذي قامت الثورة لأجله وهو خلع الحجّاج، بل ربما جر بعض العلماء إلى القناعة بهذا المسار الجديد ، وتأكد فشل العلماء في عدم محافظتهم على الهدف الرئيس للحركة وذلك حينما عرض عبد الملك على الثائرين عزل الحجّاج، ولكن الزهو والعجب بما تحقق من انتصارات أدى إلى رفض ذلك العرض من الخليفة ولم يتمكن العلماء من إقناع الثائرين بقبوله، وبهذا الرفض.
ب ـ تحكم أصحاب الدوافع الإقليمية والمذهبية في مسارها:
استطاع أصحاب الدوافع الإقليمية والميول المذهبية أن يسيروا بالحركة نحو التخلص من بني أمية.
ج ـ عدم امتلاك الثورة لرؤية كاملة: فقد أصبح العلماء يسيرون في طريق غير واضح المعالم، سوى تحقيق الانتصار على جيوش الأمويين، ولكن ماذا بعد؟ هل بالإمكان تغيير الخليفة بالانتصار على جيوش الأمويين في العراق، وهل يستستسلم الشام بهذه السهولة، أو تقر الأقطار الإسلامية ذلك؟ وهل يكون ابن الأشعث هو الخليفة للمسلمين في حالة القضاء على عبد الملك، لقد دخلت الثورة في طريق شائك معقد بمجرد رفضها عرض الخليفة بعزل الحجّاج واضطربت أهدافها مما أدى إلى وأدها وفشلها وانتصار جيوش الخليفة عليها .
س ـ ذكاء الخليفة عبد الملك ودعمه المستمر بالجيوش للحجّاج، فقد مال للصفح والمسالمة والمسامحة ولبى طلب أهل العراق في عزل الحجّاج من أجل حقن الدماء وتوفير الجهود والحفاظ على الجبهة الداخلية الواحدة المتراصة، وكان عرضه على ابن الأشعث في عزل الحجّاج كسب سياسي له حيث تبلبل صف ثورة ابن الأشعث واختلفت الآراء، وكان عبد الملك في نفس الوقت قد أعد جيشين من أهل الشام، وسلم القيادة لأقرب الناس إليه إلى أخيه وولده وأمرهما بالتقيد بأوامر والي العراق ، إن عدد العساكر المقاتلة والقادة وتزويدهم بكل ما يحتاجون ثم تكليفهم بالمفاوضة مع ابن الأشعث، منحت الثقة لابنه وأخيه، وهزت قرارة نفوس العراقيين وهذا من رباطة جأش الخليفة، فكأنما قد قدّم جرعة كبيرة من الحرب النفسية، الأمر الذي أدخل الرهبة في نفس المفاوض الأول حتى مالت نفس ابن الأشعث للرضوخ لولا أصحابه، كما أكسبت الثقة للجنود الشاميين فكانوا يقاتلون ببسالة، ومن هنا يظهر دور الخليفة في كبح الحجّاج حيناً، وفي إعداد الجيش حيناً آخر، فلولاه لما كان بالإمكان القضاء على هذه الانتفاضة وبهذا القدر من الجهد، ويعود ذلك إلى السياسة المتجددة، القائمة على أصول من الفهم الكامل لخطط الخليفة البعيدة المدى، فقد كان رجل دولة من الطراز الأول يملك خطة مستقبلية لدولة قادرة على وضع أهدافها التكتيكية والاستراتيجية من أجل بناء دولة القوة والمنعة على أسس راسخة من الملك العضوض،
ج ـ القيادة لم تكن بيد العلماء وإنما بيد الأشعث.
خ ـ عدم وجود تنظيم قوي يتحكم في توجيه الثوار وفق الأهداف المرسومة من القادة .
ش ـ شخصية بن الأشعث وطبيعة جيشه:
لم تكن شخصية ابن الأشعث تملك الصفات القيادية من بعد نظر، وثاقب فكر، وتقدير للأمور، وثبات في المواقف، فقد وقع في شباك رتبيل وباعه للحجّاج مقابل مصالحه وتحالف مع الكفّار ضد المسلمين، ولم يستطع أن يقود جيشه كما يريد بل انقاد لعواطف ومشاعر الجنود فأودت به إلى حتفه، كما أن جيشه لم يكن ينقصه عدد أو عدة، ولكن حماسهم خفّ بسبب طول انتظارهم، ولم تكن لهم طاعة قوية لرؤسائهم، بعكس أهل الشام الذين كانوا جنداً نظاميين بكل ما لهذه الكلمة من معاني ، وهذه أبيات من الشعر تصوّر حزنهم واعترافهم بأنهم لم يصبروا ويدافعوا حق المدافعة عن دنياهم التي أضاعوها بتفريطهم:
أيا لهفاً ويا حزناً جميعاً
ويا حر الفؤاد لما لقينا
تركنا الدين والدنيا جميعاً
وأسلمنا الحلائل والبنينا
فما كنا أناساً أهل دين
فنصبر في البلاء إذا ابتلينا
وما كنا أناساً أهل دنيا
فنمنعها ولو لم نرجُ دينا
تركنا دورنا لطغام عَكٍ
وأنباط القرى والأشعَرينا
6 ـ من نتائج فشل ثورة بن الأشعث :
أ ـ ازدياد تسلط الحجّاج:
ترتب على فشل نتائج ثورة ابن الأشعث نتائج خطيرة وسيئة، فقد زاد انتصار الحجّاج في النهاية على الثوار من تسلطه وتجبره، واشتد أكثر في تضييقه على العلماء فقتل من قتل منهم وسجن من سجن منهم وهرب من وجهه من استطاع .
ب ـ ندم الكثير من العلماء:
وندم الكثير من العلماء المشاركين في ثورة ابن الأشعث، فهذا طلحة بن مصرف يقول: شهدت الجماجم، فما رميت، ولا طعنت، ولا ضربت، ولوددت أن هذه سقطت هنا ولم أكن شهدتها ، وعن محمد بن طلحة قال: رآني زبيد اليامي مع العلاء بن عبد الكريم ونحن نضحك فقال: لو شهدت الجماجم ما ضحكت ولوددت أن يدي ـ أو قال يميني قطعت من العضد وأني لم أكن شهدت ، كما ندم عقبة بن عبد الغافر على مشاركته في القتال كذلك، وغيرهم من العلماء.
جـ ـ انتصار رأي العلماء القائلين بعدم الخروج:
علت منزلة العلماء الذين اعتزلوا تلك الفتنة ولم يشاركوا فيها، فعن ابن عون قال: كان مسلم بن يسار أرفع عندأهل البصرة من الحسن حتى خف مع ابن الأشعث وكف الحسن، فلم يزل أبو سعيد ـ يعني الحسن ـ في علو منها ، وقد أسهمت حركة ابن الأشعث ـ بنهايتها بتلك الصور ـ في إقناع كثير ممن كان يرى استخدام القوة وحمل السيف لتغيير الجور والظلم الواقع من الولاة بعدم جدواها ولذلك قال ابن تيمية عقب الحديث عن ما حدث من فتن وقعت باجتهاد من بعض أهل العلم والصلاح، كخروج الحسين بن علي رضي الله عنه، وفتنة خروج أهل المدينة ووقعة الحرّة وفتنة ابن الأشعث قال: ولهذا استقر مذهب أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم ، وقال ابن حجر في ترجمة أحد هؤلاء الذين كانوا يرون السّيف: كان يرى الخروج بالسّيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسَّلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه أفضى إلى أشدّ منه، ففي وقعة الحرّة ووقعة ابن الأشعث ـ يعني: دير الجماجم ـ وغيرها عظة لمن تدبر .
س ـ ظهور بدعة الإرجاء : أو نوع منه وهو ما يسمى(إرجاء الفقهاء نسبة إلى بعض الفقهاء الذين يقولون بأن الإيمان قول بلا عمل، وأنه لا يزيد ولا ينقص، فالإيمان عندهم واحد يستوي فيه كل من اعتقده بقلبه وقال بلسانه، حيث يخرجون الأعمال ـ التي يتفاضلوا فيها المؤمنون ـ عن الإيمان، فيستوي عندهم، إيمان الصادقين الأولين كأبي بكر وعمر، وإيمان أفجر الناس كالحجّاج، وأبي مسلم الخراساني وغيرهما ، والذي دعا إلى الربط بين ظهور ذلك النوع من الإرجاء وحركة ابن الأشعث ما يشير إليه كثير من الذين كتبوا عن تاريخ الفرق حيث اشتهر عندهم قول قتادة: إنما أحدث الإرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث ، وذكروا أن الكوفة كانت موطن الإرجاء الأول ثم إنتشر منها إلى سائر الأقطار ويقول الدكتور ناصر العقل: أول ما ظهرت بدعة الإرجاء بعد فتنة ابن الأشعث سنة (83) ، وهو إرجاء العمل عن الإيمان ويسمى ((إرجاء الفقهاء))، وأول من قال به هو: ذر بن عبد الله المرهبي الهمداني، (مات قبل المائة ثم ظهور القول بأن الإيمان قول: وأول من قال ذلك حماد بن أبي سليمان ، ت 120هـ واستقر إرجاء الفقهاء على ثلاثة أسس كلها مخالفة لقول السلف وهي:
ـ زعمهم أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان هو التصديق.
ـ زعمهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
ـ زعمهم أنه لا يجوز الاستثناء في الإيمان .
ويقال أن ذراً بن عبد الله المرهبي ـ وكان ممن شارك في فتنة ابن الأشعث ـ فبعد الهزيمة أصيب بردة فعل جعلته يتحول من تكفير الحجّاج وقتاله إلى اتجاه معاكس وهو الإرجاء الذي يسوي فيه أصحابه بين إيمان الحجّاج وأيمان غيره ولو كان من أعبد الناس واتقاهم لله . ويقول طاووس بن كسيان ـ منتقداً ذراً المرهبي ومن سلك مسلكه من الفقهاء: عجبت لإخواننا من أهل العراق يسمون الحجّاج مؤمناً. قال الذهبي معلقاً على قول الطاووس: قلت يشير إلى المرجئة منهم، الذين يقولون: هو مؤمن كامل الإيمان مع عسفه وسفكه الدماء وسبه الصحابة ، وهكذا دأب الفتن فإنها غالباً ما تفرز بعدها بعض التوجهات المنحرفة أو المواقف المتضاربة تجاه أمر معين، حيث لا يسلم من ذلك إلا من عصمه الله بنور الإيمان ورسوخ العلم جعلنا الله منهم
7 ـ ممن عفا الحجاج عنهم الشعبي وأسيرين:
أمر الحجّاج بعد انتهاء دير الجماجم مناديه أن يقول: من لحق بقتيبة ابن مسلم بالري فهو آمن، فكان الشعبي من الذين توجهوا إلى الري فذكره الحجّاج يوماً وسأل عنه فعلم بلحوقه بالري، فكتب إلى قتيبة بن مسلم يأمره بإرسال الشعبي إليه فأرسله إليه فلما قدم على الحجّاج لقيه يزيد بن أبي مسلم ـ حاجب الحجّاج ـ وكان صديقاً للشعبي ـ فقال للشعبي: أشر علي. فقال يزيد: اعتذر ما استطعت، وقال الشعبي: وأشار بمثل ذلك إخواني ونصحائي، فلما دخلت على الحجّاج رأيت غير ما ذكروا لي، فسلمت عليه بالإمرة وقلت: أيها الأمير إن الناس قد أمروني أن أعتذر بغير ما يعلم الله أنه الحق، وإيم الله لا اقول في هذا المقام إلا الحق، قد والله مردنا عليك وحرّضنا وجهدنا فما كنّا بالأقوياء الفجرة ولا بالأتقياء البررة، ولقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا، فإن سطوت فبذنوبنا وما جرّت إليه أيدينا، وإن عفوت عنا فبحلمك، وبعد فالحجة لك علينا . فقال الحجاج: أنت والله أحبّ إليّ قولاً ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول: ما فعلت ولا شهدت، وقد أمنت يا شعبي، كيف وجدت الناس بعدَنا؟ فقلت: أصلح اللهُ الأمير، اكتحلت بعدك السحر، واستوعرت الخباب، واستحلست الخوف وفقدت صالح الإخوان، ولم أجد من الأمير خلفاً. قال: انصرف يا شعبي فانصرفت ، ولم يقتصر العفو على الشعبي لأنه فقيه أهل العراق فقد عفا عن أشخاص من عامة الناس لصدقهم فيروي أنه أتى بأسيرين، فأمر بقتلهما فقال أحدهما إن لي عندك يداً، قال: ما هي قال: ذكر ابن الأشعث يوماً أمك بسوء فنهيته فقال الحجّاج ومن يعلم ذلك؟ قال: هذا الأسير الآخر فسألة الحجّاج فصدقه فقال له الحجّاج: لم لم تفعل كما فعل؟ قال: ينفعني الصدق عندك؟ قال: نعم، قال: منعني البغض لك ولقومك. فقال الحجّاج: خلوا عن هذا لفعله وعن هذا لصدقه .
8 ـ توحيد الدولة والقضاء على الثورات الداخلية:
استطاع عبد الملك أن يقض على كل الحركات الداخلية وقد ذكرت أهم هذه الثورات، كثورة الأزارقة، والصفرية، وابن الأشعث، وهناك حركات أخرى ذكرتها كتب التاريخ كحركة مطرف بن المغيرة بن شعبة، وعبد الله بن الجارود، وحركة الأزد في عمان، وفي نهاية المطاف تغلب عبد الملك عليها واحدة تلو الأخرى ووضع الأساليب المناسبة لتحقيق الأهداف المخططة لذلك وقد أثبتت الأحداث قدرة الخليفة عبد الملك بن مروان على معرفة الأحداث معرفة جيدة، ثم السيطرة على هذه الأحداث والقدرة على احتوائها، باستئصال خصومه حيناً، والتسامح معهم حيناً آخر، ضمن خطة سياسية ومنهج قائم على أهداف واضحة، أدت إلى النتائج المتوخاة، وهي إعادة الوحدة السياسية مرّة أخرى، مما أدى إلى إيجاد علاقات جديدة مع الدولة البيزنطية، والقيام بفتوحات جديدة في الشرق والغرب ثم القيام بالعديد من الإصلاحات الجديدة، منحت سياسته الداخلية والخارجية قدرة على التخطيط الشامل الذي يؤدي إلى تحقيق الأهداف المنشودة
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق