292
الدولة الأموية
عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار
الفصل التاسع
عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز:
المبحث الرابع : موقف عمر بن عبد العزيز من الخوارج والشيعة والقدرية، والمرجئة والجهمية:
سادساً : المعتزلة:
اسم يطلق على تلك الفرقة التي ظهرت في الإسلام في أوائل القرن الثاني على يد واصل بن عطاء ، وسلكت منهجاً عقلياً صرفاً في بحث العقائد، وقررت أن المعارف كلها عقلية حصولاً، ووجوباً، قبل الشرع وبعده، وهم أرباب الكلام، وأصحاب الجدل .
1 ـ نشأة المعتزلة وسبب التسمية:
دخل رجل على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر وهم وعيدية الخوارج وجماعة يرجئون مصير أصحاب الكبائر لأمر الله تعالى، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟ ففكر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً، ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام لفوره، واعتزل حلقة شيخة إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من اصحاب الحسن فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة ، وهذا القول يكاد يجمع عليه مؤرخي الفرق ، ولا علاقة بتسمية المعتزلة بالصحابة الكرام لا من قريب ولا بعيد، فالصحابة الذين اعتزلوا الفتنة بين علي ومعاوية وفي الجمل رضي الله عنهم لم يسموا معتزلة بالمعنى الاصطلاحي الذي يفهم من مدلول هذه الكلمة وإنما بالمعنى اللغوي، يؤيد ذلك أن المعتزلة الذين نحن بصدد الحديث عنهم إنما سموا بذلك لاعتزالهم مذهب أهل السنة والجماعة، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أئمة أهل السنة والجماعة، فكيف يُجعلون سلفاً للمعتزلة الذين اقتفوا أثر العقل دون الشرع؟ وبذلك يعلم خطأ من جعل أصحاب رسول الله سلفاً لهؤلاء المعتزلة فإن المعتزلة جعلوا الاعتزال ديناً لهم يتعبدون الله تعالى على أساس تعاليمه، وأما أولئك الصحابة اعتزلوا الفتنة طلباً للسلامة من الإثم وصوناً للدماء . وقد تميز المعتزلة عن أهل السنة والجماعة بمدرسة منهجية فكرية خاصة، الهيمنة فيها للعقل وحده بلا منازع وتركوا التمسك بالنصوص الشرعية، التي فيها محض الهدى والعصمة من الانحراف والضلال .
2 ـ فرق المعتزلة: فلمّا كانت القاعدة الرئيسة التي اعتمد عليها المعتزلة هي العقل به يثبتون وبه ينفون، وبسبب انغماس المعتزلة في الفلسفة اليونانية القائمة على الجدل والخصومة دبَّ الخلاف بين رجال هذه الفرقة، وتشعبت أراؤهم، وتفرقوا إلى اثنتين وعشرين فرقة منها: الواصلية والعمروية والهذلية والنظامية... الخ. ولكل فرقة من هذه الفرقة بدع خاصة بها، وكلهم يجتمعون على الأصول الخمسة في الجملة، لكنهم يختلفون في جزئيات داخل هذه الأصول، ولا عجب في ذلك ما دام العقل هو المحكِّم عندهم ولكل اهتماماته المختلفة عن الآخر .
3 ـ دور المعتزلة في إحياء عقائد الفرق التي سبقتها:
أخذت المعتزلة عن ثلاث فرق سابقة عليها، وأحييت بدورها تلك العقائد ولكن بشكل آخر، فأخذت عن الخوارج، وعن القدرية الغلاة، وعن الجهمية .
• ما أخذته من الخوارج:
أ ـ حكم مرتكب الكبيرة في الآخر:
يقول البغدادي: ثم إن واصلاً وعمراً، وافقا الخوارج في تأييد عقاب صاحب الكبيرة في النار مع قولهما بأنه موحِّد، وليس بمشرك ولا كافر . من هذا النص يظهر لنا أن المعتزلة أحيت عقيدة الخوارج في صاحب الكبيرة في الآخرة، ولكن لم تحكم عليه بالكفر في الدنيا .
ب ـ الخروج على أئمة الجور:
إن مما أجمعت الخوارج: وجوب الخروج على الإمام الجائر بالقوة والسلاح لإزالة الظلم والبغي، وإقامة العدل والحق كما يقولون ، وصرفوا نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى منازعة الأئمة والخروج عليهم وقتال المخالفين . وقد أخذت المعتزلة هذا المبدأ عن الخوارج وأحيوه نظرياً تحت أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول أبو الحسن الأشعري: أجمعت المعتزلة إلاّ الأصم على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإمكان والقدرة باللسان، واليد، والسيف، كيف قدروا على ذلك . وقال في موطن آخر: وأوجبوا الخروج على السلطان على الإمكان والقدرة .
ج ـ قضية التأويل : الخوارج هم أول من فتح باب التأويل الباطل في تاريخ الأمة، فأعملوا التأويل في نصوص الحكم بغير ما أنزل الله، ونصوص الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم جاءت الفرق بعدها فورثت هذا المنهج وطبقته في الاستدلال على بدعها التي أحدثتها، ومن تلك الفرق: المعتزلة التي أعملت التأويل في نصوص الصفات لتقرر التعطيل، بينما لم يكن استعماله في نصوص الصفات عند الخوارج . وقال ابن تيمية: ولم يعرف فيهم ـ الخوارج ـ الكلام وتأويل الصفات إلا بعد ظهور المعتزلة . واستخدم المعتزلة التأويل في نصوص القدر، ولم يكن هذا عند الخوارج أيضاً وهكذا، فالخلاصة: أن المعتزلة ورثت منهج التأويل من الخوارج، وعضّت عليه بالنواجذ، وأصبح عندهما قاعدة للتعامل مع نصوص الكتاب والسنة.
* ـ القدرية: وأما عن القدرية، فأخذ المعتزلة القول بنفي القدر وأحيته، ولكن ليس بشكله الغالي الذي يتضمن نفي علم الله تعالى وهو الذي كان عليه القدرية الأوائل، فإن هذا القول قد تلاشى وسقط لسببين:
ـ قلة عدد القائلين بالقدر على هذا النحو.
ـ وقوف الصحابة الذين أدركوا هذه المقالة وعلماء التابعين ضد هذه المقولة بحزم، تارة بالبراءة من أهلها كما فعل ابن عمر رضي الله عنه، فقد قال لمن جاء بخبرهم: فأخبرهم إني بريء منهم، وإنهم برآء مني ، أو بإهانتهم واحتقارهم، كما فعل طاووس بن كيسان مع معبد الجهني حين رآه في المطاف حيث التفت إلى الناس وقال: هذا معبد فأهينوه ، أو بقتلهم وقطع دابر فتنتهم بعد تكفيرهم كما فعل بغيلان الدمشقي حين أصر على هذه العقيدة الفاسدة . لكن المعتزلة أحيت هذه العقيدة بطريقة خفضت فيها من غلو السابقين فأثبتت لله تعالى العلم والكتابة، وأنكرت مرتبتي الإرادة والخلق حيث قرروا أن العباد هم الخالقون بأفعالهم، وأنهم يفعلونها بمحض مشيئتهم دون مشيئة الله تعالى . ولهذا لم يكفرهم العلماء كما كفروا القدرية الغلاة السابقين، قال ابن تيمية: وأما القدرية الذين ينفون الكتابة والعلم فكفروهم ولم يكفروا من أثبت العلم ولم يثبت خلق الأفعال .
* ـ الجهمية: مهد التعاصر والتزامن بين الفرقتين والاتصالات الشخصية التي كانت بين جهم وبعض أصحاب واصل لأخذ المعتزلة من الجهمية عقيدتهم في التوحيد والتي تضمنت:
أ ـ نفي الصفات: يقول ابن تيمية: ثم أن أصل هذه المقالة ـ مقالة التعطيل للصفات ـ إنما هو مأخوذ من تلامذة اليهود والمشركين.. فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام.. هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه . ثم إن المعتزلة ورثت هذه البدعة من الجهمية وأحيتها ولكن بشكل خفضت فيه من غلو الجهمية، فإن الجهمية كانت تنفي عن الله الأسماء والصفات ، كما ذكر ابن تيمية: أن الجهم زاد نفي الأسماء على نفي الصفات ، أما المعتزلة فإنهم يثبتون الأسماء وينفون الصفات .
ب ـ القول بخلق القرآن، ونفي رؤية الله تعالى مطلقاً: قال ابن تيمية في المعتزلة: وتوحيدهم هو توحيد الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات وغير ذلك، قالوا: إن الله لا يرى وأن القرآن مخلوق . فهذه جملة ما أخذه المعتزلة عن الفرق السابقة عليها وهم الخوارج والقدرية والجهمية، وقد ظهر دورهم في إحيائها وقد غير المعتزلة في كثير منها حتى تخف الوطأة عليها، كما أنها جمعت لتلك العقائد الأدلة العقلية الفلسفية ثم جاءت الفرق فأخذت تلك العقائد بصورتها عن المعتزلة واستدلت بأدلة المعتزلة عليها .
4 ـ أصول المعتزلة الخمسة: اتفق جميع المعتزلة فيما بينهم على أصول خمس عقدية، جعلوها أساساً مهماً لمذهبهم الإعتزالي، وهذه الأصول هي: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومصطلح الأصول الخمسة لم يظهر عند واصل بن عطاء، وإنما أخذ عن تلاميذه واكتمل عند أبي الهذيل العلاف، والذي وصلت به الفرقة إلى ذروة الاعتزال، واكتملت على يديه موضوعاته، وقد كتب في الأصول الخمسة بعض فصول كتبه، ثم تتالت الكتب التي تحمل هذا المصطلح على يد جعفر بن حرب، والقاضي عبد الجبار وغيرهما من رجال المعتزلة ، ومع بداية الدولة العباسية نشطت حركة المعتزلة، وبدأوا يرسلون الرسل في الآفاق للدعوة إلى مذهبهم ومعتقدهم، وقد حظي مذهبهم بتأييد بعض الخلفاء العباسيين وخاصة في عهد المأمون، ونترك مناقشة أصول الاعتزال وموقف أهل السنة منها عند حديثنا عن الدولة العباسية بإذن الله تعالى.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق