253
الدولة الأموية
عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار
الفصل الثامن
الفتوحات الإسلامية في عهد عبد الملك والوليد وسليمان
المبحث الخامس : ولاية العهد وموقف سعيد بن المسيب منها ووصية عبد الملك لأولاده ووفاته:
ثانيا : وصية عبد الملك لأولاده ووفاته:
لما احتضر عبد الملك أمر بفتح الأبواب من قصره، فلما فتحت سمع قصاراً ـ أي: غسالاً ـ بالوادي، فقال: ما هذا قالوا: قصار، فقال: يا ليتني كنت قصاراً أعيش من عمل يدي، فلما بلغ ذلك سعيد بن المسيِّب قال: الحمد لله الذي جعلهم عند موته يفرون إلينا ولا نفر إليهم .
1 ـ ولما حضره الموت جعل يندم ويندب ويضرب بيده على رأسه ويقول: وددت لو أكتسب قوتي يوماً بيوم واشتغلت بعبادة ربي .
2 ـ وقيل له لما حضره الموت: كيف تجدك؟ قال: أجدني كما قال الله تعالى: ((وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ)) (الأنعام ، الآية : 94).
3 ـ وقيل إنه لما حضرته الوفاة دعا بنيه فوصاهم فقال: الحمد لله الذي لا يسأل أحداً من خلقه صغير أو كبيراً ثم أنشد:
فهل من خالد إما هالكنا
وهل بالموت للباقين عار
وقيل: إنه قال: أرفعوني فرفعوه حتى شم الهواء وقال: يا دنيا ما أطيبك؟ إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإن كنا بك لفي غرور، ثم تمثل بهذين البيتين:
إن تناقش يكن نقاشك يا رب
عذاباً لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز فأنت رب صفوح
عن مسيء ذنوبه كالتراب
وخطب عبد الملك يوماً خطبة بليغة، ثم قطعها وبكى بكاءً شديداً، ثم قال: يا رب إن ذنوبي عظيمة، وإن قليل عفوك أعظم منها، اللهم فامح بقليل عفوك عظيم ذنوبي فبلغ ذلك القول زاهد العراق الحسن البصري فبكى وقال: لو كان كلام يكتب بالذهب لكتب هذا الكلام ، وقال الشعبي: خطب عبد الملك، فقال: اللهمّ إن ذنوبي عظام وهي صغار في جنب عفوك يا كريم، فأغفرها لي .
4 ـ جاء ابنه الوليد بباب المجلس وهو غاص بالنساء، فقال: كيف أصبح أمير اامؤمنين؟ قيل له يُرجى له العافية وسمع عبد الملك ذلك فقال:
وكم سائل عنا يريد لنا الرَّدى
وكم سائلات والدموع ذوارف
ثم أمر النساء، فخرجن وأذن لبني أمية فدخلوا عليه وفيهم خالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية فقال لهما: يا بني يزيد أتحبان أن أقيلكما بيعة الوليد؟
قالا معاذ الله يا أمير المؤمنين. قال: لو قلتما غير ذلك لأمرت بقتلكما على حالتي هذه. ثم خرجوا عنه واشتد وجعه، فتمثل ببيت أمية بن الصَّلت:
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي
في قلال الجبال أرعى الوعولا
• وصية عبد الملك لابنه الوليد عند موته تدل على حزمه:
لما احتضر عبد الملك دخل ابنه الوليد فبكى، وقال له عبد الملك: ما هذا؟ أتخن حنين الجارية والأمة، إذا مت فشمر واتزر، وألبس جلد النمر وضع الأمور عند أقرانها واحذر قريشاً:
1 ـ يا وليد: أتقي الله فيما استخلفك فيه، واحفظ وصيتي.
2 ـ انظر إلى أخي معاوية فصل رحمه واحفظني فيه.
3 ـ وانظر إلى أخي محمد فأمره على الجزيرة ولا تعزله عنها.
4 ـ أنظر إلى ابن عمنا علي بن عباس، فإنه قد انقطع إلينا بمودته ونصيحته وله نسب وحق فصله رحمه، واعرف حقه.
5 ـ وانظر إلى الحجّاج بن يوسف فاكرمه، فإنه هو الذي مهد لك البلاد، وقهر الأعداء، وخلص لك الملك وشتت الخوارج.
6 ـ وأنهاك وإخوتك عن الفرقة، وكونوا أولاد أمٍ واحدة، وكونوا في الحرب أحراراً، وللمعروف مناراً، فإن الحرب لم تدن منية قبل وقتها، وإن المعروف يشيد ذكر صاحبه، ويميل القلوب بالمحبة، ويذلل الألسنة بالذكر الجميل، ولله در القائل:
إن الأمـور إذا اجتمعنا فـرامها
بالكسر ذو حنقٍ وبطشٍ مفند
عزت فلم تكسر وإن هي بددت
فالكسر والتوهين للمتبــدد
7 ـ ثم قال: إذا أنا مت فادعو الناس إلى بيعتك، ومن أبى فالسيف، وعليك بالإحسان إلى أخواتك فاكرمهن، وأحبهن إليَّ فاطمة، وكان قد أعطاها قرطي ماريا، والدرة اليتيمة، ثم قال: اللهم أحفظني فيها ، وكان قد تزوجها عمر بن عبد العزيز وهو ابن عمها.
ـ وصيته لبنيه:
لما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة دعا بنيه، فأوصاهم فقال:
1 ـ يا بني: أوصيكم بتقوى الله، فإنها أحصن كهف وأزين حلة ليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير منكم حق الكبير.
2 ـ وإياكم والاختلاف والفرقة، فإنها بها هلكة الأولون قبلكم، وذل ذو العدد والكثرة.
3 ـ وانظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه فإنه جنتكم الذي به تستجنون، ونابكم الذي عنه تفترون.
4 ـ اكرموا الحجّاج، فإنه وطأ لكم المنابر وكونوا عند القتال أحراراً وعند المعروف مناراً، وكونوا بني أم بررة، أحلولوا في مرارة ولينلوا في شدة ثم رفع رأيه إلى الوليد فقال:
5 ـ يا وليد: لأعرفنكم إذا وضعتني في حفرتي تمسح عينيك وتعصرهما فعل الأمة ولكن إذا وضعتني في حفرتي فشمر واتزر، والبس جلد النمر، ثم أصعد المنبر فادعو الناس إلى البيعة، من قال كذا فقل كذا .
* ـ وفاته ودفنه:
كان عبد الملك يقول: ولدت في رمضان، وفطمت في رمضان، وختمت القرآن في رمضان، وأتتني الخلافة في رمضان، وأخشى أن أموت في رمضان، فلما دخل شوال وأمن مات ، مات بدمشق سنة 86هـ يوم الجمعة وقيل الأربعاء وصلى عليه ابنه الوليد ولي عهده من بعده وكان عمره يوم مات ستين سنة، وقيل ثلاث وستين سنة وقيل ثمان وخمسين سنة ، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير ، وكان نقش خاتمه (آمنت بالله مخلصاً) ، وانفرد بالخلافة منذ مقتل ابن الزبير إلى وفاته، والصحيح أنه لما مات كان عمره ستين سنة حيث ولد عام ستة وعشرين هجرية .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق