247
الدولة الأموية
عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار
الفصل الثامن
الفتوحات الإسلامية في عهد عبد الملك والوليد وسليمان
المبحث الرابع : أهم الدروس والعبر والفوائد من الفتوحات في عهد عبد الملك والوليد وسليمان:
ثالثاً : تفسير حركة التعريب بين الشعوب المفتوحة:
نعني بالتعريب تحول لسان الأهالي في البلاد المفتوحة إلى اللسان العربي وهجر لغاتهم المحلية، وقد حدث هذا في عهد الخلافة الراشدة والدولة الأموية في المنطقة المحصورة بين الخليج والمحيط والمعروفة حالياً بمنطقة الدول العربية فقد هجر أهالى تلك البلدان لغاتهم الأعجمية وحلت اللغة العربية محل الآرامية والسريانية في الشام والعراق، والقبطية في مصر، والبربرية في بلدان المغرب ومن أهم أسباب التعريب
1 ـ انتشار الإسلام: ومهما يكن من أمر فإن انتشار الإسلام بتلك السرعة والسهولة اللتين تم بهما جاء ظاهرة فريدة من نوعها في التاريخ، ذلك أنه لم تكد تنقضي على وفاة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مائة سنة حتى كان الإسلام قد ثبتت ركائزه في بلاد ممتدة من المحيط الأطلسي وشبه جزيرة أيبيريا غرباً حتى بلاد الهند وحدود الصين شرقاً، وكان لا بد أن يأتي انتشار الإسلام مصحوباً بالتعريب، لأن معتنقيه كانوا مطالبين بأداء فروضه ومن الواضح أن النطق بالشهادتين يتطلب نطق بعض الألفاظ العربية وفهم معناها، فضلاً عن أن أداء شعائر الصلاة يتطلب معرفة فاتحة الكتاب وحفظ بعض قصار السور من القرآن الكريم، ثم إن الإسلام يطلب من المسلم الإنصات للقرآن الكريم إذا قرئ على مسمع منه وترتيله وتدبر ما فيه من آيات بينات، وهذه كلها أمور ترتبط بمعرفة اللغة العربية وفهمها. وطبيعي أن يكون من المتعذر على اللغات المحلية أن تستمر فأخذت تتقلص تدريجياً، وتنكمش دائرة استعمالها لتفسح المجال أمام العربية . وهناك حالات ترتبط ببلاد فتحها المسلمون وحكموها بضعة قرون ومع ذلك لم تعرب أي منهم، ونعني بهذه البلاد فارس والتركستان، فالفرس اعتنقوا الإسلام ولكنهم احتفظوا بلغتهم، وإن جاء هذا الاحتفاظ جزئياً غير كامل حيث إن اللغة الفارسية غدت تكتب وتدون بأحرف عربية من ناحية، كما أن كثيراً من الألفاظ العربية، وخاصة تلك المرتبطة بالإسلام وعلوم الدين دخلت الفارسية من ناحية أخرى ، وأما التركستان، فقد كانت حماية ما وراء النهر من عدوان الأتراك الشرقيين من أهم منجزات العصر الأموي التي مكنت السيادة الإسلامية في ما وراء النهر، وأضافوا إلى هذه الجهود جهوداً أخرى في ميدان الدعوة إلى الإسلام ونشر الثقافة العربية في البلاد، وقد وضحت هذه الجهود منذ فجر الفتح الأول، فقد كان قتيبة بن مسلم يبني المساجد في بخاري وسمرقند ولم تكن المساجد دوراً للعبادة فحسب إنما كانت مدارس الثقافة العربية الإسلامية، وأتبع ذلك بتوطين القبائل العربية في المدن الكبرى، وتتابعت الجهود في عهد عمر بن عبد العزيز الذي أسقط الجزية عمن أسلم وأمر عماله بالدعوة إلى الإسلام واستمرت هذه الجهود بعد عمر وخاصة في عهد الوالي أشرس بن عبد الله السلمي (108 ـ 110هـ) إذ كان أول من أنشأ الربط والخوانق والمدارس وعمل على تثبيت قدم الثقافة العربية في البلاد .
ومع كل ذلك فإن اللغة العربية لم تستطع أن تنتشر رغم إسلام الأتراك وحماسهم الشديد له وكل ما عمله الأتراك أنهم انتحلوا الخط العربي بحيث لا تجد تركيا على شيء من التعليم لا يستطيع أن يفهم لغة القرآن في سهولة ، وهنا لابد أن نأتي إلى تلك النتيجة المنطقية وهي أن انتشار الإسلام قد أدى إلى انتشار اللغة العربية ولكنه لم يؤد بالضرورة إلى التعريب في المناطق الفارسية والتركية وغيرها.
2 ـ هجرة القبائل العربية إلى البلاد المفتوحة:
ساعد على تعريب البلاد المفتوحة أن العرب الذين نزحوا إلى الأرض الجديدة استقر معظمهم فيها، ولم يستمروا طويلاً في حالة عزلة وإنما أخذوا يندمجون تدريجياً مع الأهالي الأصليين، ولعل أول موجة نذكرها جاءت إلى مصر مع عمرو بن العاص واستمرت الهجرة في العهد الأموي وأخذوا يندمجون تدريجياً مع الأهالي الأصليين .
3 ـ تعريب الدواوين:
ومن الأمور التي ساعدت على حركة التعريب، ما قام به عبد الملك من حركة التعريب في الدواوين فقد أدى هذا الفعل إلى تعريب اللسان ونشر الخط العربي في كل البلدان التي توالى فيها بعد ذلك نقل دواوينها إلى اللغة العربية، ذلك أن: استخدام اللغة العربية في الشئون الإدارية كان وسيلة فعالة كبرى إلى نشر العلم بطراز معهود في الكتابة العربية، ومن الثابت أيضاً أن هذا الطراز لم يتم تطوره الكامل بتحقيق حروف الهجاء من أواخر القرن الأول بعد الهجرة .
4 ـ تفوق الحضارة الإسلامية: ساعد ازدهار الحضارة الإسلامية واتساع نطاقها وتنوع آفاقها على حركة التعريب فهذه الحضارة ساهمت في كافة الميادين ذات الخبرة الإنسانية، سواء الدراسات القطرية والعملية والأطعمة والأشربة والعقاقير والأسلحة والفنون والصناعات والنشاط التجاري والبحري، وكانت اللغة العربية أداة تلك الحضارة العظيمة ، وقد استفاد العرب من حضارات الأمم الأخرى وقد أدى تفوق الحضارة الإسلامية إلى انتشار اللغة العربية في ربوع العالم ولكنه لم يؤد إلى التعريب .
5 ـ لغة الغالبين الفاتحين: كانت اللغة العربية هي لغة الغالبين الفاتحين، سادة البلاد، وحكامها الجدد، وثمة علاقات متبادلة بين الحاكم والمحكوم تتطلب قدراً من التفاهم المشترك الذي لا يتحقق إلا داخل إطار لغة متفق عليها بين الطرفين، ولما كان الحكام الجدد لا يعرفون لغة إلا العربية، فلم يبق أمام الشعوب التي خضعت لهم سوى تعلم العربية، هذا فضلاً عما يقال من أن ثمة عقدة نفسية عند البشر تجعل الضعيف شغوفاً بمحاكاة القوي، والمغلوب مولعاً دائماً أبداً بتقاليد الغالب وهذا القول ليس على اطلاقه فهناك أمثلة عديدة في التاريخ قبل حركة الفتوح الإسلامية وبعدها تثبت أن تحول شعوب بأكملها إلى لغة الحكام الفاتحين ونبذها لغة الآباء والأجداد ليست القاعدة في التاريخ فاللغة العربية وإن كانت لغة غالب الفاتحين فإن ذلك لم يؤد إلى تعريب كل الشعوب، وإن أدى ذلك إلى انتشار اللغة العربية في تلك البلاد المفتوحة وذلك أن الإسلام لا يجبر الشعوب على ترك لغتها وأعرافها وعاداتها ما لم تخالف الشرع . هذه هي أهم الأسباب التي ساهمت في انتشار اللغة العربية وحركة التعريب في بعض البلدان المفتوحة.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق