62
موسوعة الحروب الصليبية (5)المغول (التتار )بين الانتشار والإنكسار
الفصل الأول:المشروع المغولي وغزوهم لبلاد المسلمين
المبحث الثاني:ظهور جنكيز خان على مسرح الأحداث:
خامساً:مقومات المشروع المغولي في عهد جنكيز خان:
8 ـ الاستراتيجية المغولية:
كان المغول على مقربة من الحضارة الصينية، لذا فإن تأثير الثقافة الصينية المتفوقة على المجتمع المغولي أمر لا يمكن إهماله ، وهناك احتمال بأن يكون جنكيز خان قد تأثر، بالتفكير العسكري الصيني في مجال المحاربة وسبب ذلك أن جنكيز خان، بعد أن نجح في تدمير إمبراطورية كين الصينية، التي كانت تعرف بالإمبراطورية الذهبية أكره عدداً كبيراً من العلماء والعسكريين وأصحاب الحرف والفنون الصينيين على العمل في خدمته، وكان المغول ولا شك حتى قبل اجتيازهم لجدار الصين الكبير، قد تأثروا بمن كانوا يزورهم من الصينيين من تجَّار وعلماء ومنفيين سياسيين وعسكريين فارين من حاميات الحدود والسر في ذلك النجاح العجيب للمغول في قيادة الجيوش، هو تفهم الكامل لطبيعة الحرب، فلقد قاتلوا بدهاء غير معطين غير إمهال، ينتزعون المبادرة ويحتفظون بها دون تراخ أو مهادنة، ويعملون في نفس الوقت على تسكين مخاوف الخصم بحمله على شعور بالأمن الكاذب وذلك قبل أن يتحركوا منقضين عليه كالصاعقة، لقد كان المغول يعدون بعناية ودقة خططهم لكل حرب في المجلس العام (الكوريلتاي) الذي كان نوعاً من مجلس حربي أيضاً، لقد كانوا يرسلون العملاء والجواسيس إلى أراضي العدو ليأتوا بأعلام عن أموره العسكرية، والسياسية والاقتصادية، والجلوغرافية وكانوا يستعملون بحذق ودهاء تكتيكات ما يعرف اليوم باسم الرتل الخامس، ويتعاطون المحاربة النفسية، وقد استخدموا في الصين وأوربا الشرقية، سياسة الإرهاب الكلية، وادَّعوا في فارس وبلاد ما وراء النهر، بأنهم غضب الله وكان يترك لقادة الميدان، بعد وضع الخطة، كامل الحرية في استخدام مواهبهم ومبادراتهم، في نطاق حدود واسعة لتنفيذ الاستراتيجية العامة عند بداية فصل الحصاد، وبينما يكون الفلاحون في البلد الضحية، غارقين عاكفين على حصاد مزروعاتهم، وإذا بهم يفاجئون بنزول المغول عليهم كالجراد، لالتقاط حاجتهم من الحبوب، ولإتلاف ما يزيد عن هذه الحاجة .
وقد وصف كاتب أوربي أسلوب القتال والمحاربة المغولية ووقعه على الأوربيون كما يلي:
إن أوربا تدرك اليوم معنى المحاربة المغولية وأبعادها، كانت تعليمات جنكيز خان تقضي بأن يعم الرعب والهلع جميع الأرجاء عقب الضربة الأولى، وأن يعمّ الشلل الأرض ومن عليها بإثارة إحساس بالعجز التام كالذي تحدثه كارثة طبيعية لا رماد لها ولا وقاية منها، وبحيث يكون الشعور بأن كل مقاومة لن تكون سوى الجنون المطبق بعينه، إن الشياطين أخوان الشياطين، وقد أرسلهم الله غضباً ولعنة .لقد اظهر جنكيز خان للعالم بصورة دراماتيكية، وكشف عن القيمة الحقيقية للمزج العسكري من الاستعداد والإعلام، والانضباط، والحركية وضربة المطرقة والدروس المستفادة من حروب جنكيز خان من حيث الجوهريات لا تزال اليوم صالحة كما كانت في أيامه ولذلك أن واضعي نظرية القتال الميكانيكية الحديثة والداعين إلى حرب الدبابات ومنظريها، كالجنرال فوللر والسير ليدل هارت وآخرين قد لجأوا إلى حروب جنكيز خان، ليستوحوا منها التوجيه والإرشاد .
إن الدرس الجوهري الذي نتعلمه من الإستراتيجية المغولية وإنجازاتها العسكرية يتمثل في واقع أنه ما لم يكن الجيش مجبولاً ومشرباً بروحية واحدة شاملة من التفاهم، والانسجام، والمسعى الواحد والتكرس للهدف والغاية، ابتداء من القائد الأعلى حتى جندي الصف، فإن ذلك الجيش لا يستطيع أن يقاتل ويفوز .
لقد تميز التخطيط الاستراتيجي المغولي بالتركيز على المؤسسة العسكرية والتي اشتهرت بالعمليات الحركية السريعة الخاطفة، واستعمال الخداع والمخاتلة على سلم كبير وإخضاع المجتمع كله لأغراضها الخاصة وجني طاقة عمل ضخمة من شدة الانضباط والتقيد بالقوانين والسهر على تطبيقها، وتتميز هذه العسكرية أيضاً في الأمور التالية:
ـ تأمين الإعلام الاستراتيجي اللازم لمناورات المخادعة والتضليل، بقصد تشتيت العدو.
ـ توسيع الخلافات الداخلية لدى الخصم.
ـ استغلال السرعة وطاقة الاحتمال للمناورة والمفاجأة.
ـ تجنيد الطاقة البشرية المحلية المغلوبة، لتغطية الخسائر في الصفوف وتدثيرها.
ـ احتلال المدن قبل أن تظهر فيها أية مقاومة جدية.
ـ التنسيق الصحيح، وفي حينه، بين مفارز متباعدة.
وهذه الميزات جميعها تؤدي إلى الحفاظ على الطاقة البشرية المحدودة وإلى الانتصار، ولم يقم النجاح العسكري المغولي على كفاءة واحدة ، وإنما قام على اشتراك وتعاون من جميع الكفاءات، ولو غير مغولية، كان الصينيون ينتجون مهندسين أفضل/ والأتراك خيالة أسرع، والمسلمون أكثر بطولة، إلا أن المغول كانوا يظهرون جميع إمكانياتهم وخواصهم، المادية والروحية والنفسية، في نموذجية عسكرية صالحة لشعب مكرَّس بكليته للحرب، لقد حول المغول رابطة قبيلة طوعية إلى دولة عسكرية عديدة الأوجه والأدوار، وحافظوا جيوشهم قوية بالانضباط الصارم وافتراس العدو، وكانت الشبكات البريدية ومحطاتها المرحلية تسمح بالاستجابة عاجلاً إلى كل تحد على حدودهم المترامية الأطراف، وكانت استراتيجيتهم ذاتية المنبع، قامت وتطورت، حسب الاستطاعة التكتيكية والإمكانات الاستراتيجية المتاحة لهم .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق