60
موسوعة الحروب الصليبية (5)المغول (التتار )بين الانتشار والإنكسار
الفصل الأول:المشروع المغولي وغزوهم لبلاد المسلمين
المبحث الثاني:ظهور جنكيز خان على مسرح الأحداث:
خامساً:مقومات المشروع المغولي في عهد جنكيز خان:
6 ـ حكيم من الصين:
وقع على يلوي شو تسي أن يلعب دوراً هاماً وصعباً أثناء قيام الإمبراطورية المغولية، فقد حظي بإعجاب جنكيز خان منذ أن وقعت عينه عليه وكان أول فيلسوف صيني يلتحق بالجيش المغولي ولم يجعل المغول الأمور ممهدة أمام هذا الطالب للفلسفة والطب والفلك وحدث مرة أن سخر ضابط معروف بمهاراته في صنع الأقواس بالصيني العالي القامة والطويل اللحية، يقول له: ما هي الفائدة من وجود رجل كتب مع محاربين؟ فرد الصيني: إن صنع أقواس جيدة يحتاج إلى نجار، وأما عند ما يستدعي الأمر إدارة إمبراطورية، فالحاجة تدعو إلى صاحب حكمة، وصار حظيا لدى جنكيز خان وأثناء حروبه الكثيرة والطويلة، بينما كان المغول يجمعون الأسلاب والغنائم، كان هذا الحكيم يجمع الكتب والجداول الفلكية والأعشاب الطبية، وقد سجل جغرافية الحملات والمعارك والمواقع، وعند ما اجتاحت الجيش موجة من الوباء، فقد تأمنت له الفرصة عندئذ للأخذ بثأره من الضباط الذين كانوا يهزأون به وبكتبه لقد سقاهم من ماء أعشابه وجعل الله لهم فيه شفاء.
كان جنكيز خان يقدره لعلمه ونزاهته، ولم يترك الحكيم الصيني فرصة تمر إلا حاول فيها إيقاف القتل الذي كان يفرش طريق الجيش المغولي، وتقول أسطورة إن جنكيز خان شاهد مرة في مضائق جبال هملايا السفلى، حيواناً، عجيباً بشكل أيل، لكن أخضر اللون وبقرن واحد لا غير، فاستدعى هذا الصيني ليسأله عن ذلك الحيوان، فأجاب هذا بصوت خفيف وقور: هذا هو كيو ـ توان. إنه مخلوق يعرف جميع اللغات الأرضية، ويحب الأحياء من بني الإنسان، ويشمئز كثيراً من أعمال التقتيل.
إن ظهوره هو بلا شك تحذير لك أيها السيد الخان، ودعوة إلى الكف عن اتباع هذا السبيل ، وتعتبر كتابات الحكيم الصيني ـ ليو تشو تسي من أدق المصادر وأوثقها، ويرجع إليه الفضل فيما كان للمدينة الصينية من تأثير على جنكيز خان وفي حد المذابح التي كان يجريها المغول في السكان بعد الاستيلاء على بلادهم وفي انقاد الكتب من النهب والحريق الذي تعرضت له المدن على أبدي المغول ومن مظاهر اهتمامه أيضاً، ما أجراه من أبحاث لاستخلص عقاقير طبية، لمكافحة ما يصدر عن جثث الضحايا من أوبئة وعلى الرغم من إخلاص بي لوي تشو تسي لدولة المغول، ولأسرة جنكيز خان، فإنه لم يستطع أن يخفي شعوره وعاطفته حينما يطلب الرأفة بمدينة أو إقليم، حل به قضاء المغول وحكمهم ويشير إلى ذلك اوكيتاي ابن جنكيز خان بقوله: ألا تزال تبكي على هؤلاء القوم.
ومع ذلك كان لوساطته الفطنة الحكيمة أهمية في وقف إجراءات يتعذر تلافيها أو إصلاحها، فنظراً لأنه ينتمي أصلاً للعنصر المغول ولأنه تشبع بالحضارة الصينية يعتبر وسيطاً طبيعياً بين عنصر المغلوبين على أمرهم وبين الطغاة المغول، على أنه ما كان ليسعى مباشرة عند المغول للدفاع عن قضية إنسانية، خوفاً من أنه لا يجري الاستماع إليه، بل حرص على أن يثبت لهم أن الرأفة من دواعي السياسة السليمة وبذلك كان يحقق غرضه، فما كان يرتكبه المغول من همجية ووحشية، ويرجع إلى ما اشتهروا به من الجهل، وحدث في أثناء الحملة الأخيرة التي قادها جنكيز خان على كانسو، أن أشار قائد مغولي إلى أنه لا جدوى من الرعايا الصينيين الجدد، لأنهم ليسوا صالحين لاستخدامهم في الحرب ولذا يحسن استئصال شأفة كل هؤلاء السكان، الذين يبلغ عددهم نحو عشرة ملايين نسمة، حتى يصبح تحويل جانب من الأرض إلى مراعي لخيل العساكر، وأعرب جنكيز خان عن تقديره لهذه النصيحة غير أن الحكيم الصيني لم يلبث أن أعلن للمغول الذين لا يرتابون في إخلاصه مطلقاً ما يعود عليهم من المزايا باستغلال الأراضي الخصبة والإفادة من هؤلاء الرعايا المجدين وشرح أن ما يفرض من الضرائب على الأرض، ومن مكوس على المتاجر سوف يتحصل منها كل سنة نحو 500 ألف أوقية من الفضة، و80 ألف ثوب من الحرير، 400 ألف غرارة من الحبوب، فكسب بذلك المعركة، وعهد إليه جنكيز خان أن يضع على هذه القواعد مقدار ما يتحصل من الضريبة .
ومما يذكر لجنكيز خان تقديره واحترامه واستفادته من المتحضرين والمثقفين وأصحاب الخبرات وفي عهد أوغوداي، خليفة جنكيز خان وابنه، كان هذا الصيني يدير الإمبراطورية بمفرده تقريباً، وقد استطاع أن يأخذ أمر تنفيذ العقوبات من أيدي الضباط المغول القساة القلب ليضع ذلك في أيدي قضاة عينهم لهذا الواجب، كما عين جباة ضرائب لصالح الخزينة، وكانت شجاعته وحكمته وسرعة خاطره، وذكاؤه يستدعي إعجاب القادة المغول وكان يعرف كيف يؤثر فيهم، فمثلاً كان الخاقان أوغوداي مدمناً على الشراب بكثرة وكان للحكيم الصيني رغبة كبيرة في أن يظل هذا الخاقان على قيد الحياة أطول مدة ممكنة ولما رأى أن نصائحه لأغوداي واعتراضه على إغراقه في شرب الخمر لا تجدي فتيلاً، جاءه يوماً بوعاء من حديد تحتفظ به الخمرة، وقد تآكلت حافته بفعل الكحول، عرض هذا الوعاء على العاهل المغولي وهو يقول: إذا كانت الخمرة تحدث مثل هذا التأثير في الحديد، فاحكم بنفسك كيف يكون تأثيرها في أحشائك وتأثر أوغوداي بهذه البرهنة، فاعتدل في شرابه، ومرة غضب أوغوداي لعمل قام به الوزير الصيني وأمر بإلقائه في السجن، ولكنه غير رأيه بعد فترة وأمر بالإفراج عنه ولكن الصيني لم يرغب في مغادرة السجن، وأرسل أوغوداي يستفسر عن السبب الذي منعه عن الظهور في البلاط فأجاب: أنت جعلتني وزيراً لك وأنت وضعتني في السجن، إذن فإني مذنب، وأنت أطلقت سراحي، إذن فأنا برأي، إنه لسهل عليك أن تجعل مني ألعوبة في يديك ولكن كيف أستطيع بعد ذلك أن أدير شؤون الإمبراطورية؟ وأعيد بعد ذلك لوظيفته وكان بعض الضباط المغول يتهمونه باطلاً بجمع ثروة كبيرة من وراء عمله مع جنكيز خان وأوغوداي ولذا عمدوا بعد موته إلى تفتيش مسكنه لكي لا يجدوا من الثروة المزعومة غير أدوات موسيقية متحفية ومخطوطات، وخرائط وجداول وحجارة عليها كتابات منحوتة .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق