74
موسوعة الحروب الصليبية (5)المغول (التتار )بين الانتشار والإنكسار
الفصل الأول:المشروع المغولي وغزوهم لبلاد المسلمين
المبحث الثالث:إزالة المغول للدولة الخوارزمية:
ثالثاً:أسباب الغزو المغولي للخوارزميين:
6 ـ الدبلوماسية المغولية لحل المشكلة:
رأى جنكيز خان أن يسوي هذا الأمر مع الخوارزميين بالطرق السلمية فأراد أن يستطلع حقيقة الأمر ولم يستعجل وحرص على حل المشكل بالطرق السلمية، وهذا يدل على حكمته وبعد نظره، كما يظهر من خلال الأحداث بأنه كان لخوارزمشاه هيبته عند جنكيز خان فعمل على تدميرها نفسياً وسياسياً وعسكرياً وأخلاقياً، فأرسل ابن كفرج بغرا، وفي صحبته اثنان من المغول، رسلاً من قبله يطلبان تفسيراً وإيضاحاً لما حدث، وبعث معهم رسالة إلى علاء الدين محمد خوارزمشاه يقول فيها: إنك قد أعطبت خطك ويدك بالأمان للتجار،، وألا تتعرض إلى أحد منهم،فغدرت ونكثت، والغدر قبيح، ومن سلطان الإسلام أقبح، فإذا كنت تزعم أن الذي ارتكبه ينال خان كان من غير أمر صدر منك فسلم ينال خان إليَّ لأجازيه على ما فعل، حقناً للدماء، وتسكيناً للدماء، وإلا فأذن بحرب ترخص فيها غوالي الأرواح، وتتعضد معها عوامل الرماح , وبلغ من استياء علاء الدين محمد من هذه الرسالة أن أمر بقتل ابن كفرج بغرا، أما الرسولان اللذان صحباه، فقد أطلق سراحهما، وسمح لهما بالعودة إلى الخان ليرويا له ما حدث ، ولما وصل نبأ العدوان إلى جنكيز خان قال غاضباً: لا تجتمع شمسان في سماء واحدة ولا يجوز أن يبقى خاقانان على أرض واحدة، وأرسل إلى خوارزمشاه رسالة مقتضبة تنذره بسوء عاقبة ما فعل (أنت الذي اخترت الحرب، ولا مرد للقدر، وأننا نجهل العاقبة، وعلمها عند الله ).
وهكذا نجد أن علاء الدين محمد خوارزمشاه قد حدد بهذه السياسة غير الرشيدة، موقف المغول تجاه الخوارزميين، ولم يتح لهم أي مجال للبحث على أمل للعيش معهم في سلام، ولم يترك أمامهم إلا سبيلاً واحدة هي الحرب ، ويؤكد برو أن مسئولية علاء الدين عن خطر الغزو المغولي الذي تعرض له المسلمون بقوله: والرأي السائد أنه لم يكن هناك ما يحول دون وقوع غارة المغول، ولكنها من غير شك سهلت ويسرت حدوثها بواسطة ما عرف عن ملك خوارزم علاء الدين محمد من طمع وخيانة وتردد، وأما خيانته فظاهرة، لأنه أقدم على قتل رسل المغول وتجارهم، فأعطى بذلك لجنكيز خان الحجة الدامغة لتبرير الهجوم عليه، كذلك من أنهم عند أول صدمة تلقاها من المغول أسرع إلى إظهار الفزع والخوف بدل ما كان يبديه من غطرسة وتحدٍ .
ولم يكن إقدام علاء الدين محمد على قتل تجار ورسل المغول هو العامل الوحيد الذي أثار المغول وشجعهم على غزو الأقطار الشرقية للدولة الإسلامية، بل أن قضاء الأمير الخوارزمي على حكام جميع البلاد التي استولى عليها في توسعه شرقاً وغرباً، قوي عزمهم على الزحف على هذه الأقطار، وبسط سيطرتهم عليها، يقول ابن الأثير: فإن هؤلاء التتار إنما استقام لهم هذا الأمر لعدم المانع، وسبب عدمه أن خوارزمشاه محمداً كان قد استولى على البلاد وقتل ملوكها أفناهم، وبقي هو وحده سلطان البلاد جميعها، فلما انهزم منهم لم يبق في البلاد من يمنعهم ولا من يحميها، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ، وهناك من يرجع سبب الغزو المغولي إلى تحريض الخليفة العباسي الناصر لدين الله جنكيز خان على غزو الدولة الخوارزمية، وقد جاء اتهام الناصر بذلك في ابن الأثير، حيث قال: وكان سبب ما ينسبه العجم إليه صحيحاً من أنه هو الذي أطمع التتار في البلاد، وراسلهم في ذلك، فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم .
وقد تابع ابن الأثير في هذا الاتهام فريق من المؤرخين الأقدمين كابن الوردي وابن الفرات ، كما جاء الاتهام في كتب بعض المستشرقين، ومن هؤلاء براون، فقد أورد هذا الاتهام في معرض حديثه على الناصر وعلاقته بخوارزمشاه بقوله: وأخذ يشجع المغول على مهاجمته ، ومن بينهم هارولد لام وكارتن فقد ذكرا أن الخليفة عرض على جنكيز خان في رسالته أن يقوم هو بمهاجمة الدولة الخوارزمية من الشرق، ويتولى الناصر مهمة مهاجمتها من الغرب، وبذلك يطبقان عليها . إن من يتأمل ما ذكره ابن الأثير يتضح له كراهيته للخليفة الناصر، لذا وصمه بهذا الاتهام تشهيراً به، ولما أحس الأمر قد ينكشف وتتضح براءة الناصر، نسب روايته إلى مصدر مطعون في صدقه، وهو العجم أي الخوارزميين، ومما يجدر ذكره أن هناك مؤرخين غير ابن الأثير عاصروا هذه الفترة، ولم يشيروا إلى اتصال الناصر بالمغول، من أمثال النسوي، وسبط ابن الجوزي، وابن شداد، وأبي شامة، ويليهم ابن واصل، واليونيني، وابن طباطبا، ولا نغفل أن المؤرخين الصينيين الذين رافقوا حملة جنكيز خان وأولاده وأرخوا لهم تاريخهم، لم تكن مدوناتهم مجهولة للمؤرخين المسلمين الذين خدموا المغول فيما بعد ، ولذلك فإنا نرجح عدم صحة اتهام الناصر بتحريض المغول على غزو الدولة الخوارزمية، أو تسببه بأية صورة في وقوع ذلك الهجوم، ونرى أن ما فعله خوارزمشاه كان وحده كافياً لقيام جنكيز خان بذلك الغزو المدمر لشرق بلاد الإسلام .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق