100
موسوعة الحروب الصليبية (5)المغول (التتار )بين الانتشار والإنكسار
الفصل الأول:المشروع المغولي وغزوهم لبلاد المسلمين
المبحث الثالث:إزالة المغول للدولة الخوارزمية:
خامساً:أسباب زوال الدولة الخوارزمية:
إن أسباب سقوط الدولة الخوارزمية كثيرة، جامعها الابتعاد عن تحكيم شرع الله في النظم السياسية والمالية والاجتماعية والعسكرية والأخلاقية..الخ، فعندما يغيب شرع الله في أمور الحكم يجلب للأفراد والدولة والشعوب المنضوية تحتها تعاسة وضنكاً في الدنيا، والمعروف أن السبب في زوال الدولة الخوارزمية وجلب كارثة المغول على الأمة، هو خطأ ارتكبه السلطان علاء الدين محمد خوارزمشاه وذلك أنه أمر بقتل التجار التتار الذين دخلوا بلاده لممارسة التجارة، ولما أرسل إليه جنكيز خان سفيراً يسأله عن سبب قتل التجار، قتله أيضاً، فاشتعل جنكيز خان غضباً، وقام بحملة هوجاء على مملكة خوارزمشاه ثم على عالم الإسلام كله ، وإذا تأملنا في القرآن الكريم في ضوء سنن الله الخالدة لنتائج الأعمال والأخلاق، وإزدهار الأمم وإنحطاطها الذي أشار إليه القرآن، لا سيما ما ذكره في بدء سورة الإسراء من تدهور بني إسرائيل وإفسادهم في الأرض، وعلوهم وتمردهم، وما جرى ذلك من زحف الملوك الظالمين، وتسلطهم على بني إسرائيل وخراب المسجد الأقصي، يبدو أن السبب الحقيقي في هذه الفتنة الكبرى والمحنة التي أصيب بها العالم الإسلامي، ليس أن يقترف ملك أو حاكم من خطأ في التدبير والسياسة فيتدفق سيل عرم من المحن والبلاء، ويفاجئ العالم الإسلامي وتصاب الأمة الإسلامية بهذه الفتنة العمياء، ـ التي لم تكن تتوقعها ولا تستحقها، لمجرد أن يخطئ فرد من أفرادها، وإذا حملنا نبراس القرآن في يدنا، واستعرضنا أوضاع المسلمين الخلقية والدينية، والمدنية والسياسية في ذلك العصر تحقق لنا كالشمس في رابعة النهار، أن هذه الحادثة المشئومة لم تكن مفاجئة وإنما هناك أسباب أكثر عمقاً وأصالة مما ظنه الناس وذكروه ، إن هلاك الأمم وسقوط الدول وزوال الحضارات لا يحدث عبثاً في حركة التاريخ، بل نتيجة لممارسة هذه الأسرة الحاكمة أو الدولة أو الأمة الظلم والانحراف، وبعد أن يعطوا الفرصة الكافية، حتى تحق عليهم الكلمة فيدفعوا ثمن إنحرافهم وإجرامهم وطغيانهم وفسقهم، والآيات صريحة في ذلك، إذا أنعم على دولة نعمة أيا كانت فهو لا يسلبها حتى يكفر بها أصحابها ، قال تعالى: "ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الأنفال،آية:53)، والآيات في هذا كثيرة، سواء ما يخص الفرد أو الأمة، بل إن القرآن الكريم ليذكر أن بعض ما يصيب الأمم والأفراد من استدراج حين يمهلهم الله تعالى وتواتيهم الدنيا، وتفتح عليها خيراتها فينسوا مهمتهم وما خلقوا له، بل ينسون المنعم جل جلاله، وينسون ما عندهم لجهدهم وذكائهم وقد يفلسفون الأمر فيقولون لو لم نكن نستحق هذه النعم لما مُنحت لنا وفي هؤلاء يقول تعالى:"فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيءٍ حتى إذا فرِحوا بما أُوتوا أخذنهم بغته فإذا هم مبلسون* فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين*" (الأنعام آية 44ـ45) والمهم أن الله تعالى لا يحجب نعمة عن أحد، بل يوزعها على المؤمن والكافر ثم يراقب الكل فيها فمن طغى وظلم ومن كفر بها واستعملها استعمالاً سيئاً فإن العقاب العادل سينزل به في الوقت المناسب وقد يطول ذلك العهد قبل نزول العقاب ولكنه يكون في الطريق وبعد هذا وذلك فإنه"لا يكلف الله نفساً إلا وُسعها" (البقرة، آية: 286).
ومن الملاحظ في دراسة أسباب سقوط الدول والحضارات بأنها لا تسقط بسبب واحد، بل تتجمع عدة أسباب لقيامها، وعدة أسباب لتدهورها وسقوطها، بعضها يعمل ببطء بينما البعض الآخر بسرعة أكبر، ولا تسقط الدولة بضربة واحدة بل بتضافر جملة من العوامل ، وهذا ما حدث للدولة الخوارزمية التي زالت من الوجود في المشرق الإسلامي بعد الإجتياح المغولي لديار المسلمين وأهم هذه الأسباب في نظري.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق