الأربعاء، 18 نوفمبر 2015

278 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الثالث و العشرون السبئيون


278

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
  
الفصل الثالث و العشرون

السبئيون

لقد أضرت حروب "كرب أي وتر" المذكور في ضراً فادحاً بالعربية الجنوبية فقد أحرق اكثر الأماكن التي استولى عليها، و أمر بقتل من وقع في أيدي جيشه من المحاربين، ثم أمر بإعمال السيف في رقاب سكان المدن والقرى المستسلمة فأهلك خلقاً كثيرا. ونجد سياسة القتل والإحراق هذه عند غير "كرب أيل" أيضاً، وهي سياسة أدت إلى تدهور الحال في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية، وإلى اندثار كثير من المواضع بسبب أصحابها وهلاك أصحابها.

وقد عثرت بعثة "وندل فيلبس" في اليمن على كتابة وسمتها البعثة ب Jamme 819 ، جاء فيها: "وبكرب آل و بسمه". أي "وبكرب ايل وسمه". وحرف الواو هنا في واو القسم، و الكتابة من بقايا كتابة أطول تهشمت فلم يبق منها غير الجملة المذكورة. وقد ذهب "جامه" Jamme . ناشرها إلى إنها من عهد سابق لحكم المكربين، و قد زمن كتابتها القرن الثامن أو السابع قبل الميلاد.

كما عثرت تلك البصمة على كتابات أخرى وسمت ب Jamme 550، وب Jamme 552، و ب Jamme 555، و بJamme557 وردت فيها أسماء لم تذكر بعدها جملة "مكرب سبأ" على عادة الكتابات، غير إن ظاهر النص والألفاظ المستعملة فيه، مثل: "قين يدع ايل بين"، يدلان على إنها أسماء "مكربين" حكموا سبأ قبل عهد الملوك.

فقد دوّن في النصف الأول من النص Jamme550 أسماء المكربين: "يدع آل بين" "يدع ايل بين" و "يكرب ملك وتر" "يكربملك وتر"، و "يثع أمر بين". ودوّن في النصف الثاني من أسماء "يدع آل بين" "يدع ايل بين" و "يكرب ملك وتر" "يكر بمللك وتر"، و "يثع أمر بين"، و "كرب آل وتر" "كرب ايل وتر"،أي الأسماء المذكورة في النصف الأول نفسها، ما خلا اسم "كرب ايل وتر". فنحن في هذا النص بنصفيه أمام أربعة مكربين، كانوا من "مذمرم" أي من بني "مذمر".

ومدوّن النص والامر بكتابته شخص اسمه "تبع كرب" "تبعكرب"، و كان كاهناً "رشو" للالهة "ذت غضرن" "ذات غضران"، أي كناية عن الشمس، كما كان بدرجهٌ "قين"، أي موظف كبر مسؤول عن الأمور المالية للدولة أو للمعبد، كأن يتولى إدارة الأموال. وكان "قيناً" لمعبد "سحر"، أي المتولي لأموره المالية والمشرف على ما يصل إلى المعبد من حقوق ومعاملات وعقود من تأجير الحبوس الموقوفة عليه، كما كأن قيناً للمكربين المذكورين. و قد ذكر في نصه إنه أمر ببناء جزء من جدار معبد "المقه" من الحد الذي يحد أسفل الكتابة أي قاعدتها إلى أعلى المعبد، كما أمر ببناء كل الأبراج وما على السقف من أبنية و متعلقاتها، وذلك عن أولاده وأطفاله وأمواله وعن كل ما يقتنيه "هقنيهو" وعن كل تخيله "انخلهو" ب"اذنت" "ادنة" وب "كتم" و ب "ورق" و ب "ترد" و ب"وغمم" "وغم" و ب "عسمت" "عسمة" وب "برام" وب "سحم" وب "مطرن بيسرن"، أي بمنطقة "مطرن" التي في أرض "سرن" "يسران"، وهي تسقى الماء بواسطة قناطر تعبر فوقها المياه، و بمنطقة "ردمن" "ردمان" من أرض "يسرن" "يسران"، التي تروى بمياه السدود، وبأرض "مخضن" الواقعة ب "يهدل".

وقد قام بهذا العمل أيضاً، لأن المقه أوحى في قلبه إنه سيهبه غلاماً، ولأن "يكرب ملك وتر"، اختاره ليشرف على إدارة الأعمال المتعلقة بالحرب التي وقعت بين قتبان وسبأ وقبائلها، فقام بما عهد إليه، وذلك لمدة خمس سنين، وأدى ما كان عليه إن يؤديه على احسن وجه، ولأن الإله "المقه" حرس ووقى كل السبئيين وكل القبائل الأخرى التي اشتركت معهم وكل المشاة "ارجل" الذين ارسلوا على مدينة "تهرجب"، و لأن إلهه حفظه ومكنه من إدارة الأعمال التي عهد الملك إليه، فتولى آمر سبأ والقبائل التي كانت معها، ووجه الأمور احسن وجه ضد الأعمال العدوانية التي قام بها آهل "تهرجب" وغيرهم ضد سبأ، في خلال سنتين كاملتين، حتى وفقه الإلَه لعقد سلام "سلم" بين سبأ و قتبان، فأثابه "يثع أمر بين" على ما صنع.

ويظهر من هذا النص إن "تبع كرب" "تبعكرب"، الكاهن "رشو" و "القين" كان من كبار الملاكين في سبأ في أيامه، له أرضون وأملاك واسعة في أماكن متعددة من سبأ. وقد كانت تدرّ عيه أرباحاً كبيرة وغلة وافرة، يضاف إلى ذلك ما كان يأتيه من غلات المعبد الذي يديره، والنذور التي تنذر للإله "سحر"، ثم الأرباح التي تأتيه من وظيفته في الدولة.

ويظهر إنه كتب نصه المذكور بعد اعتزاله الخدمة لتقدمه في السن، في أوائل أيام حكم "كرب ايل وتر". ولذلك تكون جميع الحوادث والأعمال التي أشار إليها قد وقعت في أيام حكم المذكورين إلى ابتداء حكم "كرب أيل وتر"، الذي ذكر من أجل ذلك في آخر أسماء هؤلاء الحكام وفي القسم الأخير من النص.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق