الثلاثاء، 7 أبريل 2015

1680 البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع


1680

البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع

فاجتمعوا إليه ذات يوم فقال‏:‏ إنا قد خرجنا عن الدنيا، وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان، وقد خفنا أن يكون قد دخل علينا في حالنا هذه من الطغيان أعظم وأكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم، وعلى الملوك في ملكهم، أرانا يحب أحدنا أن تقضى له الحاجة، وإذا اشترى شيئاً أن يحابى لمكان دينه، وأن يعظم إذا لقي الناس لمكان دينه، وجعل يعدد آفات العلماء والعباد الذين يدخل عليهم في دينهم من حب الشرف والتعظم‏.‏

قال‏:‏ فشاع ذلك الكلام عنه حتى بلغ ملك تلك البلاد، فعجب منه الملك وقال لرؤوس دولته‏:‏ ينبغي لهذا أن يزار‏.‏

ثم اتعدوا لزيارته يوماً، فركب إليه الملك ليسلم عليه، فأشرف العابد - وكان عالماً جيد العلم بآفات العلوم والأعمال ودسائس النفوس - فرأى الأرض التي تحت مكانه قد سدت بالخيل والفرسان‏.‏

فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏

فقيل له‏:‏ هذا الملك قاصد إليك يسلم عليك لما بلغه من حسن كلامك‏.‏

فقال‏:‏ إنا لله، وما أصنع به‏؟‏ هلكنا والله إن لم نلقن الحجة من عند الله مع هذا الرجل، وينصرف عنا وهو ماقت لنا، ثم سأل خادمه‏:‏ هل عندك طعام‏؟‏

قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ فأت به فضعه بين أيدينا‏.‏

قال‏:‏ هو شيء من ثمر الشجر، وهو شيء من بقل وزيتون‏.‏

قال‏:‏ فأت به‏.‏

فأتى به، ثم أمر بجماعته فاجتمعوا حول ذلك الطعام، فقال‏:‏ إذا دخل عليكم هذا الرجل فلا يلتفت أحد منكم إليه، ولا يقم له أحد، وأقبلوا على الأكل العنيف، ولا يرفع أحد منكم رأسه، لعل الله أن يصرفه عنا وهو كاره لنا فإني أخاف الفتنة والشهرة وامتلاء القلب منهما، فلا نخلص إلا بنار جهنم‏.‏

قال‏:‏ فبكى القوم وبكى ذلك الرجل العالم، فلما اقترب الملك من جبلهم الذي هم فيه، ترجل الملك ومن معه من أعيان دولته وصعد في الجبل، فلما وصل إلى قرب مكانهم أخذوا في الأكل العنيف، فدخل عليهم الملك وهم يأكلون فلم يرفعوا رؤوسهم إليه، وجعل ذلك العالم الفاضل يلف البقل مع الزيتون مع الكسرة الكبيرة من الخبز ويدخلها في فمه، فسلم عليهم الملك، وقال‏:‏ أيكم العابد‏؟‏

فأشاروا إليه، فقال له الملك‏:‏ كيف أنت أيها الرجل‏؟‏

فقال له‏:‏ كالناس - وهو يأكل ذلك الأكل العنيف -‏.‏

فقال الملك‏:‏ ليس عند هذا خير‏.‏

ثم أدبر الملك خارجاً عنه، وقال‏:‏ ما عند هذا من علم‏.‏

فلما نزل الملك من الجبل نظر إليه العابد من كوة، وقال‏:‏ أيها الملك ‏!‏ الحمد لله الذي صرفك عني وأنت لي كاره - أو قال‏:‏ الحمد لله الذي صرفك عني بما صرفك به -‏.‏

وفي رواية‏:‏ ذكر ابن المبارك أنه قال‏:‏ الحمد لله الذي صرفه عني وهو لي لائم‏.‏

وفي رواية‏:‏ أن هذا العابد كان ملكاً، وكان قد زهد في الدنيا وتركها، لأنه كان قد دخل عليه رجل من بقايا أهل الجنة والعمل الصالح فوعظه، فاتعد معه أن يصحبه، وأنه يخرج عن الملك طلباً لما عنده في الدار الآخرة، وأنه وافقه جماعة من بنيه وأهله ورؤوس دولته، فخرجوا برمتهم، لا يدري أحد أين ذهبوا، وكان هذا الملك من أهل العدل والخير والخوف من الله عز وجل، وكان متسع الملك والمملكة، كثير الأموال والرجال، فساروا حتى أتوا جبلاً في أطراف مملكته، كثير الشجر والمياه، فأقاموا به حيناً‏.‏

فقال الملك‏:‏ إن نحن طال أمرنا ومقامنا في هذا الجبل سمع بنا الناس من أهل مملكتنا فلا يدعونا وإني أرى أن نذهب إلى غير مملكتنا، فننزل مكانا بعيداً عن الناس، لعل أن نسلم منهم ويسلموا منا، فساروا من ذلك الجبل طالبين بلاداً لا يعرفون، فوجدوا بها جبلاً نائياً عن الناس، كثير الأشجار والمياه، قليل الطوارق، وإذا في ذروته عين ماء جارية وأرض متسعة، تزرع لمن أراد الزرع بها، فنزلوا به وبنوا به أماكن للعبادة والسكنى، وزرعوا لهم على ماء تلك العين بعض بقول يأتدمون بها، وأشجار زيتون، وجعلوا يزرعون بأيديهم ويأكلون ثم شاع أمرهم في بعض تلك البلاد القريبة من جبلهم، فجعلوا يأتونهم ويزورونهم، إلى أن شاع ذلك الكلام المتقدم عن ذلك العالم، فبلغ ملك تلك البلاد فقصدهم للزيارة، فذكر القصة كما تقدم، والله أعلم‏.‏

وقال وهب‏:‏ أزهد الناس في الدنيا - وإن كان عليها حريصاً - من لم يرض منها إلا بالكسب الحلال الطيب، مع حفظ الأمانات، وأرغب الناس فيها وإن كان عنها معرضاً، من لم يبال من أين كسبه منها حلالاً كان أو حراماً، وإن أجود الناس في الدنيا من جاد بحقوق الله عز وجل، وإن رآه الناس بخيلاً فيما سوى ذلك، وإن أبخل الناس في الدنيا من بخل بحقوق الله عز وجل وإن رآه الناس جواداً فيما سوى ذلك‏.‏




 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق