1638
البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان
وعن عبد الرزاق، عن داود، عن ابن إبراهيم: أن الأسد حبس الناس ليلة في طريق الحج، فدق الناس بعضهم بعضاً، فلما كان السحر ذهب عنهم الأسد، فنزل الناس يميناً وشمالاً فألقوا أنفسهم، وقام طاوس يصلي، فقال له رجل - وفي رواية فقال ابنه -: ألا تنام فإنك قد سهرت ونصبت هذه الليلة؟ فقال: وهل ينام السحر أحد؟ وفي رواية: ما كنت أظن أحداً ينام السحر.
وروى الطبراني، من طريق عبد الرزاق، عن أبي جريج وابن عيينة. قالا: حدثنا ابن طاوس. قال: قلت لأبي: ما أفضل ما يقال على الميت؟ قال: الاستغفار.
وقال الطبراني: حدثنا عبد الرزاق، قال: سمعت النعمان بن الزبير الصنعاني يحدث أن محمد بن يوسف - أو أيوب بن يحيى - بعث إلى طاوس بسبعمائة دينار، وقال للرسول: إن أخذها منك فإن الأمير سيكسوك ويحسن إليك.
(ج/ص: 9/265)
قال: فخرج بها حتى قدم على طاوس الجند، فقال: يا أبا عبد الرحمن نفقة بعث بها الأمير إليك، فقال: مالي بها من حاجة، فأراده على أخذها بكل طريق فأبى أن يقبلها، فغفل طاوس فرمى بها الرجل من كوة في البيت، ثم ذهب راجعاً إلى الأمير، وقال: قد أخذها، فمكثوا حيناً ثم بلغهم عن طاوس ما يكرهون - أو شيء يكرهونه - فقالوا: ابعثوا إليه فليبعث إلينا بمالنا، فجاءه الرسول فقال: المال الذي بعثه إليك الأمير رده إلينا، فقال: ما قبضت منه شيئاً، فرجع الرسول إليهم فأخبرهم، فعرفوا أنه صادق، فقالوا: انظروا الذي ذهب بها إليه، فأرسلوه إليه.
فجاءه فقال: المال الذي جئتك به يا أبا عبد الرحمن، قال: هل قبضت منك شيئاً؟ قال: لا ! قال: فقام إلى المكان الذي رمى به فيه فوجدها كما هي، وقد بنت عليها العنكبوت، فأخذها فذهب بها إليهم.
ولما حج سليمان بن عبد الملك قال: انظروا إلى فقيهاً أسأله عن بعض المناسك، قال: فخرج الحاجب يلتمس له، فمر طاوس فقالوا: هذا طاوس اليماني، فأخذه الحاجب، فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: اعفني، فأبى، فأدخله عليه، قال طاوس: فلما وقفت بين يديه، قلت: إن هذا المقام يسألني الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين إن صخرة كانت على شفير جهنم هوت فيها سبعين خريفاً حتى استقرت في قرارها، أتدري لمن أعدها الله؟ قال: لا !! ويلك لمن أعدها الله؟ قال: لمن أشركه الله في حكمه فجار.
وفي رواية ذكرها الزهري: أن سليمان رأى رجلاً يطوف بالبيت، له جمال وكمال، فقال: من هذا يا زهري؟ فقلت: هذا طاوس، وقد أدرك عدة من الصحابة، فأرسل إليه سليمان فأتاه فقال: لو ما حدثتنا؟ فقال: حدثني أبو موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أهون الخلق على الله عز وجل من ولى من أمور المسلمين شيئاً فلم يعدل فيهم)). فتغير وجه سليمان فأطرق طويلاً ثم رفع رأسه إليه فقال: لو ما حدثتنا؟ فقال: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - قال ابن شهاب: ظننت أنه أراد علياً - قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام في مجلس من مجالس قريش، ثم قال: ((إن لكم على قريش حقاً، ولهم على الناس حق، ما إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا ائتمنوا أدوا، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً))، قال: فتغير وجه سليمان وأطرق طويلاً ثم رفع رأسه إليه وقال: لوما حدثتنا؟ فقال: حدثني ابن عباس أن آخر آية نزلت من كتاب الله: {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281].
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبو معمر، عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، قال: قال عمر بن عبد العزيز لطاوس: ارفع حاجتك إلى أمير المؤمنين - يعني سليمان - فقال طاوس: مالي إليه من حاجة، فكأنه عجب من ذلك، قال سفيان وحلف لنا إبراهيم وهو مستقبل الكعبة: ورب هذا البيت ما رأيت أحداً الشريف والوضيع عنده بمنزلة واحدة إلا طاوس.
قال وجاء ابن لسليمان بن عبد الملك فجلس إلى جنب طاوس فلم يلتفت إليه، فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه؟ قال: أردت أن يعلم هو وأبوه أن لله عباداً يزهدون فيهم وفيما في أيديهم. (ج/ص: 9/266)
وقد روى عبد الله بن أحمد، عن ابن طاوس، قال: خرجنا حجاجاً فنزلنا في بعض القرى، وكنت أخاف أبي من الحكام لشدته وغلظه عليهم، قال: وكان في تلك القرية عامل لمحمد بن يوسف - أخي الحجاج بن يوسف - يقال له: أيوب بن يحيى، وقيل: يقال له: ابن نجيح، وكان من أخبث عمالهم كبراً وتجبراً.
قال: فشهدنا صلاة الصبح في المسجد، فإذا ابن نجيح قد أخبر بطاوس، فجاء فقد بين يدي طاوس، فسلم عليه فلم يجبه، ثم كلمه فأعرض عنه، ثم عدل إلى الشق الآخر فأعرض عنه، فلما رأيت ما به قمت إليه وأخذت بيده، ثم قلت له: إن أبا عبد الرحمن لم يعرفك، فقال طاوس: بلى ! إني به لعارف، فقال الأمير: إنه بي لعارف، ومعرفته بي فعلت بي ما رأيت. ثم مضى وهو ساكت لا يقول شيئاً، فلما دخلت المنزل قال لي أبي: يا لكع، بينما أنت تقول: أريد أخرج عليهم بالسيف لم تستطع أن تحبس عنهم لسانك.
وقال أبو عبد الله الشامي: أتيت طاوساً فاستأذنت عليه فخرج إلى ابنه شيخٌ كبيرٌ، فقلت: أنت طاوس؟ فقال: لا ! أنا ابنه، فقلت: إن كنت أنت ابنه فإن الشيخ قد خرف، فقال: إن العالم لا يخرف، فدخلت عليه فقال طاوس: سل فأوجز، فقلت: إن أوجزت أوجزت لك، فقال: تريد أن أجمع لك في مجلسي هذا التوراة والإنجيل والفرقان؟ قال: قلت: نعم ! قال: خف الله مخافة لا يكون عندك شيء أخوف منه، وارجه رجاء هو أشد من خوفك إياه، وأحب للناس ما تحب لنفسك.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق