الأحد، 20 أبريل 2014

304 تاريخ الخلفاء الراشدين (3) سيرة عثمان بن عفان شخصيته وعصره الفصل السادس : أسباب فتنة مقتل عثمان ? المبحث الثاني : أسباب فتنة مقتل عثمان ? أولاً: الرخاء وأثره في المجتمع:


304

تاريخ الخلفاء الراشدين (3) سيرة عثمان بن عفان شخصيته وعصره

الفصل السادس : أسباب فتنة مقتل عثمان ?

المبحث الثاني : أسباب فتنة مقتل عثمان ?

أولاً: الرخاء وأثره في المجتمع:


كان رسول الله × يرى ما يعانيه أصحابه من شظف العيش وفقر الحال، فكان يصبرهم، ثم يخبرهم أن هذا الحال الذي هم عليه لن يدوم طويلا، حتى تفتح عليهم خزائن الدنيا وخيراتها، وحذرهم من الاشتغال بذلك عن العمل الصالح والجهاد في سبيل الله، وما يمكن أن يجره ذلك عليهم من التقاتل على الدنيا ومتاعها الزائل.( ) وقد فقه عمر بن الخطاب هذا التحذير فكان من سياسته حماية المسلمين من غوائل فتنة المال وزخارف الدنيا، فاجتهد في منع المسلمين من التوسع في بلاد العجم، ولولا ظهور مصلحة أخرى راجحة في توسعهم لبقى المنع قائما، إلا أن هذا التراجع من عمر لم يشمل كبار الصحابة والمهاجرين والأنصار، الذين كانوا بالمدينة إذ بقى المنع في حقهم.( ) ولا شك أن الذي فعله عمر كان يدل على إحساسه وخوفه من انتشار المسلمين في أرض تزخر بألوان الخيرات والأرزاق فتستولي الدنيا على قلوبهم وتفسد عليهم آخرتهم.( ) فلما جاء عهد عثمان وتوسعت الفتوحات شرقا وغربا، وبدأت الأموال تتقاطر على بيت المال من الغنائم والأسلاب, وامتلأت أيدي الناس بالخيرات والأرزاق( )، وغني عن الإشارة أن النعم والخيرات وتلك الواردات من الفتوح سيكون لها أثرها على المجتمع؛ إذ تجلب الرخاء وما يترتب عليه من انشغال الناس بالدنيا والافتتان بها، كما أنها مادة للتنافس والبغضاء، خاصة بين أولئك الذين لم يصقل الإيمان نفوسهم، ولم تهذبهم التقوى من أعراب البادية وجفاتها، ومن مسلمة الفتوحات وأبناء الأمم المترفة الدخلاء في الإسلام الذين جروا شوطا بعيدا في زخارف الدنيا وبهجتها، واتخذوها غاية يتنافسون فيها. وقد أدرك عثمان هذه الظاهرة وأنذر بما سيؤول إليه أمر الأمة من التبدل والتغير في كتابه الموجه إلى الرعية: «فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاثة فيكم: تكامل النعم، وبلوغ أولادكم من السبايا، وقراءة الأعراب والأعاجم للقرآن».( )

أما تكامل النعم فيتحدث الحسن البصري -وهو شاهد عيان- عن حالة المجتمع، ووفور الخيرات وإدرار الأموال، وما آل إليه أمر الناس من البطر وعدم الشكر، فيقول: أدركت عثمان على ما نقموا عليه، قلما يأتي على الناس يوم إلا وهم يقتسمون فيه خيرا, يقال لهم: يا معشر المسلمين، اغدوا على أعطياتكم فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على السمن والعسل. الأعطيات جارية، والأرزاق دارَّة، والعدو متقى، وذات البين حسن، والخير كثير... والأخرى كان السيف مغمدا على أهل الإسلام فسلوه على أنفسهم، فوالله ما زال مسلولا إلى يوم الناس هذا، وأيم الله، إني لأراه سيفا مسلولا إلى يوم القيامة( ).

وأما بلوغ أولاد المسلمين من السبايا فيتمثل فيما آل إليه أمر هؤلاء من الدعة والترف، وكان أول منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا وانتهى وسع الناس لطيران الحمام والرمي على الجلاهقات( )، فاستعمل عليها عثمان رجلا من بني ليث سنة ثمان( ) فقضَّضها وكسر الجلاهقات.( ) وحدث بين الناس النشو بتناولهم النبيذ، فأرسل عثمان رجلا يطوف عليهم بالعصا ليمنعهم من ذلك، وعندما اشتد ذلك شكاهم عثمان إلى الناس، فأجمعوا على أن يجلدوا في النبيذ، فأخذ نفر منهم فجلدوا، ثم جعل عثمان لا يأخذ أحدا على شر أو شهر سلاحا إلا نفاه من المدينة، فضج آباؤهم من ذلك.( ) وقام عثمان في المدينة فقال: «إن الناس تبلغني عنهم هنات وهنات، وإني لا أكون أول من فتح بابها ولا أدار راحتها (أي الفتنة)، ألا وإني زام نفسي بزمام, وملجمها بلجام، فأقودها بزمامها وأكبعها( ) بلجامها، ومنا ولكم طرف الحبل، فمن اتبعني حملته على الأمر الذي يعرف، ومن لم يتبعني فمن خلف منه وعزاء منه، ألا وإن لكل نفس يوم القيامة سائقا وشهيدا؛ سائق يسوقها على أمر الله وشاهد يشهد عليها بعملها، فمن كان يريد الله بشيء فليبشر ومن كان يريد الدنيا فقد خسر».( ) وهكذا لما قام عثمان الرجل التقي والخليفة الراشد بواجبه، وكانت إجراءاته تعزيرية تجاه أبناء الأغنياء الذين بدأوا نوعا من حياة الترف وفساد الأخلاق، انضم أولئك المنحرفون إلى صف الناقمين من الرعاع.

 وبالنسبة لقراءة الأعراب والأعاجم القرآن، فيظهر في شكل واضح في تكوين طبقة في المجتمع المسلم تتعلم القرآن لا رغبة في الثواب، وإنما رغبة في الجعل الذي جعله الخليفة تشجيعا وتأليفا.( ) ويجب أن نلاحظ أن هذا التغير بدأ أثره يظهر أولا على أطراف الدولة الإسلامية، ثم أخذ يزحف إلى عاصمة الخلافة، مما دفع عثمان إلى تذكير المسلمين في خطبه بضرورة الحذر من التهالك على الدنيا وحطامها، فكان مما قاله في إحدى خطبه:

إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى وإن الآخرة تبقى، ولا تبطرنكم الفانية ولا تشغلنكم عن الباقية.. واحذروا من الله الغِيَر، والزموا جماعتكم، ولا تصيروا أحزابا( ), ثم قرأ: +وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ? وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [آل عمران: 103، 104].
وفي مثل هذه الظروف، والخيرات وافرة، فاضت الدنيا على المسلمين وتفرغ الناس بعد أن فتحوا الأقاليم واطمأنوا فأخذوا ينقمون على خليفتهم( ).
ومن هنا يعلم أثر الرخاء في تحريك الفتنة، ومن هنا أيضا يمكن فهم مقالة عثمان ? لعبد الرحمن بن ربيعة -له صحبة- وهو على الباب( ): إن الرعية قد أبطر كثيرا منهم البطنة فقصر بهم، ولا تقتحم بالمسلمين فإني خاشٍ أن يبتلوا.( )

وفي آخر خطبة لعثمان ? وهو يعظ المسلمين بعد أن فتحت الدنيا عليهم قال:
ألا لا تبطرنكم الفانية ولا تشغلنكم عن الباقية.. واحذروا أحداث الدهر المغير، والزموا جماعتكم، ولا تتفرقوا شيعا وأحزابا( ).


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق