44
موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين"
الفصل الأول:الأيوبيون بعد صلاح الدين:
المبحث الثاني:عهد الملك العادل:
أولاً:الأحلاف السياسية ضد الأيوبيين في الجزيرة
أ-محاولة عز الدين كيكاوس التوسع باتجاه حلب:
بعد أن أخضع مملكة أرمينية الصغرى، التفت عز الدين كيكاوس للتوسع باتجاه حلب وضَّم إمارتها إلى أملاكها وجاءته الفرصة التي طالما انتظرها بوفاة الظاهر غازي في عام 613ه/1216م واعتلاء ابنه العزيز غياث الدين، البالغ من العمر سنتين وبضعة أشهر عرش الإمارة بوصاية والدته ضيفة خاتون ابنة العادل وأتابكة شهاب الدين طغرل ( ) وتحركت رغبة التوسع في نفس عز الدين كيكاوس، وقرر الاستيلاء على حلب قبل ترسيخ الحكام الجدد أقدامهم في الحكم مدّعياً بأن المدينة كانت يوماً تحت حكم أعمامه ( ) ، وحتى يحكم الطوق على المدينة، استغل عز الدين كيكاوس النزاع الذي نشب آنذاك بين أمراء شمالي الشام لاقتسام تركة عز الدين مسعود صاحب الموصل الذي توفي في عام 615ه/1218م وكان قد أوصى بالملك من بعده لابنه الأكبر نور الدين أرسلان شاه الذي لم يكن يتجاوز آنذاك العاشرة من عمره، على أن يقوم بالوصاية عليه بدر الدين لؤلؤ غير أن عمه عماد الدين طمع بالملك وبخاصة بعد وفاة نور الدين أرسلان شاه المبكرة واعتلاء أخيه ناصر الدين محمود سدة الحكم في الموصل، فهاجم بعض قلاعه بمساعدة مظفر الدين كوكبوري صاحب إربل، فاستنجد بدر الدين لؤلؤ بالأشرف موسى بن العادل، بينما طلب مظفر الدين كوكبوري مساعدة كل من عز الدين كيكاوس وناصر الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان الأرتقي، صاحب آمد وحصن كيفا، وصاحب ماردين، واتفق الجميع على الانضواء تحت راية عز الدين كيكاوس، وخطبوا باسمه في بلادهم تعبيراً عن هذه التبعية ( ) وسنحت لصاحب قونية فرصة البدء بالتحرك، فالأشرف موسى كان منهمكاً في محاربة الصليبيين في إمارة طرابلس حيث أغار على حصن صافيتا وحصن الأكراد، وأشار عليه بعض أتباعه بأن يصحب معه أحد ملوك الأيوبيين حتى يسهل انقياد الناس والعسكر فلا يشعروا بالتغيير فاستدعى الأفضل علي صاحب سميساط، وكان في طاعته ويخطب باسمه، فلما قدم عليه أكرمه وأهداه الكثير من الخيل والسلاح وتحالفا على التعاون والمسير إلى حلب، واتفقا على أن ما يستولي عليه عز الدين كيكاوس من حلب وأعمالها يكون للأفضل علي وهو في طاعته والخطبة له والسكة باسمه وما يستولى عليه من إقليم الجزيرة، مما في يد الأشرف موسى مثل حران والرها وغيرها، يكون لعز الدين كيكاوس( ) ، واستدعى عز الدين كيكاوس أمراء الأطراف وأقام لهم احتفالاً عاماً سمّى خلاله لكل أمير بلدة بالشام تكون إقطاعاً له وذلك تشجيعاً لهم ( ) ، ثم عقد مجلساً حربياً لاختيار أنجع السبل للتحرك نحو حلب، فتقرَّر سلوك طريق راوندان – رعبان – حلب – نظراً لسهولة طبيعة الأرض ( ) ، والواقع أن صاحب قونية، عزم على ضّم كافة الأراضي التي سيستولى عليها إلى مملكته وإنما جعل الأفضل علي ذريعة لتحصيل غرضه على الرغم من أنه كان قد راسل جماعة من أمراء حلب يستميلهم واعداً إياهم بمنحهم إقطاعات ( ) وتحّرك الجيش السلجوقي باتجاه قلعة رعبان واستولى عليها، ومنحها عز الدين كيكاوس إلى صهره نصرة الدين صاحب مرعش، بينما ذكر ابن الأثير أنه سلَّمها إلى الأفضل على حسب الاتفاق المبُرم بينهما ( ) وتابع الجيش زحفه فوصل إلى تل باشر وحاصرها حتى استسلمت وضمَّها إلى أملاكه ولم يسلمها إلى الأفضل علي، فقلق عندئذ هذا الأخير وفترت همته وقال: هذا أول الغدر، وخشي إن ملك عز الدين كيكاوس مدينة حلب أن يحرمه منها فيكون بذلك قد سعى إلى نقل الحكم من الأيوبيين إلى السلاجقة، لذلك أخذ يسعى لإبعاده عن بلوغ هدفه ( ) ، فاقترح عليه أن يهاجم بعض المدن والقلاع مثل منبج وغيرها، قبل مهاجمة حلب حتى يؤمن خطوطه الخلفية وهو بذلك يريد أن يشتَّت جهوده ويُضعف قواه ( ) ، وحتى يقطع الطريق عليه سار إلى منبج ودخلها سلماً، وشرع في ترميم سورها استعداداً لمواجهة محتملة معه ( ) .
ولما علمت الملكة والأتابك طغرل بمسير السلاجقة اضطربا نظراً إلى أن القوات الحلبية ضعيفة لا تقوى على مواجهة الجيش السلجوقي القوي، كما خشي، الأتابك أن يسلم أهل حلب مدينتهم إلى الأفضل علي لميلهم إليه ( ) ، لذلك كتب إلى الأشرف موسى يستدعيه لنجدة ابن أخته العزيز وكان يعسكر على بحيرة قُذس في مقابلة الصليبيين ونصحه بالتعاون مع أخته لمواجهة الخطر السلجوقي، لأن السلاجقة سوف لا يقفون عند حلب، ووعده بأن يجعل الخطبة والسكة باسمه، ويعطيه ما يختار من أعمال حلب وفي رواية لابن العديم أن الأتابك أرسل إلى القاضي زين الدين إلى العادل يستصرخه على عز الدين كيكاوس والأفضل علي، فكتب العادل إلى ابنه الأشرف موسى يأمره بأن يرحل إلى حلب مع قواته، وأحلّ مكانه المجاهد أسد الدين شيركوه الثاني صاحب حمص في مقابلة الصليبيين ( )، جمع الأشرف موسى قواته وسار بهم إلى حلب، وخيّم بالميدان الأخضر واجتمع مع الأمراء والأعيان واستوثق منهم، ثم تابع طريقه فنزل وادي بزاعة ( ) ، وانضّم إليه الأمير العربي مانع بن حُدَيثة مع قواته وهو من عرب طي ( ) وحارب الحلبيون على جبهتين عسكرية وسياسية وقاد الجبهة العسكرية الأشرف موسى، بينما قادة الملكة الجبهة السياسية بالدها والحيلة، فبذرت بذور الشقاق بين عز الدين كيكاوس وأمرائه ( ) واصطدمت طليعة الجيش السلجوقي بالجيش الأيوبي في رحى معركة انتهت بخسارتها وأسر قادتها ولما وصل عز الدين كيكاوس إلى ساحة المعركة على رأس الجيش السلجوقي البالغ أربعة عشر ألفاً، هاله انهزام طليعة جيشه، فتردَّد في خوض المعركة وأمر الجيش بالإنسحاب وانسحب عز الدين كيكاوس إلى البستان وهو يطوي المراحل هارباً لا يلوي على شيء خائفاً يترقب وطارد الأشرف موسى قواته المنسحبة يتخطف أطرافها حتى وصل إلى تل باشر فحاصرها واستولى عليها، كما استولى على رعيان، وتل خالد، وبرج الرصاص، ثم عاد إلى حلب ( ) .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق