115
موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين"
الفصل الثاني:عهد الملك الكامل بن العادل الأيوبي
المبحث الأول:الحملة الصليبية الخامسة:
ثانياً: مساومات الملك الكامل على القدس:
تبين للملك الكامل محمد، بعد اصطدامه بالصليبيين، أن من الصعب عليه هزيمتهم، وإجلاءهم عن مصر بالقوة العسكرية وبالإمكانات المتوفرة لديه، فتحول من سياسة الهجوم أو الدفاع إلى فكرة عرض الصلح عليهم والواقع أن عدة عوامل دفعته للإقدام على هذه المبادرة لعل من أهمها:
1- استمرار تدفق الإمدادات والمؤن من الغرب الأوروبي وقبرص على الصليبيين، فقد حضر جوتييه، قائد جيش قبرص، ومعه بعض الفرسان، وانضم إلى القوات الصليبية المحاصرة مدينة دمياط، مما أعطى هؤلاء دفعا معنوياً وعسكريا، وقوَّى مركزهم أمام دمياط ().
2- تعثر القوات الإسلامية في فارسكور، إذ أن مؤامرة ابن المشطوب، على الرغم من إحباطها، وإبعاد محركها، قد تركت تأثيراً سيئاً على الوضع المعنوي للقوات الإسلامية، فضلاً عما سادها من الاضطراب والفوضى ().
3- تواتر الأخبار من الشرق عن تقدم الجيوش المغولية بقيادة جنكيز خان باتجاه الدولة الخوارزمية، مما أثار مشكلة الدفاع عن الجبهة الشرقية للعالم الإسلامي ضد المغول ().
4- أنعشت أخبار ظهور المغول آمال الصليبيين، فقد اعتقدوا أنهم سيجدون في الزعيم المغولي حليفاً لهم ضد المسلمين.
5- تمُّدد الدولة الخوارزمية باتجاه الغرب حيث سيطر جلال الخوارزمي على الخليفة العباسي في بغداد، وتمادى في توغله في شمالي بلاد الشام لتحقيق أطماعه التوسعية على حساب الأيوبيين، وسلاجقة الروم.
6- حَرص المعظم عيسى على أن يعود إلى بلاد الشام، لأنه لم يكن راضياً عن تحركات أخيه الأشرف موسى في أقصى الشـمال، لذلك سـاند أخـاه الكامل محمد في السعي الودي للتفاوض مع الصليبيين () اقترح الملك الكامل على الصليبيين الصلح بشروط بالغة السخاء، تدل على حالة اليأس التي كانت تنتاب الملك الكامل، والتي تؤكد فقدان الأمل بالانتصار على الصليبيين وشملت الشروط التالية.
- تنازل الملك الكامل للصليبيين عن الأراضي التي كانت بأيديهم قبل معركة حطين عام 583ه/1187م وما تلاها من فتوحات عدا الكرك والشوبك () .
- انسحاب الصليبيين من دمياط.
- عقد هدنة بين المسلمين والصليبيين ثلاثين عاماً. ولكن الكامل لم يعرض التنازل عن الكرك والشوبك ليبقى على الاتصال براً مع الشرق، حتى لا يسيطر الصليبيون على طريق الشام والحجاز ().
كان هذا العرض مثيراً للدهشة، إذ سوف يستعيد الصليبيون من دون قتال مدن بيت المقدس، وبيت لحم، والناصرة، بالإضافة إلى صليب الصلبوات – جاء في بعض الروايات – وبذلك تحيا مملكة بيت المقدس القديمة () وعقد الصليبيون مجلساً لمناقشة عرض الكامل محمد، فنصح الملك يوحنا بريين بقبول العرض، وسانده أمراؤه والأمراء القادمون من الغرب الأوروبي، إذ أن هذا الملك لم يكن إلا وصياً على مملكة بيت المقدس، في الوقت الذي لم تكن فيه هذه المملكة موجودة أصلاً، لذلك نراه يوافق على العرض حتى تصبح مملكة بيت المقدس حقيقة واقعية وعارض المندوب البابوي بيلاجيوس، قبول العرض، وسانده بطريرك بيت المقدس، واعتقد:
- أنه من الخطأ التوصل إلى اتفاق مع الكفار.
- أن الاستيلاء على مصر سوف يُقسم العالم الإسلامي إلى قسمين: القسم الشرقي، ويشمل الشام والجزيرة العربية، واليمن، والعراق وما يقع في شرق هذه البلاد، والقسم الغربي، ويشمل الممالك التي تقع غرب مصر حتى المحيط.
- أنه بعد الاستيلاء على مصر سيتمكَّن من نشر الديانة النصرانية على المذهب الكاثوليكي داخل مصر كلها، ثم إن النصارى في إسبانيا سيواصلون انتصاراتهم على المسلمين وسوف يعبرون مضيق جبل طارق، ويسيطرون على شمال إفريقية حتى مصر، أما الجبهة الشمالية، فإن مملكة أرمينية الصغرى أصبحت قوية وفي استطاعتها السيطرة على شمال بلاد الشام والعراق، أما الجبهة الشرقية، فقد تكّفل بها المغول، وقد أمل مندوب البابا في استقطابهم وتحويلهم إلى الديار النصرانية ().
- أنه كان يشك في نوايا الكامل محمد واعتقد أنه لم يتقدم بهذا العرض عن حسن نية، وإنما لجأ إليه كوسيلة من وسائل الخداع وبث التفرقة بين الصليبيين، فإذا عاد الصليبيون إلى بلادهم، وتفرقوا، فيسهل عندئذ استعادة الأراضي التي منحهم إياها () . ومن الواضح أن أفكاره هذه كان لها أثر كبير في ضياع الفرصة لاستعادة بيت المقدس وأيَّد فرسان الداوية والأَسبتارية موقف المندوب البابوي الرافض لعرض الكامل محمد وذلك لأسباب تكتيكية، إذ جرى تدمير استحكامات بيت المقدس، والقلاع الواقعة في الجليل ومن المستحيل المحافظة على المدينة المقدسة مالم تتم السيطرة الكاملة على إقليم ما وراء الأردن وعارضت المدن التجارية الإيطالية عرض الكامل محمد وهم عارضوا في السابق مهاجمة مصر، وحوَّلوا حملة صليبية، هي الحملة الرابعة، إلى القسطنطينية، فعلى الرغم من حرص بيزا وجنوة والبندقية، على ألا تقطع علاقاتها مع مصر، فقد رأوا وقتئذ أن احتلالهم الدلتا يُعدُّ مكسبا تجارياً ضخماً يفوق استرداد بيت المقدس، وأنهم يودون اتخاذ دمياط مركزاً لتجارتهم، لذلك كان من الطبيعي أن يرفضوا شروطاً تقضي بعدم لقائهم فيها، وهي المدينة التجارية الهامة التي تخدم مصالحهم التجارية، ويستطيعون من خلالها أن ينفذوا إلى عمق الأراضي المصرية، ولم يهتموا بإضافة الإقليم الداخلي إلى أملاك الصليبيين ()، وهناك رأى آخر يتعلق برفض الصليبيين بعامة عرض الصلح الذي تقدم به الكامل محمد وهو أن القوات الصليبية كانت في وضع متقدم على جبهة القتال إذ نجحت في الاستيلاء على برج السلسلة والعبور إلى الضفة الشرقية للنيل وحصار مدينة دمياط، فضلاً عن تضعضع أحوال المسلمين، كما أملوا بوصول الأمبراطور فريدريك الثاني بقواته إلى ساحة المعركة، وبالتالي فإن امتلاك مصر أصبح شيئاً مضمونا () ، ويتبين من هذا الرفض أن الحرب الصليبية في الثالث عشر الميلادي انحرفت عن هدفها الرئيسي الذي قامت من أجله، وهو استرداد بيت المقدس، وتحَّولت إلى أهداف دنيوية استعمارية ().
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق