247
عصر الخلفاء الراشدين (1) أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره
الفصل الرابع : فتوحات الصديق واستخلافه لعمر رضي الله عنهم ووفاته
المبحث الرابع : استخلاف الصديق لعمر بن الخطاب ووفاته
ثانيا: وحان وقت الرحيل:
قالت عائشة رضي الله عنها: أول مابُدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل، وكان يوماً بارداً فحُمّ خمسة عشرة يوماً لايخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بالصلاة، وكانوا يعودونه، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه( )، ولما اشتد به المرض قيل له: ألا تدعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني فقال إني فعال لما أريد( )، وقالت عائشة رضي الله عنها قال أبو بكر: انظروا ماذا زاد في مالي منذ دخلت في الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي. فنظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وإذا ناضح( ) كان يسقي بستاناً له. فبعثنا بهما إلى عمر، فبكى عمر وقال: رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعباً شديداً( ).
وقالت عائشة رضي الله عنها: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه، دخلت عليه وهو يعالج مايعالج الميت ونفسه في صدره فتمثلت هذا البيت:
لعمرك مايغني الثراء عن الفتى
إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فنظر إليّ كالغضبان، ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن قول الله أصدق {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ}(سورة ق، آية:19). ثم قال: ياعائشة: إنه ليس أحد من أهلي أحب إليَّ منك، وقد كنت نحلتك حائطاً( )، وإن في نفسي منه شيئاً فردِّيه الى الميراث. قالت: نعم فرددته. وقال ?: أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن الى عمر، وابرئي منهن ففعلت، فلما جاء الرسول الى عمر بكى حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض، ويقول: رحم الله أبابكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبابكر، لقد أتعب من بعده، رحم الله أبابكر، لقد أتعب من بعده( ). وقد جاء في رواية: أن أبابكر لما حضرته الوفاة قال: إن عمر لم يدعني حتى أصبت من بيت المال ستة آلاف درهم، وان حائطي الذي بمكان كذا فيها، فلما توفي ذكر ذلك لعمر فقال: يرحم الله أبابكر، لقد أحب أن لايدع لأحد بعده مقالاً( ).
ويظهر من هذه المواقف ورع الصديق في المال العام، فقد ترك هذا الخليفة العظيم تجارته وتخلى عن ذرائع كسبه اشتغالاً عنها بأمور المسلمين وقياماً بوظائف الخلافة فيضطر الى أخذ نفقته من بيت المال بما لايزيد عن الحاجة الى سد الجوع وستر العورة، ثم هو يؤدي للمسلمين خدمة هيهات أن تؤدي حقها الخزائن ولما أشرف على وفاته، وعنده فضلة من مال المسلمين وهي ذلك المتاع الحقير، يأمر بردها الى المسلمين ليلقى ربه آمناً مطمئناً، نزيه القلب، طاهر النفس، خفيف الحمل إلا من التقوى، فارغ اليدين إلا من الايمان، إن في هذا لبلاغاً وانها لموعظة لقوم يعقلون( ). كما أن ماقام به من الوصية بتعويض بيت مال المسلمين بأرضه المذكورة مقابل ماأنفق على نفسه وعياله منه، وكان ورعاً منه ورغبة في أن يكون عمله في الولاية تطوعا وخالصاً لله تعالى بعيداً عن أي حظ من حظوظ الدنيا.
وقد استمر مرض أبي بكر مدة خمسة عشر يوماً حتى كان يوم الإثنين ليلة الثلاثاء في الثاني والعشرين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة، قالت عائشة -رضي الله عنها-: إن أبا بكر قال لها: في أي يوم مات رسول الله ?؟ قالت في يوم الإثنين، قال: إني لأرجو فيما بيني وبين الليل، قال: ففيم كفنتموه؟
قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ليس فيها قميص، ولاعمامة فقال أبو بكر: انظري ثوبي هذا فيه ردع زعفران أو مشق فاغسليه واجعلي معه ثوبين آخرين( )، فقيل له قد رزق الله وأحسن نكفنك في جديد، قال: إن الحي هو أحوج إلى الجديد ليصون به نفسه عن الميت، إنما يصير الميت إلى الصديد، وإلى البلى( )، وقد أوصى أن تغسله زوجه أسماء بنت عميس، وأن يدفن بجانب رسول الله ?، وكان آخر ماتكلم به الصديق في هذه الدنيا قول الله تعالى:{ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}( ) (سورة يوسف، آية:101).
وارتجّت المدينة لوفاة أبي بكر الصديق، ولم تر المدينة منذ وفاة الرسول يوماً، أكثر باكياً، وباكية من ذلك المساء الحزين وأقبل علي بن أبي طالب مسرعاً، باكياً، مسترجعاً ووقف على البيت الذي فيه أبو بكر فقال: رحمك الله يا أبا بكر.. كنت إلف رسول الله وأنيسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشاورته، وكنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم يقيناً، وأشدهم لله يقيناً، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله عزوجل، وأحوطهم على رسول الله ?، وأحدبهم على الإسلام، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله هدياً وسمتاً، وأشرفهم منزلة، وأرفعهم عنده، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن رسول الله وعن الإسلام أفضل الجزاء. صدقت رسول الله ? حين كذبه الناس، وكنت عنده بمنزلة السمع والبصر، سماك الله في تنزيله، صديقاً فقال: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}(سورة الزمر، آية:33). واسيته حين بخلوا، وقمت معه على المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم الصحبة، ثاني اثنين صاحبه في الغار، والمُنَّزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وأمته، أحسن الخلافة حين ارتدوا، فقمت بالأمر مالم يقم به خليفة نبي، ونهضت حين وهن أصحابه وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، ولزمت منهاج رسول الله إذ وهنوا، وكنت كما قال رسول الله ضعيفاً في بدنك قوياً في أمر الله تعالى، متواضعاً في نفسك عظيماً عند الله تعالى، جليلاً في أعين الناس كبيراً في أنفسهم، لم يكن لأحدهم فيك مغمز، ولالقائل فيك مهمز، ولالمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه القريب والبعيد عنك في ذاك سواء، وأقرب الناس عندك أطوعهم لله عزوجل، وأتقاهم ... شأنك الحق والصدق والرفق قولك حكم وحتم، وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم، اعتدل بك الدين وقوي بك الإيمان وظهر أمر الله، فسبقت -والله- سبقاً بعيداً، واتعبت من بعدك إتعاباً شديداً، وفزت بالخير فوزاً مبيناً، فإنا لله وإنا إليه راجعون رضينا عن الله عزوجل قضاءه وسلمنا له أمره، والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبداً، كنت للدين عزاً، وحرزاً وكهفاً فألحقك الله عزوجل بنبيك محمد ?، ولاحرمنا أجرك، ولاأضلنا بعدك، فسكت الناس حتى قضى كلامه، ثم بكوا حتى علت أصواتهم وقالوا: صدقت( ) وجاء في رواية: إن علياً قال عندما دخل على أبي بكر بعدما سُجِّي أنه قال: ماأحد ألقى الله بصحيفته أحب إليّ من هذا المُسَجَّى( ) هذا وقد توفي الصديق رحمه الله وهو ابن ثلاث وستين سنة ... مجمع على ذلك في الروايات كلها، استوفى سن رسول الله، وغسلته زوجه أسماء بنت عميس، وكان قد أوصى بذلك( )، ودفن جانب رسول الله، وقد جعل رأسه عند كتفي رسول الله( )، وصلى عليه خليفته عمر بن الخطاب، ونزل قبره عمر وعثمان وطلحة وابنه عبدالرحمن، وألصق اللحد بقبر رسول الله ?( ).
وهكذا خرج أبو بكر الصديق من هذه الدنيا بعد جهاد عظيم في سبيل نشر دين الله في الآفاق، وستظل الحضارة الإنسانية مدينة لهذا الشيخ الجليل الذي حمل لواء دعوة الرسول بعد وفاته وحمى غرسه عليه الصلاة والسلام، وقام برعاية بذور العدل والحرية، وسقاها أزكى دماء الشهداء، فأتت من كل الثمرات عطاء جزيلاً، حقق عبر التاريخ تقدماً عظيماً في العلوم والثقافة والفكر، وستظل الحضارة مدينة للصديق لأنه بجهاده الرائع، وبصبره العظيم حمى الله به دين الإسلام في ثباته في الردة ونشر الله به الإسلام في الأمم والدول والشعوب بحركة الفتوحات العظيمة التي لم يشهد لها التاريخ مثيل وأختم هذا الكتاب بقول أبي محمد عبدالله القحطاني الأندلسي:
قل إن خير الانبياء محمد
وأجلَّ من يَمشي على الكُثبان
وأجلَّ صَحْبِ الرُّسل صَحْب محمدٍ
وكذاك أفضل صحبه العمران( )
رجلان قد خُلقا لنصر محمد
بدمي ونفسي ذانك الرجلان
فهما اللّذان تظاهرا لنبيِّنا
في نصره وهما له صهران
بنتاهما أسن نساء نبينا
وهما له بالوحي صاحبتان
أبواهما أسْنَى صحابة أحمد
ياحبَّذا الأبوان والبنتان
وهما وزيره اللَّذان هُما هما
لفضائل الأعمال مُستَبِقانِ
وهما لأحمد ناظره وسمعه
وبقربه في القبر مُضطَجعَان
كانا على الإسلام اشفق أهله
وهما لدين محمد جَبَلانِ
أصفاهما أقواهُما أخشاهما
أتقاهما في السِّرِّ والإعلان
آسناهما أزكاهما أعلاهما
أوفاهما في الوزن والرُّجحان
صديق أحمد صاحب الغار الذي
هو في المغارة والنبيُّ اثنان
أعني أبا بكر الذي لم يختلف
من شرعنا في فضله رجلان
هو شيخ أصحاب النبي وخيرهم
وامامهم حقَّا بلا بطلان
وأبو المطهرة التي تنزيهها
قد جاءنا في النور والفرقان( )
(وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين)
(سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك)
تم بحمد الله رب العالمين نقل الكتاب بكل حذافيره وان شاء الله ان اطال الله فى عمرى سيتم نقل كتاب عصر الخلفاء الراشدين (2) عمر بن الخطاب رضى الله عنه
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق