430
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الحادي و الثلاثون
سبأ و ذو ريدان و حضرموت و يمنت
وذكر "القلقشندي"، إن الذي حكم بعد "ربيعة بن نصر" الذي حكم اليمن على زعمه بعد "تبان أسعد"، هو "حسان ذو معاهر"، وهو "ابن تبان اسعد أبي كرب"، ثم مَلَّكَ أخاه "عمرو بن تبان اسعد أبي كرب" من بعده، ونعته ب "الموثبان"، وذكر أنه حكم ثلاثاً وستين سنة، ومات عن أولاد صغار وأكبرهم قد استهوته الجن، فوثب على الملك "عبد كلال ابن مثوب"، فملك أربعاً وتسعين سنة، وهو تبع الأصغر.
قد ترك لنا "شرحبيل يعفر" "شرحب ايل يعفر" نصاً مهماَ وسمه علماء العربيات الجنوبية ب Glaser 554، وهو وثيقة تتعلق بتصدع سدّ مأرب الشهير في أيامه وإعادة بنائه، فقص علينا فيه الحادث، وتحدث عن مقدار ما افقه على الفعلة والعمال لإعادة البناء. ويتألف هذا النصر من مئة سطر. جاء فيه: أن "شرحبيل يعفر ملك سبأ وذي ريدان و حضرموت و يمنات وأعرابها في النجاد والنهائم ابن أبي كرب اسعد ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت و أعرابها في النجاد والتهائم"، قام بتجديد بناء سد مأرب وترميمه على مقربة من موضع "رحب" "رحاب". وعند "عبرن" "عبران"، وقام بإصلاح أقسام منه حتى موضع "طمحن" "طمحان" "الطمح"، كما قام بحفر مسايل المياه وبناء القواعد والجدران بالحجارة، وقوّى فروعه، و بنى أقساماً جديدة، وأوصلها بعضها ببعض بين "غيلن" "غيلان" "الغيل" و "مفلل" "م ف ل ل" "مفلول"،وجدد سد "يسرن" "يسران"، وقام بإعاشة العمال ومن اشتغل ببنائه، وتمت هذه الأعمال في شهر "ذي داون" "ذي دأون" من سنة "564" "565" من التأريخ الحميري، أي سنة "449" "450" "456" للميلاد. ويشير هذا العمل بالطبع إلى حدوث تصدع في السدّ اضطر الملك إلى تجديد بناء أقسام منه، وترميم ما أمكن ترميمه من أقسام أخرى، وإضافة أقسام جديدة إليه.
ويظهر من هذا النص ايضاً إن السد قد تهدم بعد مدة قصيرة، وذلك في شهر "ذو ثبتن" "ذو الثبت" من سنة "565" من التقويم الحمبري، أي سنة "450" أو "451"، "455" "456" للميلاد، فأثر ذلك تأثيراً سيئاً جداً فيمن كان ساكناً في جواره، حتى اضطر من كان ساكناً "رحبن" "الرحبة" إلى الفرار إلى الجبال خوف الموت، فأسرع الملك إلى الاستعانة بحمير وبقبائل حضرموت لإعادة بناء السد، فتجمع لديه زهاء عشرين آلف رجل اشتغلوا بقطع الحجارة من الجبال وحفر الأسس وتنظيف الأودية و إنشاء خزانات لخزن المياه وعمل أبواب ومنافذ لمرور الماء والسيطرة عليه، حتى تمَّ ذلك في شهر "ذو دأو" من سنة "565" من تأريخ حمير. وذكر ما أنفقه على العمال وما قدمه لهم من طعام وما م ذبحه من بقر و أغنام، و ما صرفه من دبس "دبسم"و خمر و غير ذلك مما ذكره و فصله. و قد استخدم الملك عشرين الف رجل لإصلاح السد.
لقد قلّ شأن مأرب في هذا العهد، وأخذ الناس يرحلوان عنها إلى مواضع أخرى مثل "صنعاء" التي تألق نجمها حتى صارت مقراً للحكام الذين أقاموا في قصر،"غندن" "غندان"، أي "غمدان"، وفدا يكون لتصدع السد مراراً، دخل في هذا التحول، حيث أجبر المزارعين على ترك أرضهم التي أصابها التلف والجفاف والارتحال إلى ارضين أخرى، فتركوها إلى الهضاب والجبال. وقد يكون لتحول السياسي الذي أصاب هذا العهد دخل أيضاً فيه.
وفي تصدع السد بعد مدة ليست طويلة من ترميمه و إصلاحه وتجديده، وبعد إنفاق أموال طائلة عليه واشتغال آلاف من العمال في بنائه، شيء يثير السؤال عن سبب سقوطه أو سقوط جزء منه بهذه السرعة، فهل تهدّم من سقوط أمطار غزيرة جداً في هذا العام لم يكن في طاقة السد احتمالها فسقط? أو إن بناء السد لم يكن قد كمل تماماً، فسقطت أمطار غزيرة سببت انهيار الأماكن الضعيفة من المواضع التي لم تكن قد تمت، فانهار لذلك ? أو انه انهار بفعل كوارث طبيعية مثل زلزال أو بركان? إلى هذا الرأي الأخير يميل "فلبي" في كتابه به " سناد الإسلام ".
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق