310
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفَصْل الخَامِس وَالعِشُرون
همدان
ويتبين من هذا النص انه ما كاد جيش "شعر أوتر" ينتصر على حضرموت وعلى الردمانيين حتى فوجئ بالحبش يشنون حرباً عليه ويتصدون له. فكلف الملك القائد "قطبان أوكان" إن يسير إلى من عصى وتمرد وخالف أوامر الحكومة للقضاء عليه، ثم يسير على رأس قوة إلى أرض الحبشة: يحارب بها "جدرت" ملك الأحباش والأكسوميين "عدى أرض حبشت ب عبر جدرت ملك حبشت واكسمن" فنفذ القائد أمره وأتم الخطط العسكرية التي وضعت له، ثم عاد مع جنده سالماً، ولم يشرح النص كيف بلغ القائد أرض الحبشة، وهل قصد بأرض الحبشة الحبشةَ المعروفة والسواحل الإفريقية المقابلة لبلاد العرب، أو قصد موضعاً آخر فًي العربية الجنوبية? ولكن الذي يقرأ النص ويدقق في جملة ويوفق بين معانيها، يخرج بنتيجة تجعله يرى إن المراد من جملة "على أرض الحبشة إلى جدرت ملك الحبش والأكسوميين"، أرض الحبش في إفريقية، لأن الملك "جدرت" ملك الحبشة وأكسوم، لم يكن يقيم في بلاد العرب، ولكن في إفريقية، فأمر "شعر أوتر" قائده بالسير إلى أرض الحبشة إلى "جدرت"، معناه التوجه إلى إفريقية لمحاربة النجاشي "جدرت" 0 أما "الحبش" الذين كانوا في بلاد العرب، فقد كانوا تحت حكم "بيجت ولد النجاشي"، فلا يمكن أن تكون الأرض المحتلة هي المقصودة. والظاهر إن القائد المذكور ركب البحر مع جنوده من "الحديدة"، وتوجه منها إلى السواحل الإفريقية فنزل بها، وباغت أهلها بغزو من وجده أمامه، ثم جمع كل ما ظفر به من أموال ومن أناس أسرهم وعاد بهم وبالأموال مسرعاً إلى بلاده، فاشترك في بقية المعارك التي ذكرها في نصه، وفي جملتها محاربة الحبش الذين تحت إمرة "بيجت".
و "معاهر" على ما يظهر حصن "وعلان" في "ردمان". وقد استدل "فون وزمن" من عدم تدوين اسم الملك "شعر أوتر" في نهاية النص ومن ذكر اسم الملك "لحى عثت يرخم" "ملك سبأ وذو ريدان" فيه، تقرباً إليه وتيمناً به، على وفاة "شعر أوتر"، وتحكم الملك "لحيعثت" عند تدوين هذه الكتابة.
وقد انتهت المعارك التي جرت مع الحبش النازلين في السواحل الجنوبية من جزيرة العرب بطردهم عن "ظفار" المدينة التي احتلوها، وصاروا يهاجمون منها جيش "شعر أوتر"، وطردوا من كل أرض "معافر"، ولكنهم ذهبوا إلى "معاهر" "معهرتن" حيث بقوا هناك.
ويظهر إن الأحباش ومن انظم إليهم من قبائل باغتوا حكومة "شعر أوتر" بالهجوم عليها من البحر والبر "بن ذبحرم ويبسم": وامتدت رقعة الهجوم من مدينة "نعض" إلى مدينة "ظفار". ويظهر أن "بيجت ولد النجاشي" كان قد تلقى إمداداً من إفريقية، فصار يهاجم بها السواحل، ويعبئ بها سفنه لمهاجمة الأماكن البعيدة عن منطقة احتلاله. ولم يتحدث النص عن مصيره بعد هزيمة جيشه من ظفار ومن أرض "معافر"، والظاهر أنه بقي في ارض "المعاهر" "معهرت" "معهرة"، وأن السبئيين لم يزيحوا الحبش عنها، فبقوا معسكرين ومتحصنين في هذه الأرض وفي الحصن.
ولدينا نص وسم ب Jamme 633 يفيد إن صاحبه واسمه "ابكرب احرس" "أبو كرب أحرس"، وهو من بني "عبلم" و "يحمذيل" "يحمد آل" "يحمد ايل" كان قد تولى امر الحميريين المستقرين الذين صاروا بين جيشين وانه قام بواجبه، غير انه أصيب بمرض صار يعاوده، وأنه لما عاد من "لحج" قدم تمثالاً إلى الإلهَ "المقه ثهوان" وضعه في معبده: "معبد اوام" وذلك ليحفظه من كل سوء، لأنه ساعده على تحمل مرضه، وأعاده إلى دياره من "لحج"، وقد قدم نذره هذا في شهر "دنم" من سنة "أيكرب بن معد كرب" "أبو كرب بن معد يكرب بن فضحسم". وليس في هذا النص شيء عن هوية الجشين، ويرى بعض الباحثين أن المراد بذلك إن الحميريين المذكورين كانوا في ذلك العهد قد صاروا بين فرقتين من فرق الجيش، جيش "شهر أوتر": فرقة مؤلفة من محاربين سبئيين، وفرقة مؤلفة من محاربين حميريين، وأن الحكومة عيِنت صاحب النص على الأهلين الحميريين الذين صاروا بين الجيشين، ليضمن تعاونهم وتآزرهم مع الجيشين، وييسّر لهم الطعام والماء. ولم يشر النص إلى قتال أو حرب يومئذ، ولكن يظهر أن وجود الفرقتين هناك كان بسبب وجود حالة غير طبيعية، ولعلها حالة الحرب التي أتحدث عنها.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق