303
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفَصْل الخَامِس وَالعِشُرون
همدان
وأما اسم الوالد الشرعي الصحيح، فهو "يرم أيمن"، كما ذكرت، وأما الاسم المخترع، فقد جاؤوا به من عندهم بسبب عدم فهمهم لقراءة نصوص المسند. فقد وردت في النصوص جملة "علهن نهفن بن بتع وهمدان"، فظن قراء المساند من أشياخ "الهمداني" وأمثالهم "ممن كانوا يحسنون قراءة الحروف والكلمات، الا انهم لم يكونوا يفهمون معاني الألفاظ والجمل في الغالب" أن لفظة "بن" تعني هنا "ابن"، فقالوا: إن اسم والد "علهان نهفان" أو "علهان" و "نهفان" على زعمهم إذن هو "بتع". على حين أن الصحيح، إن "بن" هي حرف جرّ يقابل "من" في عربيتنا، ويكون تفسير النص: "علهان نهفان من بتع وهمدان" و "بتع" اسم قبيلة من القبائل المعروفة المشهورة.
وأما "بتع" فقد ذكرت أن النساخ هم الذين أخطأوا في تدوين الاسم، وأن "الهمداني" وغيره كانوا قد كتبوه "بتعاً"، لا "تبع". ولكن النساخ أخطأوا في الكتابة" فكتبوا اسم "بتع" "تبع" على نحو ما شرحت.
وورد في النص الموسوم ب Glaser 865 اسم "علهان نهفان". وقد رأيت نقله هنا، لأن في ذلك فائدة في شرح اسم أبيه. فقد ورد فيه: "علهن نهفن بن همدن بن يرم ايمن ملك سبأ"، أي "علهان نهفان من همدان ابن يرم ايمن ملك سبأ"، فأنت ترى أن لفظة "بن" المكتوبة قبل "همدن"، أي "همدان" هي حرف جرّ. أما "بن" الثانية المذكورةْ قبل "يرم أيمن" فإنهما بمعنى "ابن"، فصارت الأولى تعني أن "علهان نهفان" هو من قبيلة همدان، واما أبوه، فهو "يرم أيمن ملك سبأ"، ولعدم وقوف أولئك العلماء على قواعد العربيات الجنوبية، لم يفهموا النص كل حقيقته.
وقد ورد اسم "علهان نهفان" في كتابة وسمها العلماء ب Glaser 16، وصاحبها رجل من "يدم" "آل يدوم" اسمه "هعّان أشوع"، ذكر أنه قدم هو وأبناؤه إلى الإله "تالب ريمم بعل ترعت" تمثالاً ، وذلك لخيره ولعافيته ولعافية أولاده، ولأنه أعطاهم كل أمانيهم وطلباتهم، ولأنه خلصهم ونجاهم في كل غزوة غزوها لمساعدة "مراهمو علهن نهفن بن بتع وهمدن"، أي لمساعدة سيدهم وأميرهم: علهان تهفان من "بتع" من قبيلة همدان، وليمنحهم غلة وافرة وأثماراً كثيرة، وليمنحهم أيضاً رضى أربابهم آل همدان وشعبهم حاشد "حشدم"، وليهلك وليكسر وليصرع كل عدو لهم وشانئ ومؤذ. ولم يلقب صاحب هذا النص "علهان" بلقب "ملك"، وإنما استعمل لفظة "مراهمو" "مرأهمو"، أي أميرهم أو سيدهم، ويظهر لي في هذا الاستعمال إن هذا النص قد كتب قبل انتقال العرش إلى "علهان" من أبيه، وهذا أغفل اللقب.
ووجد اسم "علهان نهفان" واسم ابنه "شعرم أوتر" في كتابه دوّنها "حيوم يشعر" "حيو يشعر"، وأخوه "كعدان"، وذلك لمناسبة بنائهم أسوار بيتهم: "وترن" "وتران"، ولم يشر النص إلى هوية هذا البيت، أهو بيت للسكنى، أم بيت للعبادة اسمه "بيت وترن"، أي معبد وترن، خصصوه بعبادة الإلَه "عثتر" الذي ذكر اسمه في آخر النص.
وتعدّ النصوص الموسومة ب CIH 2 وCIH 296 و CIH 305و CIH 312 من النصوص المدونة في أيام "علهان" حين كان قيلاَ، ولذلك ورد فيها اسمه دون أن تلحق به في جملة "ملك سبأ". أما النصوص الأخرى، فقد كتبت في الأيام التي نصب فيها نفسه ملكاً على سبأ ولقب نفسه باللقب المذكور منافساً ملك سبأ الحاكم في مأرب في حكمه، مدعياً على الأقل انه مللك مثله.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق