الثلاثاء، 7 أبريل 2015

1651 البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع وممن توفي في هذه السنة من الأعيان كثير عزة الشاعر المشهور


1651

البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع

 وممن توفي في هذه السنة من الأعيان

 كثير عزة الشاعر المشهور

فلما كان في بعض الجمع دنوت منه لأسمع خطبته فأسلم عليه بعد الصلاة، فسمعته، يقول في خطبته‏:‏ لكل سفر زاد، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من عذابه وثوابه فترغبوا وترهبوا، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم وتنقادوا لعدوكم، فإنه والله ما بسط أمل من لا يدري لعله لا يمسي بعد إصباحه ولا يصبح بعد إمسائه، وربما كانت له كامنة بين ذلك خطرات الموت والمنايا، وإنما يطمئن من وثق بالنجاة من عذاب الله وأهوال يوم القيامة، فأما من لا يداوي من الدنيا كلماً إلا أصابه جارح من ناحية أخرى فكيف يطمئن‏.‏

أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتحسر صفقتي وتبدو مسكنتي في يوم لا ينفع فيه إلا الحق والصدق، ثم بكى حتى ظننا أنه قاض نحبه‏.‏

وارتج المسجد وما حوله بالبكاء والعويل قال‏:‏ فانصرفت إلى صاحبي فقلت‏:‏ خذ سرحاً من الشعر غير ما كنا نقول لعمر وآبائه فإنه رجل أخرى ليس برجل دنيا‏.‏

قال‏:‏ ثم استأذن لنا مسلمة عليه يوم الجمعة فلما دخلنا عليه سلمت عليه، ثم قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين طال الثواء وقلت الفائدة، وتحدث بجفائك إيانا وفود العرب‏.‏

فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 61‏]‏ وقرأ الآية، فإن كنتم من هؤلاء أعطيتم، وإلا فلاحق لكم فيها، فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين إني مسكين وعابر سبيل ومنقطع به‏.‏

فقال‏:‏ ألستم عند أبي سعيد‏؟‏ - يعني‏:‏ مسلمة بن عبد الملك - فقلنا بلى ‏!‏

فقال‏:‏ إنه لا ثواب على من هو عند أبي سعيد‏.‏

فقلت‏:‏ ائذن لي يا أمير المؤمنين بالإنشاد

قال‏:‏ نعم، ولا تقل إلا حقاً، فأنشدته قصيدة فيه‏:‏

وليت فلم تشتم علياً ولم تخف * بريئاً ولم تقبل إشارة مجرم

وصدقت بالفعل المقال مع الذي * آتيت فأمسى راضيا كل مسلم

إلا إنما يكفي الفتى بعد ريعه * من الأود النادي ثقاف المقوم

وقد لبست تسعى إليك ثيابها * تراءى لك الدنيا بكف ومعصم

وتمض أحياناً بعين مريضة * وتبسم عن مثل الحمان المنظم

فأعرضت عنها مشمئزاً كأنما * سقتك مذوقاً من سمام وعلقم

وقد كنت من أحبالها في ممنع * ومن بحرها في مزبد الموج مفعم

ومازلت تواقاً إلى كل غاية * بلغت بها أعلى البناء المقدم

فلما أتاك الملك عفواً ولم تكن * لطالب دنيا بعدة في تكلم

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/ 281‏)‏

تركت الذي يفنى وإن كان مونقاً * و آثرت ما يبقى برأي مصمم

وأضررت بالفاني وشمرت للذي * أمامك في يوم من الشر مظلم

ومالك إذ كنت الخليفة مانع * سوى الله من مال رعيت و لا دم

سما لك همٌ في الفؤاد مؤرق * بلغت به أعلى المعالي بسلم

فما بين شرق الأرض والغرب كلها * مناد ينادي من فصيح وأعجم

يقول أمير المؤمنين ظلمتني * بأخذك ديناري وأخذك درهمي

ولا بسط كف لامرئ غير مجرم * ولا السفك منه ظالماً ملء محجم

ولو يستطيع المسلمون لقسموا * لك الشطر من أعمارهم غير ندَّم

فعشت بها ما حج لله راكب * ملبٍ مطيف بالمقام و زمزم

فاربخ بها من صفقة لمبايع * وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم

قال‏:‏ فأقبل علي عمر بن عبد العزيز وقال‏:‏ إنك تسأل عن هذا يوم القيامة، ثم استأذنه الأحوص فانشده قصيدة أخرى فقال‏:‏ إنك تسأل عن هذا يوم القيامة‏.‏

ثم استأذنه نصيب فلم يأذن له، وأمر لكل واحد منهم بمائة وخمسين درهماً، وأغزى نصيباً إلى مرج دابق‏.‏

وقد وفد كثير عزة بعد ذلك على يزيد بن عبد الملك فامتدحه بقصائد فأعطاه سبعمائة دينار‏.‏

وقال الزبير بن بكار‏:‏ كان كثير عزة شيعياً خبيثاً يرى الرجعة، وكان يرى التناسخ ويحتج بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ‏}‏ ‏[‏الانفطار‏:‏ 8‏]‏‏.‏

وقال موسى بن عقبة‏:‏ هوَّل كثير عزة ليلة في منامه فأصبح يمتدح آل الزبير، ويرثي عبد الله بن الزبير، وكان يسيء الرأي فيه‏:‏

بمفتضح البطحا تأول أنه * أقام بها ما لم ترمها الأخاشب

سرحنا سروباً آمنين ومن يخف * بوائق ما يخشى تنبه النوائب

تبرأت من عيب ابن أسماء إنني * إلى الله من عيب ابن أسماء تائب

هو المرء لا ترزى به أمهاته * وآباؤه فينا الكرام الأطايب




 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق