159
موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي
الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية
المبحث الرابع:مكانة العلماء والفقهاء عند صلاح الدين الأيوبي:
ثانياً:الحافظ السلفي:
3-المدرسة العادلية "السَّلفية ":
ظل السَّلفي يلقي دروسه في المسجد حيناً وفي منزله حيناً آخر، زهاء ربع قرن إلى أن ولي المدينة أبو الحسن علي بن السلار الملقب بالملك العادل، فاحتفل به وزاد في إكرامه وبنى له مدرسة سميت "المدرسة العادلية" نسبة إلى منشئها "العادل" ثم عرفت بعد ذلك بالمدرسة السَّلفية نسبة إلى مدرسها السلفي () وقد بين الدكتور جمال الدين الشيال في كتابه أعلام الإسكندرية، أنها أنشئت في سنة 544ه () وكذلك ذكر الدكتور حسن عبد الحميد صالح بأن المدرسة بينت سنة 544ه () وقد أشارت المصادر التاريخية إلى أن ابن السلار كان سنياً من أصل كردي () وأنه أظهر اعتناقه لعقيدة أهل السنة أثناء ولايته لثغر الإسكندرية، ثم أخذ يراسل نور الدين محمود حاكم حلب طمعاً في مساندته ضد السلطة الفاطمية، فتوطدت بينهما صداقة وود، وأمده بالعون المادي لأن ابن السلار كان سنياً مثله ولأن نور الدين كان يطمع أن يفتح مصر أيضاً () وربما أشار نور الدين محمود على ابن السلار في مراسلتهما أن يطبق نفس التجربة التي طبقت في سوريا بشأن تقويض المذهب الفاطمي الشيعي والقضاء عليه عن طريق بناء المدارس فبنى ابن السلار هذه المدرسة، ووكل رعايتها والتدريس فيها إلى محدث الإسكندرية السني الحافظ "السلفي" () ، وكان طبيعياً أن يكون هذا كله أثناء ولاية ابن السلار على الإسكندرية وقبل أن يستولي على الوزارة في 15 شعبان سنة 544ه وقد تخوف الخليفة الفاطمي "الظافر" وأحس بخطورة ابن السلار وأثر مدرسته السنية واستقطاب أهل السنة حوله فتخوف منه وأخذ يكيد له، وعهد بالوزارة إلى نجم الدين ابن مصال الوزير الشيعي، الذي ينحدر من أصل مغربي، فأغضب ذلك ابن السلار الرجل السني، فجمع أنصاره من أهل الإسكندرية السنيين وسار بهم إلى القاهرة، فدخلها بعد أن هزم ابن مصال عند الجزيرة في 14 رمضان سنة 544ه () ، وقد لا نكون مغالين إذا قلنا إن السبب الحقيقي بين ابن السلار وبين ابن مصال إنما هو نزاع بين عقيدة أهل السنة التي يساند الدعوة إليها نور الدين محمود، وبين المذهب الفاطمي الشيعي الذي يمثله الخليفة الفاطمي () . لقد كان لإنشاء هذه المدرسة فرحة عظيمة في نفوس أهل الإسكندرية واعتبروا بناءها هدية كبيرة من وإليهم ابن السلار من واجبهم أن يشكروه عليها، فانبرى شعراؤهم يمدحونه ويثنون عليه، ويعبرون له عما في نفوسهم من الغبطة والابتهاج ().
وقد تولى الحافظ "السَّلفي" الإشراف على هذه المدرسة، فجعل منها مركز إشعاع لإعادة أهل مصر لعقيدة أهل السنة، ومنتدى لأهل الفكر والثقافة، فكان يلتقي فيها علماء الحديث وطلابه، ورجال الفقه والقراءات والأدباء والشعراء ورجال التاريخ وأصحاب الحكايات فنمت وازدهرت وكثر روادها والمتأثرون بما يلقى من دروس، وما يعقد فيها من لقاءات وندوات ومحاضرات، وقد تجلى تأثيرها واضحاً في أهل الإسكندرية بالذات من موقفين واضحين : أولهما يوم خرجوا مع واليهم ابن السلار للاستيلاء على الوزارة في القاهرة، وثانيهما يوم وقفوا يحاربون مع صلاح الدين ويناصرونه ضد الوزير الفاطمي (شاور) وحلفائه الصليبيين فلم يخذلوه أو يتخلوا عنه رغم الحصار الشديد الذي فرض عليهم ثلاثة شهور، بل حاربوا معه جنباً إلى جنب وبذلوا له كل ما يملكون من قوة ومال ورجال، إلى أن فك شاور والصليبيون الحصار () ، وقد احتفظ صلاح الدين الأيوبي لأهل الإسكندرية بهذا الجميل، فلما أزال الدولة الفاطمية وأقام على أنقاضها دولته الأيوبية، أولى الإسكندرية اهتمامً خاصاً ورعاية كبيرة وذلك لأهمية موقعها الاستراتيجي في الدفاع عن مصر من ناحية ولما كان لأهل الإسكندرية من مكانة طيبة عنده لما ساندوه في وقفتهم البطولية حين حاصره "شاور" في مدينتهم سنة 562ه، فوقفوا يذودون عنه ويقدمون له كل ما يملكون من رجال ومال وسلاح، ولهذا ليس بمستغرب أن نرى صلاح الدين يأمر منذ اللحظة الأولى لتوليه سلطنة مصر بإصلاح سور الإسكندرية وتحصين أبراجها وقلاعها وإدخال بعض المنشآت فيها. وليس هذا فحسب بل نراه يسافر بنفسه في سنة 572ه إلى الإسكندرية ليشاهدها ويرتب قواعدها، وأمر بعمارة أسوارها وأبراجها () ، في هذه الزيارة تفقد صلاح الدين الأسطول الحربي، ورأى ما آل إليه من خراب وإهمال فأمر بتجديده وتعميره، وبناء سفن جديدة تضاف إليه، وأفرد له ميزانية خاصة، وأنشأ له ديواناً خاصاً، وعين له قائد سماه "صاحب الأسطول" () ، وظلت الإسكندرية محل رعاية صلاح الدين وعنايته، يوصي بالإنشاءات فيها ويتفقد أحوالها ويتابع الاهتمام بها إلى أن وافته الفرصة لزيارتها مرة ثانية في سنة 577ه، فزارها ووقف بنفسه على ما تم فيها من إصلاحات وتفقد المنشآت التي أمر ببنائها، وأمر بسرعة إنجازه، يقول العماد الأصفهاني في وصف هذه الزيارة : وتوجه السلطان بعد شهر رمضان سنة 577ه إلى الإسكندرية على طريق البحيرة، وخيم عند السواري، وشاهد الأسوار التي جددها والعمارات التي مهدها وأمر بالإتمام والاهتمام (). وفي هذه الزيارة حظيت الإسكندرية من صلاح الدين بتأسيس كثير من المنشآت العمرانية والمرافق العامة، فأنشأ فيها مدرسة كبيرة للطلاب الغرباء، يتعلمون فيها مختلف العلوم والآداب، وبنى لهم دار يقيمون فيها وحمامات يستحمون فيها، ومارستاناً يعالجون فيه بالمجان ويشرف عليه أطباء متفرغون ()، ثم تتابع بناء المدارس في الإسكندرية في عهد صلاح الدين تتابعاً سريعاً، وفقاً لسياسته العامة في الإكثار من تشييد المدارس كوسيلة فكرية للقضاء على الفكر الفاطمي الشيعي، وقد كثر عدد المدارس في سنوات قليلة، كثرة لفتت أنظار المؤرخين الذين زاروا الإسكندرية وكتبوا عنها يقول ابن خزيمة الذي زار الإسكندرية سنة 561ه - 1164م وأقام فيها وكتب وصفاً لها: وبها مائة وثمانون مدرسة لطلب العلم بها () ، وأمر صلاح الدين في هذه الزيارة الثانية بإنشاء مسجده الجامع الكبير ونقل الخطبة إليه، بعد أن كانت تقام في عهد الفاطميين في مسجد العطارين أكبر مسجد في المدينة () ، ثم تبع ذلك بناء عدد كبير من المساجد بالإضافة إلى ما كان فيها من مساجد من قبل. وقد بلغ عدد المساجد في هذه الفترة رقماً عالياً لفت أنظار المؤرخين الذين زاروا المدينة فأخذوا يقدرونها تقديرات مختلفة يصلون فيها أحياناً إلى حد المبالغة () ، وقد وصف ابن الجبير الذي زار الإسكندرية في سنة 578ه - أي في زمن صلاح الدين – فيصف كثرة المساجد بها فيقول: وهي أكثر بلاد الله مساجد حتى أن تقدير الناس لها يطفف، فمنهم المكثر والمقل، فالمكثر ينتهي في تقديره إلى اثني عشر ألف مسجد، والمقل دون ذلك لا ينضبط فمنهم من يقول ثمانية آلاف، ومنهم من يقول غير ذلك وبالجملة فهي كثيرة جداً تكون منها الأربعة والخمسة في موضع واحد، وربما كانت مركبة، وكلها بأئمة مرتبين من قبل السلطان () . وظلت عناية الأيوبيين بتعمير الإسكندرية مستمرة بعد صلاح الدين على نفس السياسة حتى نهاية القرن السادس الهجري () .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق