الأحد، 20 أبريل 2014

284 تاريخ الخلفاء الراشدين (3) سيرة عثمان بن عفان شخصيته وعصره الفصل الخامس : مؤسسة الولاة في عهد عثمان ? المبحث الثالث :حقيقــــة ولاة عثمــــــــان ? ثانيًا: عبد الله بن عامر بن كريز:


284

تاريخ الخلفاء الراشدين (3) سيرة عثمان بن عفان شخصيته وعصره

الفصل الخامس : مؤسسة الولاة في عهد عثمان ?

المبحث الثالث :حقيقــــة ولاة عثمــــــــان ?

ثانيًا: عبد الله بن عامر بن كريز:

هو عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي العبشمي( ).
ولد في عهد رسول الله × وذلك في السنة الرابعة للهجرة.( ) وعندما اعتمر الرسول الكريم × في السنة السابعة للهجرة عمرة القضاء، ودخل مكة حمل إليه عبد الله بن عامر، قال ابن حجر: «... فتلمظ وتثاءب، فتفل رسول الله في فيه، وقال: «هذا ابن السلمية؟» قالوا: نعم، فقال: «هذا أشبهنا» وجعل يتفل في فيه ويعوذه، فجعل يبتلع ريق النبي × فقال: إنه لمسقى، فكان لا يعالج أرضا إلا ظهر له الماء( ).
لم يتول عبد الله بن عامر منصبا إداريا أو عسكريا إلى أن أصبح واليا على البصرة سنة 29هـ/649م، وهو ابن خال الخليفة عثمان بن عفان ?؛ لأن أم عثمان هي أروى بنت كريز بن ربيعة، وكانت أم عبد الله بن عامر من بني سُليم( ).
ولما عُين لولاية البصرة كان عمره أربعا أو خمسا وعشرين( )، وظل واليا على البصرة حتى مقتل الخليفة عثمان ? عندما تجهز بجيش كبير، وحمل ما عنده من الأموال فسار إلى مكة حيث وافى الزبير، ورجع منها إلى البصرة فشهد موقعة الجمل، ولم يحضر موقعة صفين، على الرغم من أن القلقشندي ذكر أنه كان في التحكيم مع معاوية بصفين.( ) وفي خلافة معاوية تولى إمارة البصرة لمدة ثلاث سنوات ثم عزله عنها، فأقام بالمدينة، ومات بها سنة سبع وخمسين للهجرة.( ) وفي رواية ابن قتيبة: أنه توفى بمكة ودفن بعرفات عام تسع وخمسين.( ) وأشاد ابن سعد به قائلا: كان عبد الله شريفا، سخيا كريما كثير المال، والولد، محبا للعمران( ). وقال عنه ابن حجر: كان جوادا كريما ميمونا.. جريئا شجاعا( ), وكان يعتبر من أجود أهل البصرة( ), ومن أجود أهل الإسلام.( ) وكان لعبد الله بن عامر أثر حميد في الفتوحات؛ فقد تمكن من القضاء على آمال الفرس بشكل تام، عندما قضى على آخر رمق من الأمل الفارسي القديم، وذلك بقضائه على آخر ملوكهم يزدجر بن شهريار بن كسرى، وخرزاد مهر أخي رستم اللذين تزعما المعارضة الفارسية ضد المسلمين.
وإضافة إلى براعة عبد الله بن عامر في الشئون الإدارية العسكرية، فإنه كان مهتما بالمعارف الإسلامية، ويروى أنه روى حديثا عن النبي ×. وقال ابن قتيبة: لم يروِ عن رسول الله إلا حديثا واحدا( )، غير أنه لم يكن له رواية في الكتب الستة.( ) أما الحديث النبوي الذي رواه فقد أورده ابن قانع، وابن منده عن طريق مصعب الزبيري: حدثني أبي عن جدي مصعب بن ثابت، عن حنظلة بن قيس، عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر أن
رسول الله × قال: «من قتل دون ماله فهو شهيد». ( )

إصلاحاته الاقتصادية في البصرة:

يقترن باسم عبد الله بن عامر عدد من الإصلاحات في البصرة، لا تقل أهمية عن إنجازاته العسكرية الفذة المتمثلة في انتصاراته العديدة على المجوس، وتتبعه لفلولهم المنهزمة وقضائه على آمال يزدجر، فقد كانت إصلاحاته الاقتصادية ممثلة في عنايته بسوق البصرة، فقد اشترى هذا السوق من ماله ووهبه لأهلها( )، وكان السوق يتوسط البصرة، بدليل ما ذكره خليفة بن خياط من أن السوق قائم على ضفاف النهر الذي يتوسط البصرة، وهذا اختيار جيد؛ لأنه يجعل السوق مركزا مهما في وسط المدينة. ولعل أبرز أعماله الإصلاحية في البصرة في ميدان الري، وقد اهتم ابن عامر بهذه المسألة اهتماما كبيرا، وذكر ابن قتيبة أن ابن عامر احتفر بالبصرة نهرين أحدهما في الشرق والآخر يعرف بأم عبد الله وهو منسوب إلى أم عبد الله بن عامر( )، وأمر عبد الله بن عامر، زياد بن أبي سفيان بحفر الأبلة، وكان زياد واليا على الديوان وبيت المال من قبل عبد الله بن عامر، وكان يستخلفه في مكانه عند توجهه للفتوح.( ) وذكر خليفة بن خياط أن زياد احتفر نهر الأبلة حتى انتهى إلى موضع الجبل، والذي تولى حفره لزياد عبد الرحمن بن أبي بكرة( ), فلما فتح عبد الرحمن الماء جعل يركض فرسه والماء يكاد يسبقه.( ) وحفر عبد الله بن عامر حوضا نسب إلى أمه، وهو حوض أم عبد الله بن عامر بالبصرة منسوب إليها.( ) وذكر البلاذري أن عبد الله بن عامر حفر نهرا، تولى أمر حفره له نافذ مولاه فغلب عليه، فقيل: نهر نافذ.( ) وهناك نهر مُرَّة لابن عامر، تولى حفره له مرة مولى أبي بكر الصديق ? فغلب على ذكره( )، وهناك نهر الأساورة الذي حفره لهم عبد الله بن عامر. ويذكر البلاذري قنطرة قرة بالبصرة فيقول: قنطرة قرة نسبة إلى قرة بن حيان الباهلي، وكان عندها نهر قديم ثم اشترته أم عبد الله بن عامر( ) فتصدقت به مغيثا لأهل البصرة( ).
مما تقدم، يتبين لنا أن عبد الله بن عامر كان مهتما بحفر الأنهار من أجل ازدهار الزراعة التي هي عماد الحياة الاقتصادية، إضافة إلى موقع البصرة الإستراتيجي بالنسبة إلى طرق التجارة، وأهميتها العسكرية كقاعدة للفتوحات الإسلامية في المشرق. ويمكن أن نلاحظ مدى رغبة عبد الله بن عامر في الإصلاح، من خلال قوله: لو تُركت لخرجت المرأة في حاجتها على دابتها، ترد كل يوم على ماء وسوق حتى توافي مكة( ).

وفي الحقيقة أن إصلاحاته هذه لا تقل أهمية عن الفتوحات في المشرق التي قام بها، فقد كانت البصرة هي القاعدة العسكرية للخلافة في فتوحاتها ببلاد المشرق. وأشار الدكتور صالح العلي إلى أن الفتوح الواسعة أدت إلى ازدياد دخل البصرة وانتشار الرخاء الاقتصادي فيها، مما شجع التجار ورجال الأعمال على التقاطر إليها، وبذلك بدأت الحياة المدنية تنمو سريعا في البصرة.( )

لقد كانت الحالة المالية لإمارة البصرة جيدة جدا، نتيجة للفتوح الواسعة في المشرق، والنشاط الاقتصادي التجاري للبصرة واستقرار الأمن فيها، وكان عبد الله بن عامر رجلا متواضعا فاتحا بابه لجميع الناس، حتى إنه عاقب الحاجب وأمره ألا يغلق بابه ليلا ولا نهارا.( ) وفي الحقيقة أصبح ابن عامر ذا شهرة واسعة بالبصرة, قال ابن سعد: كان الناس يقولون: قال ابن عامر وفعل ابن عامر.( ) ونتيجة لأعماله الإصلاحية وسيرته الحميدة فقد ازداد حب الأمة له( ). وظل ابن عامر عليها إلى أن قتل الخليفة عثمان ?( ).
فهذا عبد الله بن عامر أحد ولاة عثمان، فهو الذي شق نهر البصرة، وأول من اتخذ الحياض بعرفات وأجرى إليها العين( )، وهو الرجل الذي له من الحسنات والمحبة في قلوب الناس ما لا ينكر كما يقول ابن تيمية.( ) وقال فيه الذهبي: وكان من كبار أمراء العرب وشجعانهم وأجوادهم، وكان فيه رفق وحلم( ).


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق