الاثنين، 28 أبريل 2014

252 تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة الفصل الرابع : المؤسسة المالية والقضائية في عهدأمير المؤمنين على بن أبي طالب وبعض اجتهادا ته الفقهية المبحث الأول : المؤسسة المالية


252

تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة

الفصل الرابع : المؤسسة المالية والقضائية في عهدأمير المؤمنين على بن أبي طالب وبعض اجتهادا ته الفقهية

المبحث الأول : المؤسسة المالية

في عهد على بن أبي طالب رضي الله عنه لم يحدث تغيير يذكر في السياسة المالية للدولة الإسلامية، إلا أن أمير المؤمنين على رضي الله عنه رجع إلى ما كان عليه أبو بكر الصديق في التسوية في العطاء( ), فلم يفضل أحدًا، فأعطى الموالي كما أعطى السادة( ), وكان الخراج في بعض الأمصار موكولاً إلى الولاة أنفسهم، ففي مصر كان قيس بن سعد بن عبادة – الوالي العام- مسئولاً عن الخراج فيها، وكذلك حينما بعث على رضي الله عنه الأشتر النخعى على مصر كان في خطابه له ما يوحى أنه مع ولايته العامة كان مسئولاً عن الخراج بما يصلح أهله، فإن صلاحه وصلاحهم صلاح لمن سواهم ولا صلاح إلا بهم، لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ عن نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك يدرك بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة، أضر بالبلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلاً، فإن شكوا ثقلاً أو علة أو انقطاع شرب، أو إحالة أرض اغتمرها غرق، أو أجحف بها عطش، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم.. فإن العمران محتمل ما حملته، وإنما خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما إعوازها أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر( ).

فقد كانت نظرة أمير المؤمنين على رضي الله عنه إلى الخراج بما يتعدى الجباية إلى المسألة الاقتصادية برمتها، حيث يشكل الخراج المصدر الأساسي لها في ذلك الوقت، وقد اشتهر عن على رضي الله عنه تشديده في مراقبة عماله في جميع النواحي، وكان الخراج والشئون المالية من الأمور المهمة التي كان يدقق فيها أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه، فكان يبعث العيون والأرصاد ليعلم أحوالهم( ), وقد كان لولاة البلدان صلاحيات عامة في المصروفات من ولاياتهم وبيوت أموالها، فالولاة الذين كانوا يباشرون بيت المال وعمال الخراج بأنفسهم في عهد الخلفاء عمومًا كانوا ينفقون من الأموال التي لديهم في الأوجه الشرعية في مصالح الولاية، فكانوا يستخدمون هذه الأموال في شئون الجهاد والفتوح من إعداد للسلاح والدواب ومرتبات الجند وغير ذلك من أوجه الجهاد، كما كان الولاة يقومون بصرف نفقات العمال، والموظفين في الولاية( ), بالإضافة إلى أنهم كانوا يقومون ببعض الإصلاحات من بناء الجسور وحفر للقنوات والعيون والأنهار، وكان ذلك يستدعى الصرف مما يجبونه من ولاياتهم( ).

وفي الأوقات التي تعزل فيها ولاية الخراج أو بيت المال عن الولاية العامة فإن الولاة بحكم إشرافهم العام على الولاية يطلبون من عمال الخراج الإنفاق على هذه الإصلاحات، أو يقوم الولاة بتعيين عمال خاصين بهذه المشاريع، وتصرف نفقات العمل أو التجهيز من دخل الولاية عن طريق عمال الخراج إذا كانوا مستقلين، وهكذا فإنه حتى لو عزلت مهمة (الجباية) عن الوالي كما عبرّ عنها بعض الباحثين( ) فإن النفقات مع ذلك كانت تأخذ طريقها بواسطة الولاة في كثير من الأحيان سواء للجهاد أو التعمير.

ولقد نبه بعض الفقهاء إلى أن على الولاة إنفاق الأموال في مصالح المسلمين وعدم تجميدها، إذا إن تجميد الأموال التي أخذت بحقها وعدم صرفها في مصالح المسلمين يوازي الظلم في جمعها، فعدوا التجميد للأموال العامة من باب الظلم والتقصير من جانب الولاة( ), قد كانت الأمصار والولايات أحق بأموالها وجباياتها من غيرها، فكان الولاة لا يعملون على ترحيل الأموال عن مناطقهم إلى العاصمة في المدينة أو الكوفة فيما بعد، إلا بعد أن يسدوا حاجة ولاياتهم من النفقات( ), ولا شك أن ما قام به الخلفاء الراشدين خصوصًا في عهد عمر من تنظيم دقيق للشئون المالية في الولايات بما فيها من جباية- مصادر الدخل أو الواردات العامة إضافة إلى النفقات العامة- يعتبر تنظيمًا جديدًا، ولم يمنعهم ذلك من الاستفادة من خبرات من سبقوهم حيث استحدثوا الدواوين وضبطوا أمورهم المالية من مختلف جوانبها، وقد تحدثت عن المؤسسة المالية في عهد الفاروق، رضي الله عنه، بنوع من التفصيل، فمن أراد المزيد فليرجع إليها في كتابي فصل الخطاب في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقد حاول بعض المستشرقين وفيهم فيليب حتى في موسوعته عن تاريخ العرب أن يقلل من شأن ما قام به الخلفاء الراشدين من تنظيم للأموال في الدولة عمومًا فقال:

«والحقيقة أن الأخبار تعزو إلى عمر كثيرًا مما أحدثته السنون التي لحقت عهده من إنشاءات دعت إليها التجارب والأحوال الجديدة، وأن ما جاء به الخلفاء وعمال الأمصار الأول في صدد الخراج والجزية، وأصول جبايتها وسياسة أموال الدولة لم يكن بالشيء الخطير، فلقد أبقى الإسلام أساس الحكم وأنظمة الإدارية البيزنطية على ما كانت عليه في سوريا ومصر، ولم يفكر أرباب الأمر في الأمصار الفارسية أن يبدوا أصول الحكومة المحلية، ولم يأخذ القاتحون الضرائب إلا طبقًا لطبيعة البلاد وبمقتضى الأصول المرعية في العهد المنقرض سواء أكان بيزنطيًا أو فارسيًا، ولم يعتبروا في ذلك إذا كانت قد دانت لهم صلحًا أو أنهم فتحوها عنوة، ولا اهتدوا بتشريع أوجده عمر»( ). والكاتب هنا قد تجاهل النصوص التي وردت في استنباط عمر للخراج على الأراضي المفتوحة عنوة، وكيف أن النظام قد لقي مجادلة ومعارضة من بعض الصحابة إلى أن استقر الأمر عليه، واتفق الجميع على تنفيذه( ). وقد تولى محمد ضياء الدين الريس الرد على هؤلاء المستشرقين فيما قالوه من خلال نصوص تاريخية موثقة يخلص منها إلى أن هذه الدعوى لا أساس لها من الصحة، وأن المسلمين وفقهاءهم كانوا يفرقون بين ما أحدثه عمر، وما أحدثه غيره، بل ويفصلون تفصيلاً دقيقًا في قضايا الخراج في عهد عمر( ).
وهذه عادة المستشرقين وأذنابهم من الطعن والتنقص في عظماء الإسلام، ولكن المشكلة أنهم يجدون من الأمة من ينظر لهم بإجلال وتقدير.
وبسبب الحروب والنزاعات الداخلية تأثرت دولة الخلافة في عهد على في مؤسساتها المتعددة، كالمالية والعسكرية، ومنصب الخلافة، مما ساهم في زوال الخلافة الراشدة، وسيأتي تفصيل ذلك في محله بإذن الله.


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق