197
تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة
الفصل الثالث : بيعة على رضي الله عنه وأهم صفاته وحياته في المجتمع
المبحث الثاني :شيء من فضائله وأهم صفاته وقواعد نظام حكمه
سادسًا: شدة عبوديته وصبره وإخلاصه لله تعالى:
مارس على – رضي الله عنه – مفهوم العبادة الشامل في حياته، وتميز بقيامه الليل، وأصبح من أهل التهجد الذين قال الله فيهم +تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا" [السجدة:16]، وقال تعالى فيهم: +آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ? كَانُوا قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ? وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" [الذرايات: 16-18]، وقال تعالى فيهم: +وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا ? وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا" [الفرقان: 63، 64].
وهذا ضرار بن ضميرة الكناني يصف على بن أبي طالب لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم: كان يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، وأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه يتململ في محرابه، قابضًا لحيته، يتململ تململ السليم( ), ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا، يا ربنا، يتضرع إليه، ثم يقول للدنيا: أبي تغررت أم إلىَّ تشوفت، هيهات هيهات، غُرَّي غيرى، قد بنتك( ) ثلاثا، فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك يسير( ), آه من قلة الزاد، وبعد السفر ووحشة الطريق، فوكفت( ) دموع معاوية على لحيته، ما يملكها وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال: كذا كان أبو الحسن رحمه الله، كيف وجدك عليه يا ضرار؟ قال: وجد من ذُبح واحُدها في حجرها، لا يرقأ( ) دمعها، ولا يسكن حزنها، ثم قام فخرج( ).
ودخل الأشتر النخعي على أمير المؤمنين على بن أبي طالب وهو قائم يصلى بالليل، فقال له: يا أمير المؤمنين، صوم بالنهار وسهر بالليل، وتعب فيما بين، فلما فرغ «على» من صلاته قال له: سفر الآخرة طويل، فيحتاج إلى قطعه بسير الليل( ), وكان أمير المؤمنين على – رضي الله عنه- يحث الناس على تقوى الله ومراقبته، وخشيته، فقد قال: أيها الناس، اتقوا الذي إن قلتم سمع، وإن أضمرتم علم، وبادروا الموت الذي إن هربتم أدرككم، وإن أقمتم أخذكم( ), وكان يقول: يا أيها الناس خذوا عني هذه الكلمات، فلو ركبتم المطى حتى تنضوها- يعنى تهزلوها- ما أصبتم مثلها: لا يرجونَّ عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحى- إذا لم يعلم- أن يتعلم، ولا يستحى – إذا سئل عما لا يعلم- أن يقول: لا أعلم، واعلموا أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا خير في جسد لا رأس له( ).
ففي هذه الوصية الجمع بين تصحيح التوحيد، والإرشادات إلى آداب العلم، حيث يوصي – رضي الله عنه – بتصحيح الاتجاه في مقامي الخوف والرجاء، فالمؤمن الحق لا يرجو إلا الله لأنه وحده المنعم بسائر النعم، والذين تجري على أيديهم النعم من المخلوقين إنما هم وسائط وأسباب في وصول تلك النعم، أما منشئ النعم وموجدها فهو الله سبحانه وتعالى، والمؤمن الحق لا يخاف من الله تعالى لأنه هوالذي يملك ضره ونفعه، والمخلوقات الذين يتوهم الناس أنهم مصدر خوف إنما هم وجميع الخلق في قبضة الله تعالى، وإذا كان الله تعالى وحده هو الرزاق، وهو الخالق وحده، وهو المالك وحده، القادر على كل شيء، فلَمِ يرجو المؤمن سواه أو يخاف من غيره؟ ولقد عبر أمير المؤمنين على – رضي الله عنه – عن الخوف من الله تعالى بالخوف من الذنوب لأن المراد هو الخوف من عاقبتها وهو عذاب الله تعالى، فهو إرشاد لأهم السبل الموصلة إلى تحقيق مقام الخوف من الله تعالى، ثم بَيَّن شيئًا من آداب التعلم لأن أمور الدين إنما تؤخذ بالعلم، فيذكر من آداب المتعلم أن لا يمنعه الحياء من التعلم حتى لو كان كبير السن، أو القدر، ويذكر من آداب المعلم أن لا يمنعه الحياء من أن يقول لا أعلم فهي- «لا أعلم» - أحفظ لدينه ودين من سأله.
ثم يختم وصيته النافعة ببيان أصل من أصول الإيمان، ألا وهو الصبر حيث يعتبره من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وذلك أن نجاح الأمور كلها يقوم على الصبر سواء في أمور الدنيا أو الآخرة( ), وقد مارس أمير المؤمنين على – رضي الله عنه – مقام الصبر في حياته منذ نعومة أظافره، وإسلامه سرًا مع رسول الله × مرورًا بما لاقاه في المغازي والسرايا، وعهد الخلفاء الراشدين وما صحبها من أحداث جسام، ومن ثم ما واجهه من صنوف الفتن في خلافته، إلى أن أنتهى الأمر بقتلهن كل هذه المراحل في حياته فيها الدروس البليغة لدعاة اليوم، والتنبيه لهم لما تحتاجه الدعوة إلى الله، سبحانه وتعالى، من الصبر والتحمل ودفع الثمن( ) ابتغاء مرضاة الله تعالى، وكان – رضي الله عنه – يحث أصحابه على مقام الصبر، فقد قال – رضي الله عنه – للأشعت بن قيس:«إنك إن صبرت جرى عليك القلم وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور»( ), وقال رضي الله عنه: «ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس بار الجسم»، ثم رفع صوته فقال: «ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له»( ), وقال: «الصبر مطية لا تكبو»، والصبر له مكانته المعروفة في دين الله، فقد ذكر الله تعالى الصبر في آيات كثيرة منها قوله تعالى: + إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ" [الزمر:10]، وقد جاء ذكر فضائله في أحاديث كثيرة، والصبر له ثلاثة أقسام وهى الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على البلاء.
وقد كان أمير المؤمنين على بن أبي طالب حريصًا على أن تكون أعماله خالصة لوجه الله تعالى، عاملاً بقوله تعالى: +قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ" [الأعراف:29]، وقوله تعالى: +فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" [الكهف:110]، وقوله تعالى: +فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" [غافر:14]، فقد كان أمير المؤمنين على بن أبي طالب قد تعلم من رسول الله × أن الأعمال لا تقبل إلا إذا خلصت النية، فمعنى ذلك أن الإخلاص ركن أساسي في العبادة، وأن العبادة التي فقد منها الإخلاص ترد على صاحبها كما جاء في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه»( ), فقد كان على رضي الله عنه محاربًا للشرك، بجميع أشكاله وأنواعه سواء شرك الربوبية أو شرك الألوهية، وكان حريصًا في سكناته وحركاته أن تكون أعماله خالصة لوجه الله تعالى، وكان يحث الناس خصوصًا طلاب العلم على البعد عن الرياء، فقد قال رضي الله عنه: يا حملة العلم، اعملوا به، فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق عمله علمه، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يجلسون حلقًا، فيباهي بعضهم بعضًا، حتى إن أحدهم ليغضب على جليسه حين يجلس على غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله عز وجل( ) . وقد أشار أمير المؤمنين على رضي الله عنه إلى أحد الأمراض الخطيرة عند بعض من يجلس للتعليم للمباهاة والسمعة، ويغضب على طلابه لو تركوه وذهبوا لغيره، لو كان هذا الذهاب فيه مصلحة لهم، فليست مصلحة طلابه عنده هي المهمة، بل المهم عنده مكانته وسمعته، وإن لم يقل ذلك بلسان المقال، فإنه يتبين من حكاية الحال( ), لأن من إخلاص الداعي إلى الله أن يكون همه أن يتبع الناس الحق ولو خالفوا رأيه، وهذه حال أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه فقد قال: اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون الناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي( ), وكان ذلك في رأي رآه في عدم جواز بيع أم الولد، وكان عمر يرى رأيه هذا، ثم رجع على عن رأيه الأول فرأى أنهن يبعن( ), وهذا تعليم للدعاة وطلاب العلم أن الخلاف في الرأي المشروع أمر طبيعي يجب ألا تضيق به الصدور ولا يؤثر على وحدة الصف، إن دعاة اليوم في أشد الحاجة أن يراجعوا أنفسهم في هذا الخلق، وأين هم منه، وأن يتضرعوا إلى الله ليمدهم بهذه الصفة الجميلة حتى ينالوا ثواب الله بعد مماتهم. وتثمر دعوتهم إلى الله في دنياهم.
لقد كانت عبادة على رضي الله عنه قائمة على كمال الإخلاص لله تعالى، واتباع هدى النبي ×، فالله هو المستحق للعبادة وحده، فقد كانت حياته كلها عبادة، يتنقل فيها من نوع إلى نوع، ومن حال إلى حال، يمتثل قول الله عز وجل: +قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ? لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" [الأنعام:162، 163]، لقد كانت العبادة عاملاً مهمًا في تزكية الأخلاق والاستقامة على شرع الله تعالى، ولذلك عرف أمير المؤمنين الاستقامة في تفسيره لمعنى «استقاموا» فقالوا: أدوا الفرائض( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق