48
موسوعة الحروب الصليبية (4)الحملات الصليبية "الأيوبيون بعد صلاح الدين"
الفصل الأول:الأيوبيون بعد صلاح الدين:
المبحث الثاني:عهد الملك العادل:
أولاً:الأحلاف السياسية ضد الأيوبيين في الجزيرة
9-العلاقات مع الخلافة العباسية:
ويبدو أن تقليد الخلفاء دخول الفرنج إليها، يعني تنصيبهم وُلاة حرب وقادة مجاهدين ضَّد الغزاة الفرنج، وربما لم يكن يُوجد ما ينص على ذلك لكنه الشائع والمتعارف عليه في ذلك الوقت، فعندما توفيَّ السلطان صلاح الدين عام 589ه/1193م، قام ابنه وخليفته الملك الأفضل بتسيير رسول إلى الخليفة في بغداد يحمل له "لامة الحرب التي لصلاح الدين وفرسه وستة وثلاثين درهماً، لم يخلف من المال سواها ( ) ، إنها رسالة واضحة، فصلاح الدين الدَّين أُعيد إلى الخليفة بعد انتهاء مهمَّته الجهادية وما خلفَّه من مال أعيد – أيضاً – كرمز لولايته الإدارية على البلاد ( ) وكان الخلفاء العباسيون غالباً ما يحُاولون استمالة الملوك والأمراء الأُيوبيون بالهدايا وغيرها ( ) وكان ملوك بني أيوب يقومون بكل واجباتهم المعنوية تجاه منصب الخليفة، فعندما ما تُوفي علي ابن الخليفة الناصر عام 612ه/1515م أرسل الخليفة يُعلم ملوك بني أيوب وكان الخليفة يحب ابنه المتوفي أبي الحسن علي حباً شديداً وقد رشحه لولاية العهد من بعده، وكان رحمه الله كثير الصدقة، كريماً كثير المعروف، حسن السيرة، محبوباً عند الخواص والعوام، وكان مرضه الإسهال، فحزن عليه الخليفة حزناً لم يسمع بمثله ( ) ولما توفي أخرج نهاراً ومشى جميع الناس بين يدي تابوته إلى تربة جدته الخيزران وهي عند قبر معروف الكرخي، فدفن هناك وأغلقت الأبواب وسمع الناس الصراخ العظيم ويقال أن ذلك كان صوت الخليفة ودامت عليه المناحات في أقطار بغداد ليلاً ونهاراً أياماً، فلم يبق في بغداد محله إلا وفيها النوح ولم تبق امرأة إلا وأظهرت الحزن الشديد، ولم يُسمع ببغداد مثل ذلك في قديم الزمان ولا حديثه ( ) ولما سمعت الملوك بموته جلسوا في العزاء لابسين شعار الحزن خدمة للخليفة، ورثته الشعراء، فأكثروا؛ فمن رثاه شرف الدين الحليَّ عندما عمل الملك الظاهر غازي – صاحب حلب – عزاءه بقصيدة مطلعها:
أكَذَا يُهدُّ النّيراتُ وَينَطفي
ويردُّ بالنكبات شاردة الورى
أكذا تغيبُ النيّراتُ وَيَنطَفي
ما كان من أنوارها متوقَّدا ؟
إلى أن قال:
لو كنت بالشهباء يوم تواترت
أنباؤها لرأيتَ يوما أسودا
يوماً تزاحمت الملائكة العُلَى
فيه فعزَّ عن عليّ أحمدا
قصدت أميَر المؤمنين رزيهٌ
عادتُ وقع سِهامِها أن تقصد
هي ضعفت شُمَّ الجبال وأخضعت
من لم يكن لمذلةٍ متعوَّدا
شنَّت على حرم الخليفة غارة
شعواءَ غادرت الفخار معَّردا
فسقى أبا حَسَنٍ ثراك ضائعٌ
لك ليس تَبْرَحُ غاديات عُوَّدَا ( )
ورثاه القاضي كمال الدين بن النبيه المصري لما عمل الملك الأشرف ابن الملك العادل عزاءه بقصيدة مطلعها:
الناس للموت كخيل الطِراد
فالسابقُ السابق منها الجواد
والله لا يدعو إلى داره
إلا من استصلح من ذا العباد
والموت نقّاد على كَفَّهِ
جواهر يختار منها الجياد
والمرء كالظَّلِ ولابد أن
يزول ذاك الظلُّ بعد امتداد
لا تَصُلُح الأرواح إلا إذا
سرى إلى الأجساد هذا الفساد
ومنها:
خليفة الله اصطبر واحتسب
فما وهي البيت وأنت العماد
بالحلم والعلم بكم يُقتدى
إذا دجا الخطبُ وضَلَّ الرَّشاد( )
وما فعله الخليفة العباسي من الحزن على ابنه بالصورة التي ذكرنها يتنافى مع الإسلام من إدامة المناحات في أقطار بغداد ليلاًونهاراً أياماً إلا وأظهرت الحزن الشديد ولم يسمع ببغداد مثل ذلك في قديم الزمان ولا حديثه، فمن آداب الإسلام في المصائب الصبر عليها لقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الصبر عند الصدمة الأولى ( ) . واحتساب المصيبة والصبر عليها؛ فينبغي أن يلتمس الأجر من الله تعالى من هذا الصبر، فيصبر ابتغاء موعود الله من الأجر والثواب ويصبر لأن أمره بالصبر، فقال عز وجل "واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور" (لقمان:17) ويتذكر أن فقد عزيزاً لديه، قول النبي صلى الله عليه وسلم : ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة ( )، ومن الآداب أيضاً: الاسترجاع ودعاء المصيبة، فيقول المرء عند نزول المصيبة : إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خير منها، فقد قال الله عز وجل " وبشر الصابرين الذين إذا أصبتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون أولئَك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون" (البقرة، آية:155 -157). وقال صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله : إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيراً منها ( ). قالت أم سلمة : فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة ؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ( ) وكذلك اجتناب كل ما يغضب الله من جنس الجهر بالسوء من القول، واللطم، وشق الجيوب، وحلق الشعور، والنياحة والشكوى إلى الناس والدعاء بالموت والويل والثبور وغير ذلك، فهذا كله يغضب الله تعالى، وينافي الصبر على، المصائب والرضا بها ( ) ومن ذلك تذكر القضاء السابق، فإن المسلم متى ما أيقن إن هذه المصائب مكتوبة ومقدرة ومتى ما استحضر في ذهنه أن كل ما قدره الله فهو لابد كائن واقع لا محيد عنه وأن لله تعالى حكمة في تقدير هذه المصائب هانت عليه المصائب قال تعالى "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور" (الحديد، آية: 22،23). هذا تعليق على موقف الخليفة العباسي الناصر من وفاة ابنه.
وكان ملوك بني أيوب يقومون بُكل واجباتهم المعنوية تجاه منصب الخليفة، وكان ملوك بني أيوب يُجدَّدون الولاء للخُلفاء العباسيين عبر أداء قسم الولاء أو ما كان يعرف بالتحليف ( ) ، ولم تنقطع الرّسل بين ملوك بني أيوب وبين ديوان الخلافة، فكان يندر أن يخلو عام من رُسُل تتردَّد برسائل وغيرها منذ أيَّام الملك العادل، فقد أرسل العادل إلى الخليفة الناصر عام 614ه/1217م وعاد جوابها مع الشيخ صدر الدين بن حموية ( ) ، وكان رسول الخليفة – في ذهابه، وإيابه في أداء مهمته يقابل الملوك الواقعين على طريقه، فعندما مّر مرّ شهاب الدين السهروردي رسول الخليفة الناصر بحلب عام 601ه/1205م يحمل التشريفات للملك العادل استُقبل فيها استقبالاً عظيماً، وجلس في مسجدها الجامع للوعظ، وحضر مجلسه كبار رجال حلب ( ) ، ولابد أن الاستقبال نفسه كان له في حماة وحمص ( ) ولم تكن سفارات الخليفة إلى بني أيوب لأمور تتعلق بالخلافة ودولتها، فقط، بل كان قسم كبير من هذه السفارات يتعلق بأمور داخل البيت الأيوبي أو يتعلق بأمور بين الأيوبييَّن وملوك آخرين فعندما كان الملك العادل يُحاصر سنجار عام 606ه / 1210م قِدم هبة الله بن المبارك بن الضحاك رسولاً من الخليفة الناصر يطلب منه ترك حصار سنجار، ويشفع في صاحبها ( ) ، فوافق العادل وانسحب، وفي الحقيقة، كانت استجابته لطلب الخليفة تغطية لانسحابه من حصار فاشل ( ) ، ومع انقسام دولة الخلافة العبّاسية الفعلي وسيطرة ملوك وأمراء وقادة وزعماء وشيوخ وغيرهم على مناطق مُتعددَّة من جسم الدولة، منها ما كان يشكل دول كبيرة جداً، ومنها إمارات صغيرة وأحيانا، قلعة أو بلدة لها حاكمها الخاص، وهو يتصَّرف بكل الشُّوُون السياسية والعسكرية والداخلية باستقلالية تامة، ومع كل هذا الانقسام بقيت هناك سلطةٍ اسمية للخليفة على كل الدولة والدويلات المستقلة، انطلاقاً من أن الخلافة هي منصب ديني والخليفة هو إمام المسلمين ومرجعهم الأعلى دينياً وسياسياً؛ لأن البلاد بكاملها كانت لدولة الخلافة، وكل سيطرة على أيّ منطقة منها ليست شرعية، وصاحبها لا يملك الحق الشرعي في الحكم، لذلك كان كل منهم مُضطرّّاً – بشكل أو بآخر – أن يُقرَّ سلطة اسمية للخليفة في بلاده، وكان خلفاء بني العبّاس المتأخرَّون يرضون بهذه السيطرة الإسمية التي لا تتعدَّى ذكر اسمهم في خطبة الجمعة على منابر المساجد، بحيث يسبقه اسم الملك المحلي، ونقش اسمهم على العملة التي يسكّها هذا الملك، أو ذاك، ضمن أراضي البلاد، التي كانت – فيما مضى – تسُمَّى أراضي الخلافة العبَّاسية وكان هناك شكل رسمي بُروتوُكُولي لموافقة الخليفة التي كانت مضمونة دائماً على أن يشمل بشرعية حكم الملوك المنتُفَّذين في أطراف الدولة ( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق