535
تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة
الفصل السادس : معركته الجمل وصفين وقضية التحكيم
المبحث الثالث : التحكيم
ثانيًا: سيرة عمرو بن العاص رضي الله عنه:
4- أعماله في عهد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم:
كان رسول الله × قد أرسل عمرًا إلى دعوة ابني الجلندي «جيفر, وعباد» إلى الإسلام ودعاهما إلى الإسلام وصدقا بالنبي × وخليا بين عمرو وبين الصدقة والحكم فيما بين قومهم, وكانا له عونًا على من خالفه( ), وبعد وفاة رسول الله × وجه الصديق عمرو بن العاص بجيش إلى فلسطين, وكان الصديق خيَّره بين البقاء في عمله الذي أسنده إليه رسول الله × وبين أن يختار له ما هو خير له في الدنيا والآخرة, إلا أن الذي هو فيه أحب إليه, فكتب إليه عمرو بن العاص: إني سهم من سهام الإسلام وأنت بعد الله الرامي بها والجامع لها, فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به( ), فلما قدم المدينة أمره أبو بكر رضي الله عنه أن يخرج من المدينة وأن يعسكر حتى يندب معه الناس.. ثم أرسله بجيش إلى الشام( ). وفي معركة اليرموك كان عمرو على الميمنة, فكان لمشاركته أثر كبير في انتصار المسلمين, وبعد وفاة الصديق استمر عمرو في الشام وكانت له مشاركة فعالة في حركة الفتح الإسلامي بالشام, فقد قام بمشاركة شرحبيل بن حسنة في فتح بيسان, وطبرية, وأجنادين( ), كما قام رضي الله عنه بفتح غزة, واللد, ويُبنى, وعمواس, وبيت جبرين, ويافا, ورفح, وبيت المقدس, ولم يقتصر عمرو رضي الله عنه على فتح بلاد الشام وحدها, بل شمل أيضًا مشاهير بلاد مصر, حيث كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصدر أمره إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه بعد الفراغ من فتوح الشام أن يسير بمن معه من الجند إلى مصر, فخرج رضي الله عنه حتى وصل إلى العريش ففتحها, كما شملت حركة الفتح أيضًا: الفرما, والفسطاط, وحصن بابليون, وعين شمس, والفيوم, والأشمونين, وأخميم, والبشرود, وتنيس, ودمياط, وتونة, ودقهلة, والإسكندرية, وبلادًا إفريقية أخرى مثل؛ برقة وزويلة وطرابلس( ), وقد شهد له الفاروق بصفات الزعامة والإمامة فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلى أميرًا( ). وكان في عهد عثمان من المقربين إلى الخليفة ومن أهل مشورته, ولما أحيط بعثمان, رضي الله عنه, خرج عمرو بن العاص من المدينة متوجهًا إلى الشام وقال: والله يا أهل المدينة ما يقيم بها أحد فيدركه قتل هذا الرجل إلا ضربه الله عز وجل بذل, ومن لم يستطع نصره فليهرب, فسار وسار معه ابناه عبد الله ومحمد, وخرج بعده حسان بن ثابت وتتابع على ذلك ما شاء الله( ), وعندما جاء الخبر عن مقتل عثمان رضي الله عنه وبأن الناس بايعوا علي بن أبي طالب, قال عمرو بن العاص: رحم الله عثمان رضي الله عنه وغفر له, فقال سلامة بن زنباع الجذامي: يا معشر العرب إنه قد كان بينكم وبين العرب باب فاتخذوا بابًا إذا كسر الباب, فقال عمرو: وذاك الذي نريد ولا يصلح الباب إلا أشاف( ), تخرج الحق من حافرة البأس ويكون الناس في العدل سواء, ثم تمثل عمرو بن العاص بهذه الأبيات:
فيا لهف نفسي على مالك
وهل يصرف مالك حفظ القدر
أنزع من الحر( ) أودى بهم
فأعذرهم أم بقومي سكر
ثم ارتحل راجلاً يبكي ويقول: يا عثماناه؛ أنعي الحياء والدين, حتى قدم دمشق( ).
هذه هي الصورة الصادقة عن عمرو رضي الله عنه والمتتالية مع شخصيته وخط حياته وقربه من عثمان, أما الصورة التي تمسخه إلى رجل مصالح وصاحب مطامع وراغب دنيا فهي الرواية المتروكة الضعيفة, رواية الواقدي عن موسى بن يعقوب( ), وقد تأثرت بالروايات الضعيفة والسقيمة مجموعة من الكتاب والمؤرخين, فأهووا بعمرو إلى الحضيض, كالذي كتبه محمود شيت خطاب( ), وعبد الخالق سيد أبو رابية( ), وعباس محمود العقاد الذي يتعالى عن النظر في الإسناد ويستخف بقارئه, ويظهر له صورة معاوية وعمرو رضي الله عنهما بأنهما:... انتهازيان صاحبا مصالح. ولو أجمع الناقدون التاريخيون على بطلان الروايات التي استند إليها في تحليله, فهذا لا يعني للعقاد شيئًا, فقد قال بعد أن ذكر روايات ضعيفة واهية لا تقوم بها حجة:.. وليقل الناقدون التاريخيون ما بدا لهم أن يقولوا في صدق هذا الحوار, وصحة هذه الكلمات, وما ثبت نقله ولم يثبت منه سنده, ولا نصه, فالذي لا ريب فيه ولو أجمعت التواريخ قاطبة على نقضه أن الاتفاق بين الرجلين, كان اتفاق مساومة ومعاونة على الملك والولاية, وأن المساومة بينهما كانت على النصيب الذي آل إلى كل منهما ولولاه لما كان بينهما اتفاق( ).
إن شخصية عمرو رضي الله عنه الحقيقية أنه رجل مبادئ, غادر المدينة حين عجز عن نصرة عثمان, وبكى عليه بكاءً مُرًا حين قتل, فقد كان يدخل في الشورى في عهد عثمان من غير ولاية, ومضى إلى معاوية, رضي الله عنهما, يتعاونان معًا على حرب قتلة عثمان والثأر للخليفة الشهيد( ), لقد كان مقتل عثمان كافيًا لأن يحرك كل غضبه على أولئك المجرمين السفاكين, وكان لابد من اختيار مكان غير المدينة للثأر من هؤلاء الذين تجرأوا على حرم رسول الله وقتلوا الخليفة على أعين الناس, وأي غرابة أن يغضب عمرو لعثمان؟. وإن كان هناك من يشك في هذا الموضوع فمداره على الروايات المكذوبة التي تصور عمرًا همه السلطة والحكم( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق