530
تاريخ الخلفاء الراشدين (4)سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ? شخصيته وعصره دراسة شاملة
الفصل السادس : معركته الجمل وصفين وقضية التحكيم
المبحث الثالث : التحكيم
أولاً: سيرة أبى موسى الأشعري:
3- ولاية أبى موسى في عهد عمر وعثمان رضي الله عنهم:
يعتبر أبو موسى – بحق – أشهر ولاة البصرة أيام عمر بن الخطاب، فقد فتحت في أيامه المواقع العديدة في فارس، فكان يجاهد بنفسه، ويرسل القادة للجهات المختلفة من البصرة، ففي أيامه تمكن البصريون من فتح الأهواز وما حولها وفتحوا العديد من المواضع المهمة، وكانت فترة ولايته حافلة بالجهاد، وقد تعاون أبو موسى مع الولاة المجاورين له في كثير من الحروب والفتوحات، وقد قام بجهود كبيرة لتنظيم المناطق المفتوحة وتعيين العمال عليها وتأمينها وترتيب مختلف شئونها، وقد جرت العديد من المراسلات بين أبى موسى وعمر بن الخطاب في مختلف القضايا, منها توجيهه لأبى موسى في كيفية استقباله للناس في مجالس الإمارة، ومنها نصيحته لأبى موسى بالورع ومحاولة إسعاد الرعية، وهي قيمة قال فيها عمر: «أما بعد، فإن أسعد الناس من سعدت به رعيته، وإن أشقى الناس من شقيت به رعيته، وإياك أن ترتع فيرتع عمالك، فيكون مثلك عند ذلك مثل البهيمة نظرت إلى خضرة من الأرض فرتعت تبغي السمن وإنما حتفها في سمنها»( ). وهناك العديد من الرسائل بين عمر وأبى موسى تدل على نواح إدارية وتنفيذية مختلفة كان يقوم بها أبو موسى بتوجيه من عمر، وقد جمع معظم هذه المراسلات محمد حميد الله في كتابة القيم عن الوثائق السياسية( ). وتعتبر فترة ولاية أبى موسى على البصرة من أفضل الفترات حتى لقد عبر عنها أحد أحفاد البصريين فيما بعد، وهو الحسن البصري – رحمه الله – فقال: ما قدمها راكب خير لأهلها من أبى موسى( ), إذ إن أبا موسى – رحمه الله – كان بالإضافة إلى إمارته خير معلم لأهلها، حيث علَّمهم القرآن وأمور الدين المختلفة( ), وفي عهد عمر بن الخطاب كان العديد من المدن في فارس – والتي فتحت في زمنه – تخضع للبصرة، وتدار من قبل والى البصرة الذي يعين عليها العمال من قِبَلة، ويرتبطون به ارتباطًا مباشرًا، وهكذا اعتبر أبو موسى من أعظم ولاه عمر. واعتبرت مراسلات عمر مع أبى موسى من أعظم المصادر التي كشفت سيرة عمر مع ولاته، وبينت ملامح أسلوبه في التعامل معهم( ), وقد أوصى عمر – رضي الله عنه – في وصيته للخليفة من بعده ألا يقرَّ لي عامل أكثر من سنة، وأقر الأشعري أربع سنين( ), وقد تولى أبو موسى منصب القضاء في عهد عمر وكان كتاب عمر إليه في القضاء أنموذجًا ومثالاً يفيد كل قاض، بل وكل إداري، في كل زمان ومكان( ), وقال عنه ابن القيم: وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم، والشهادة، والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه( ), كما تولى الولاية في عهد عثمان واستقضاه ذو النورين على البصرة أيضًا، ولما قتل عثمان كان واليًا على الكوفة، ولما تولى على رضي الله عنه الخلافة، أخذ أبو موسى له البيعة من أهل الكوفة، إذ كان واليًا عليها لعثمان بن عفان رضي الله عنه، وحين استنفر الخليفة الكوفيين من ذي قار، رأى أبو موسى بوادر الفتنة والانشقاق بين المسلمين، فنصح لأهل الكوفة أن يلزموا بيوتهم ويعتزلوا هذا الأمر فإنما هي فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، ولكن لاختلاف وجهة نظره مع الخليفة عزل عن ولاية الكوفة( ).
إن حياة أبى موسى، رضي الله عنه، منذ إسلامه قضاها في نشر الإسلام وتعليم الناس العلم، وخاصة القرآن الذي اشتهر بقراءته، والجهاد في سبيل الله والحرص عليه، والفصل في الخصومات، ونشر العدل وضبط الولايات عن طريق القضاء والإدارة، ولا شك أن هذه المهامّ صعبة وتحتاج إلى مهارات وصفات فريدة من العلم والفهم والفطنة والحذق والورع والزهد، وقد أخذ منها أبو موسى بنصيب وافر، فاعتمد عليه رسول الله × ثم الخلفاء الأربعة من بعده رضوان الله عليهم( ), فهل يتصور أن يثق رسول الله ×، ثم خلفاؤه بعده برجل يمكن أن تجوز عليه مثل الخدعة التي ترويها قصة التحكيم؟!( ).
إن اختيار أبى موسى –رضي الله عنه – حكمًا عن أهل العراق من قبل علىّ- رضي الله عنه – وأصحابه ينسجم تمامًا مع الأحداث، فالمرحلة التالية هي مرحلة الصلح وجمع كلمة المسلمين، وأبو موسى الأشعري كان من دعاة الصلح والسلام، كما كان في الوقت نفسه محبوبًا، مؤتمنًا من قبائل العراق، وقد ذكرت المصادر المتقدمة أن عليًا هو الذي اختار أبا موسى الأشعري، يقول خليفة في تاريخه: وفيها – سنة 37هـ- اجتمع الحكمان: أبو موسى الأشعري من قبل علىّ، وعمرو بن العاص من قبل معاوية( ), ويقول ابن سعد: فكره الناس الحرب وتداعوا على الصلح، وحكّموا الحكمين، فحكَّم علىٌّ أبا موسى، وحكّم معاويةُ عمرو بن العاص( ), ولهذا يمكن القول إن الدور المنسوب للقراء في صفين من مسئولية وقف القتال والتحكيم، وفرض أبى موسى حكمًا ليست إلا فرية تاريخية اخترعها الإخباريون الشيعة الذين ما انقطعوا عن تزوير وتشويه تاريخ الإسلام بالروايات الباطلة, وكان يزعجهم أن يظهر علي رضي الله عنه بمظهر المتعاطف مع معاوية وأهل الشام, وأن يرغب في الصلح مع أعدائهم التقليديين, ومن جهة أخرى يحملون المسئولية لأعدائهم الخوارج ويتخلصون منها, ويجعلون دعوى الخوارج تناقض نفسها, فهم الذين أجبروا عليًا على قبول التحكيم, وهم الذين ثاروا عليه بسبب قبول التحكيم( ).
إن هذه العجالة عن شخصية أبي موسى لها علاقة ببحثنا عن شخصية أمير المؤمنين علي وعصره, وأبو موسى من الشخصيات المؤثرة في عصره, وقد تعرضت للتشويه, وغالبًا إذا تحدث أحد عن صفين والتحكيم تعرضت شخصية أبي موسى وعمرو بن العاص, للتشويه, والكذب والافتراء بسبب الروايات الضعيفة والموضوعة, فكان لزامًا علينا أن نتحدث عن شيء من سيرتهما العطرة الزكية, وهذا المقصد من أهداف الكتابة في هذا البحث.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق