323
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفَصْل السَّادِس وَالعشرُون
أسر وقبائل
وورد اسم قيل آخر حكم القبيلتين معاً، هو القيل "نصرم يهحمد" "نصر يهحمد" "ناصر يهحمد"، وهو من "ذ معهر" "ذي معاهر"، وقد دون هذه الكتابة لمناسبة قيامه بإصلاح أرض "وادي ملتنتم" "وادي ملتنت" حيث حفر آباراً، وأنشأ سدودا، وزرع أشجاراً أثمرت، وبذر حبوباً. وقد سجل ذلك ملكاً خاصاً ب "آل معاهر"، وباسمه وأعلنه للناس في شهر "صيد" من سنة مئة وأربع وأربعين من التقويم السبئي، وتقابل سنة تسع وعشرين بعد الميلاد.
ويعد هذا النص، من النصوص المهمة، ولعله أقدم نص مؤرخ وفق تقويم ثابت معروف وصل إلينا.
ويظهر من ذكر اسم الملك "العزيلط"، وهو ملك حضرموت في هذا النص، ومن تعبير "القيل" صاحب النص عن الملك بلفظة "سيده"، أي سيد "نصر يهحمد": انه كان تابعاً له، وفي ارض كانت اذ ذاك، أي في النصف الأول من القرن الأول للميلاد، تحت حكم حكومة حضرموت. وقد دوّن هذا القيل أسماء الآلة: "عثتر"، و "سين ذو علم"، و "عم ذو دونم"، و "وعلان"، و "عم ذو مبرم" إله "سليم"، و "عثتر ذو صنعتم"، و "ودّ إلَه منو..."، و "ذات بعدان"، و "ذات ظهران"، و "عليت" إلَهة "حررم" "حرر"، و "شمس" إلَهة "وبنن" و "علفقن". ذكر كل هذه الآلهة، ولم ت ذكر إلَه سبأ الرئيس وهو "المقه"، وفي اغفاله اسم "المقه" دلالة على انه لم يكن على صلة حسنة بالسبئيين، وانه لم يكن يعترف بسيادتهم عليه ذلك لأنه كان نحت حكم ملك حضرموت.
وقد ورد اسم "خولان" في نص مهم جداً تعرض لخبر حرب نشبت في أيام ملوك "سبأ"، سقط منه اسم الملك، وسقطت منه كلمات عدة وأسطر أضاعت المعنى.
وقد شارك أصحاب هذه الكتابة في هذه الحرب، وعادوا منها موفورين سالمين، ولذلك سجلوا شكرهم للإلهَ "المقه" رب مدينة "حرونم" "حرون" "حروان"، لأنه نجّاهم، ومن عليهم بنعمة السلامة. ويفهم من الكلمات الباقية في النص أن قبيلة "خولان" كانت قد ثارت على سبأ، فجهز السبئيون حملة عسكرية عليهم، دحرت خولان، وتغلبت عليها، وحصل السبئيون على غنائم كثيرة. وكان يحكم "خولان" قيل لم يرد في النص اسمه، ولعله سقط من الكتابة، وقد أشير إليه ب "ذي خولان".
وورد في نص "معيني" ما يفيد اعتراض جماعة غازين من الخولانيين لقافلة معينة كانت تسلك طريق "معان" التجاري، وقد أفلتت من أيدي الغزاة ونجت، ولذلك شكرت الآلهة، لأنها ساعدتها في محنتها، وحمتها، ونجّتها من التهلكة، وعبرت عن شكرها هذا بتدوين النص المذكور. وقد وقفت على معبد "ودّ كسم"، إليه معين وقفاً في ارض "أيم"، كما سبق أن تحدثت عن تعرض الخولانيين والسبئيين لقافلة تجارية معينة في الطريق بين "ماون" "ماوان" و "رجمت" "رجمة". وفي هذين الخبرين دلالة على نشاط الخولانين في مناطق تقع شمال اليمن قبل الميلاد بزمان، وعلى أنهم كانوا من الذين يتحرشون بالطرق التجارية ويعترضون سبل المارة، كما يفعل الأعراب. ولعل هؤلاء الخولانيين كانوا من الأعراب المتنقلين.
وقد حكم الردمانيين أقيال منهم أيضاً. فقد ورد في أحد النصوص: "قول ومحرج شعبن ردمن ذ سلفن"، أي "قيل ومحرج قبيلة ردمان صاحبة سلفان"، ويقصد ب "سلفان" "السلف" "السلاف"، فردمان هؤلاء أصحاب الكتابة هم "ردمان السلف" "السلاف". ولم يكن هذا القيل من "ذي معاهر".
والردمانيون هم من الشعوب العربية القديمة أيضاً، وقد ساعدوا القتبانيين مراراً، وحالفوا شعباً آخر هو شعب "مضحيم" "مضحي"، وتعاون الشعبان في مساعدة "قتبان" ضد سبأ. وقد لعبوا دوراً مهماً في أيام عدد من ملوك سبأ، وقد كانوا من المناهضين لحكم "شعر أوتر"، ولما أرسل جيشاً عليهم لانزال ضربة بهم قاوموه وأنزلوا خسائر كبيرة به.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق