1689
البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع
وقال الطبراني: حدثنا عبيد بن محمد الكشوري، حدثنا همام بن سلمة بن عقبة، حدثنا غوث بن جابر، حدثنا عقيل بن معقل بن منبه، قال: سمعت عمي وهب بن منبه، يقول: يا بني ! أخلص طاعة الله بسريرة ناصحة، يصدق بها فعلك في العلانية، فإن من فعل خيراً ثم أسره إلى الله فقد أصاب مواضعه، وأبلغه قراره، ووضعه عند حافظه، وإن من أسر عملاً صالحاً لم يطلع عليه إلا الله فقد اطلع عليه من هو حسبه، واستحفظه واستودعه حفيظاً لا يضيع أجره.
فلا تخافن يا بني على من عمل صالحاً أسره إلى الله عز وجل ضياعاً، ولا تخافن ظلمة ولا هضمة، ولا تظنن أن العلانية هي أنجح من السريرة، فإن مثل العلانية مع السريرة، كمثل ورق الشجر مع عرقها، العلانية ورقها والسريرة أصلها، إن يحرق العرق هلكت الشجرة كلها، وإن صلح الأصل صلحت الشجرة، ثمرها وورقها، والورق يأتي عليه حين يجف ويصير هباء تذروه الرياح، بخلاف العرق، فإنه لا يزال ما ظهر من الشجرة في خير وعافية ما كان عرقها مستخفياً لا يرى منه شيء.
كذلك الدين والعلم والعمل، لا يزال صالحاً ما كان له سريرة صالحة يصدق الله بها علانية العبد، فإن العلانية تنفع مع السريرة الصالحة، ولا تنفع العلانية مع السريرة الفاسدة، كما ينفع عرق الشجرة صلاح فرعها، وإن كان حياته من قبل عرقها، فإن فرعها زينتها وجمالها، وإن كانت السريرة هي ملاك الدين، فإن العلانية معها تزين الدين وتجمله إذا عملها مؤمن لا يريد بها إلا رضاء ربه عز وجل.
وقال الهيثم بن جميل: حدثنا صالح المري، عن أبان، عن وهب، قال: قرأت في الحكمة: الكفر أربعة أركان: ركن منه الغضبة، وركن منه الشهوة، وركن منه الطمع، وركن منه الخوف.
وقال: أوحى الله تعالى إلى موسى: إذا دعوتني فكن خائفاً مشفقاً وجلاً، وعفر خدك بالتراب، واسجد لي بمكارم وجهك ويديك، وسلني حين تسألني بخشية من قلبك ووجل، واخشني أيام الحياة، وعلم الجهال آلائي، وقل لعبادي: لا يتمادوا في غي ما هم فيه، فإن أخذي أليم شديد.
وقال وهب: إذا هم الوالي بالجور أو عمل به دخل النقص على أهل مملكته، وقلت البركات في التجارات والزراعات والضروع والمواشي، ودخل المحق في ذلك، وأدخل الله عليه الذل في ذاته وفي ملكه، وإذا هم بالعدل والخير كان عكس ذلك، من كثرة الخير ونمو البركات.
وقال وهب: كان في مصحف إبراهيم عليه السلام: أيها الملك المبتلى إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولا لتبنى البنيان، وإنما بعثتك لترفع لي دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافر. (ج/ص: 9/ 330)
وروى أبن أبي الدنيا، عن محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: أن ذا القرنين قال لبعض الملوك: ما بال ملتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟
قال: من قبل أنا لا نخادع ولا يغتاب بعضنا بعضاً.
وروى ابن أبي الدنيا، عنه، أنه قال: ثلاث من كن فيه أصاب البر: سخاوة النفس، والصبر على الأذى، وطيب الكلام.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني سلمة بن شبيب، حدثنا سهل بن عاصم، عن سلمة بن ميمون، عن المعافى بن عمران، عن أدريس، قال: سمعت وهباً، يقول: كان في بنى إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أنهما مشيا على الماء، فبينما هما يمشيان على البحر إذا هما برجل يمشي في الهواء، فقالا له: يا عبد الله بأي شيء أدركت هذه المنزلة؟
قال: بيسير من البر فعلته، ويسير من الشر تركته، فطمت نفسي عن الشهوات، وكففت لساني عما لا يعنيني، ورغبت فيما دعاني إليه خالقي، ولزمت الصمت، فإن أقسمت على الله عز وجل أبر قسمي، وإن سألته أعطاني.
وقال: حدثني أبو العباس البصري الأزدي، عن شيخ من الأزد، قال: جاء رجل إلى وهب بن منبه فقال: علمني شيئاً ينفعني الله به.
قال: أكثر من ذكر الموت، واقصر أملك، وخصلة ثالثة إن أنت أصبتها بلغت الغاية القصوى، وظفرت بالعبادة الكبرى.
قال: وما هي؟
قال: التوكل.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق