1676
البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع
وروى سفيان، عن رجل من أهل صنعاء، عن وهب، فذكر الحديث كما تقدم.
وقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا الصلت بن عاصم المرادي، عن أبيه، عن وهب، قال: لما أهبط آدم من الجنة استوحش لفقد أصوات الملائكة، فهبط عليه جبريل فقال: يا آدم ! ألا أعلمك شيئاً تنفع به في الدنيا والآخرة؟ قال: بلى !
قال: قل اللهم تمم لي النعمة حتى تهنيني المعيشة، اللهم اختم لي بخير حتى لا تضرني ذنوبي، اللهم اكفني مؤنة الدنيا، وكل هول في القيامة حتى تدخلني الجنة في عافية.
وقال عبد الرزاق: حدثني بكار بن عبد الله، عن وهب، قال: قرأت في بعض الكتب فوجدت الله تعالى يقول: يا ابن آدم ! ما أنصفتني، تذكر بي وتنساني، وتدعو إلى وتفر مني، خيري إليك نازل، وشرك إلي صاعد، ولا يزال ملك كريم قد نزل إليك من أجلك.
يا ابن آدم ! إن أحب ما تكون إلي وأقرب ما تكون مني إذا رضيت بما قسمت لك، وأبغض ما تكون إلي، وأبعد ما تكون مني إذا سخطت بما قسمت لك.
يا ابن آدم ! أطعني فيما أمرتك، ولا تعلمني بما يصلحك، إني عالم بخلقي، وأنا أعلم بحاجتك التي ترفعك من نفسك، إني إنما أكرم من أكرمني، وأهين من هان عليه أمري، لست بناظر في حق عبدي حتى ينظر العبد في حقي.
وقال وهب: قرأت نيفاً وتسعين كتاباً من كتب الله تعالى فوجدت في جميعها: إن من وكل إلى نفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر.
وقال: لا يسكن ابن آدم، إن الله هو قسم الأرزاق متفاضلة ومختلفة، فإن تقلل ابن آدم شيئاً من رزقه فليزدد إلى الله رغبة، ولا يقولن لو اطلع الله على هذا من حالي، أو شعر به غيره؟ فكيف لا يطلع على شيء الذي خلقه وقدره؟ أو يعتبر ابن آدم في غير ذلك مما يتفاضل فيه الناس، كأن الله فاضل بينهم في الأجسام والأموال والألوان والعقول والأحلام، فلا يكبر على ابن آدم أن يفضل عليه في الرزق والمعيشة، ولا يكبر عليه أن يفضل عليه في الحلم والعلم والعقل والدين.
أولا يعلم ابن آدم أن الذي رزقه في ثلاثة أزمان من عمره لم يكن له في واحد منها كسب ولا حيلة، أنه سوف يرزقه في الزمن الرابع.
أول زمان من أزمانه حين كان في بطن أمه، يخلق فيه ويرزق من غير مال كسبه، وهو في قرار مكين، لا يؤذيه فيه حر ولا برد، ولا شيء ولا هم ولا حزن، وليس له هناك يد تبطش، ولا رجل تسعى، ولا لسان ينطق، فساق الله عز وجل إليه رزقه هناك على أتم الوجوه وأهناها وأمراها.
ثم إن الله عز وجل أراد أن يحوله من تلك المنزلة إلى غيرها، ويحدث له في الزمن الثاني رزقاً من أمه يكفيه ويغنيه من غير حول منه ولا قوة، ولا بطش ولا سمعة، بل تفضلاً من الله وجوداً، ورزقاً أجراه وساقه إليه.
(ج/ص: 9/314)
ثم أراد الله سبحانه أن ينقله من الزمن الثاني إلى الزمن الثالث من ذلك اللبن إلى رزق يحدثه له من كسب أبويه، بأن يجعل له الرحمة في قلوبهما حتى يؤثراه على نفسهما بكسبهما، ويغنياه ويغذياه بأطيب ما يقدران عليه من الأغذية، وهو لا يعينهما على شيء من ذلك بكسب ولا حيلة، حتى إذا عقل حدث نفسه بأنه إنما يرزق بحيلته ومكسبه وسعيه.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق