1674
البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع
وقال وهب في موعظته: اليوم يعظ السعيد، ويستكثر من منافعه اللبيب.
يا ابن آدم ! إنما جمعت من منافع هذا اليوم لدفع ضرر الجهالة عنك، وإنما أوقدت فيه مصابيح الهدى لتنبه لحزبك، فلم أر كاليوم ضل مع نوره متحير داع لمداوة سليم
يا ابن آدم ! إنه لا أقوى من خالق، ولا أضعف من مخلوق، ولا أقدر ممن طلبته في يده، ولا أضعف ممن هو في يد طالبه.
يا أبن آدم ! إنه قد ذهب منك ما لا يرجع إليك، وأقام عندك ما سيذهب، فما الجزع مما لابد منه؟ وما الطمع فيما لا يرتجي؟ وما الحيلة في بقاء ما سيذهب ؟
يا ابن آدم ! أقصر عن طلب ما لا تدرك، وعن تناول ما لا تناله، وعن ابتغاء ما لا يوجد.
وأقطع الرجاء عنك كما قعدت به عنك الأشياء، واعلم أنه رب مطلوب هو شر لطالبه.
يا ابن آدم ! إنما الصبر عند المصيبة، وأعظم من المصيبة سوء الخلق منها.
يا ابن آدم ! أي أيام الدهر ترتجى؟ يوم يجيء في عتم أو يوم تستأخر عاقبته عن أوان مجيئه؟ فانظر إلى الدهر تجده ثلاثة أيام: يوم مضى لا ترجوه، ويوم لا بد منه، ويوم يجيء لا تأمنه.
فأمس: شاهد عليك مقبول، وأمين مؤدٍ، وحكيم مؤدب، قد فجعك بنفسه، وخلف فيك حكمته.
واليوم: صديق مودع، كان طويل الغيبة عنك، وهو سريع الظعن إياك ولم يأته، وقد مضى قبله شاهد عدل، فإن كان ما فيه لك فاشفعه بمثله أوثق لك باجتماع شهادتهما عليك.
يا ابن آدم ! إنما أهل الدنيا سفر لا يحلون عقد رحالهم إلا في غيرها، وإنما يتبلغون بالعواري فما أحسنه - يعني: الشكر - للمنعم والتسليم للمعاد.
يا ابن آدم ! إنما الشيء من مثله وقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها، فما بقاء الفرع بعد ذهاب أصله ؟! إنما يقر الفرع بعد الأصل.
يا ابن آدم ! إنه لا أعظم رزية في عقله ممن ضيع اليقين وأخطأ العمل.
أيها الناس ! إنما البقاء بعد الفناء، وقد خلقنا ولم نكن، وسنبلى ثم نعود، ألا وإنما العواري اليوم والهنات غداً، ألا وإنه قد تقارب منا سلب فاحش، أو عطاء جزيل، فأصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه.
أيها الناس !! إنما أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل فيها المنايا، وإن ما أنتم فيه من دنياكم نهب للمصائب، لا تنالون فيها نعمة إلا بفراق الأخرى، ولا يستقبل منكم معمر يوماً من عمره إلا بهدم آخر من أجله، ولا يتخذ له زيادة في ماله إلا بنفاد ما قبله من رزقه، ولا يحيى له أثر إلا مات له أثر.
نسأل الله أن يبارك لنا ولكم فيما مضى من هذه العظة.
وقال قتيبة بن سعيد: حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن مروان، عن وهب بن منبه، عن الطريق ولم تستقم لسائقها، وإن فتر سائقها حزنت، ولم تتبع قائدها: فإذا اجتمعا استقامت طوعاً أو كرهاً، ولا تستطيع الدين إلا بالطوع والكره، وإن كان كلما كره الإنسان شيئاً من دينه تركه أوشك أن لا يبقى معه من دينه شيء. (ج/ص: 9/312)
وقال وهب: إن من حكمة الله عز وجل: أنه خلق الخلق مختلفاً خلقه ومقاديره، فمنه خلق يدوم ما دامت الدنيا، لا تنقصه الأيام ولا تهرمه وتبليه ويموت، ومنه خلق لا يطعم ولا يرزق، ومنه خلق يطعم ويرزق، خلقه الله وخلق معه رزقه.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق