1663
البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان
وقال أشعث بن عبد الله: عن الفرزدق، قال: نظر أبو هريرة إلى قدمي فقال: يا فرزدق إني أرى قدميك صغيرين، فأطلب لهما موضعاً في الجنة، فقلت: إن ذنوبي كثيرة، فقال: لا بأس فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن بالمغرب باباً مفتوحاً للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها)).
وقال معاوية بن عبد الكريم: عن أبيه، قال: دخلت على الفرزدق فتحرك فإذا في رجله قيد، فقلت: ما هذا؟ فقال: حلفت أن لا أنزعه حتى أحفظ القرآن.
وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت بدوياً أقام بالحضر إلا فسد لسانه إلا رؤبة بن العجاج والفرزدق فإنهما زادا على طول الإقامة جدة و حدة.
وقال راويته أبو سهل: طلق الفرزدق امرأته النوار ثلاثاً، ثم جاء فأشهد على ذلك الحسن البصري، ثم ندم على طلاقها وإشهاده الحسن على ذلك، فأنشأ يقول:
فلو أني ملكت يدي وقلبي * لكان عليَّ للقدر الخيار
ندمت ندامة الكسعي لما * غدت مني مطلقة نوار
وكانت جنتي فخرجت منها * كآدم حين أخرجه الضرار
وقال الأصمعي وغير واحد: لما ماتت النوار بنت أعين بن ضبيعة المجاشعي امرأة الفرزدق - وكانت قد أوصت أن يصلي عليها الحسن البصري - فشهدها أعيان أهل البصرة مع الحسن والحسن على بغلته، والفرزدق على بعيره، فسار فقال الحسن للفرزدق: ماذا يقول الناس؟ قال: يقولون شهد هذه الجنازة اليوم خير الناس - يعنونك - وشر الناس - يعنوني - فقال له: يا أبا فراس لست أنا بخير الناس ولست أنت بشر الناس.
ثم قال له الحسن: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة، فلما أن صلى عليها الحسن مالوا إلى قبرها، فأنشأ الفرزدق يقول:
أخاف وراء القبر إن لم يعافني * أشد من القبر التهاباً وأضيقا
إذا جاءني يوم القيامة قائد * عنيف وسواق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد آدم من مشى * إلى النار مغلول القلادة أزرقا
يساق إلى نار الجحيم مسربلاً * سرابيل قطران لباساً مخرقا
إذا شربوا فيها الصديد رأيتهم * يذوبون من حر الصديد تمزقا
(ج/ص: 9/295)
قال: فبكى الحسن حتى بل الثرى ثم التزم الفرزدق، وقال: لقد كنت من أبغض الناس إلي، وإنك اليوم من أحب الناس إلي.
وقال له بعض الناس: ألا تخاف من الله في قذف المحصنات؟ فقال: والله لله أحب إلي من عيني اللتين أبصر بهما، فكيف يعذبني؟
وقد قدمنا أنه مات سنة عشر ومائة قبل جرير بأربعين يوماً، وقيل: بأشهر، فالله أعلم.
وأما الحسن وابن سيرين فقد ذكرنا ترجمة كل منهما في كتابنا التكميل مبسوطة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق