1662
البداية والنهاية ( ابن كثير ) الجزء التاسع
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان
وقال بعضهم فيما حكاه المعافى بن زكريا الجريري: قالت جارية للحجاج بن يوسف: إنك تدخل هذا علينا، فقال: إنه ما علمت عفيفاً، فقالت: أما أنك لو أخليتني وإياه سترى ما يصنع.
فأمر بإخلائها مع جرير في مكان يراهما الحجاج و لا يريانه، ولا يشعر جرير بشيء من ذلك.
فقالت له: يا جرير فأطرق رأسه وقال: هاأنذا.
فقالت: أنشدني من قولك كذا وكذا - لشعر فيه رقة - فقال: لست أحفظه ولكن أحفظ كذا وكذا - ويعرض عن ذاك وينشدها شعراً في مدح الحجاج -.
فقالت: لست أريد هذا إنما أريد كذا وكذا - فيعرض عن ذاك وينشدها في الحجاج - حتى انقضى المجلس.
فقال الحجاج: لله درك أبيت إلا كرماً وتكرماً.
وقال عكرمة: أنشدت أعرابياً بيتاً لجرير الخطفي:
أبدل الليل لا تجري كواكبه * أو طال حتى حسبت النجم حيرانا
فقال الأعرابي: إن هذا حسن في معناه وأعوذ بالله من مثله، ولكني أنشدك في ضده من قولي:
وليل لم يقصره رقاد * وقصره لنا وصل الحبيب
نعيم الحب أورق فيه * حتى تناولنا جناه من قريب
(ج/ص: 9/293)
بمجلس لذة لم نقف فيه * على شكوى ولا عيب الذنوب
فخشينا أن نقطعه بلفظ * فترجمت العيون عن القلوب
فقلت له: زدني، قال: أما من هذا فحسبك ولكن أنشدك غيره، فأنشدني:
وكنت إذا عقدت حبال قوم * صحبتهم وشيمتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم * وأجتنب الإساءة إن أساؤوا
أشاؤوا سوى مشيئتهم فآتي * مشيئتهم وأترك ما أشاء
قال ابن خلكان: كان جرير أشعر من الفرزدق عند الجمهور، وأفخر بيت قاله جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم * حسبت الناس كلهم غضابا
قال: وقد سأله رجل: من أشعر الناس؟
فأخذ بيده وأدخله على ابنه، إذا هو يرتضع من ثدي عنز، فاستدعاه فنهض واللبن يسيل على لحيتيه.
فقال جرير للذي سأله: أتبصر هذا؟
قال: نعم !
قال: أتعرفه؟
قال: لا !
قال: هذا أبي، وإنما يشرب من ضرع العنز لئلا يحلبها فيسمع جيرانه حس الحلب فيطلبوا منه لبناً، فأشعر الناس من فاخر بهذا ثمانين شاعراً فغلبهم، وقد كان بين جرير والفرزدق مقاولات ومهاجاة كثيرةً جداً يطول ذكرها، وقد مات في سنة عشر ومائة.
قال خليفة بن خياط وغير واحد: قال خليفة: مات الفرزدق وجرير بعده بأشهر.
وقال الصولي: ماتا في سنة إحدى عشرة ومائة، ومات الفرزدق قبل جرير بأربعين يوماً.
وقال الكريمي: عن الأصمعي، عن أبيه، قال: رأى رجل جريراً في المنام بعد موته فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، فقيل: بماذا؟ قال: بتكبيرة كبرتها بالبادية.
قيل له: فما فعل الفرزدق؟ قال: أيهات أهلكه قذف المحصنات.
قال الأصمعي: لم يدعه في الحياة ولا في الممات.
وأما الفرزدق
واسمه همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن حنظلة بن زيد بن مناة بن مر بن أدّ بن طابخة، أبو فراس بن أبي خطل التيمي البصري الشاعر المعروف بالفرزدق، وجدّه صعصعة بن ناجية صحابي، وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحيي الموؤدة في الجاهلية.
حدث الفرزدق، عن علي: أنه ورد مع أبيه عليه، فقال: من هذا؟ قال: ابني وهو شاعر، قال: علمه القراءة فهو خير له من الشعر.
وسمع الفرزدق: الحسين بن علي ورآه وهو ذاهب إلى العراق، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وعرفجة بن أسعد، وزرارة بن كرب، والطرماح بن عدي الشاعر.
وروى عنه: خالد الحذاء، ومروان الأصغر، وحجاج بن حجاج الأحول، وجماعة.
وقد وفد على معاوية يطلب ميراث عمه الحباب، وعلى الوليد بن عبد الملك، وعلى أخيه، ولم يصح ذلك.
(ج/ص: 9/294)
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق